- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 815 Views
تحقيق: ربيع السعدني
انفوجراف: عاصم مسعد
آلية “سناب باك” (Snapback) أو “العودة التلقائية للعقوبات” هي بند أساسي في الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الموقع عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، بريطانيا؛ وألمانيا).
وتُعدّ أداة دبلوماسية قوية لإعادة فرض العقوبات الأممية على إيران في حال إخلالها بالتزاماتها النووية.. في هذا التحقيق الخاص يتتبع “زاد إيران” تطور هذه الآلية منذ إدراجها في القرار 2231 لمجلس الأمن عام 2015 حتى التهديدات الأخيرة بتفعيلها قبل نهاية أغسطس/آب 2025، مع محاولة حصر الخسائر والتداعيات المرتبطة بها وتنتهي صلاحية آلية فض النزاع في 18 أكتوبر/تشرين الأول 2025 وهو الموعد النهائي للدول الأوروبية الثلاث لتفعيلها، وإلا فستفقد هذا الحق إلى الأبد.
يتزامن هذا التاريخ مع انتهاء العمر الافتراضي للاتفاق النووي، الذي مضى عليه عقد من الزمن منذ توقيعه، لكن هذا الاتفاق بات في غيبوبة منذ 8 مايو/أيار 2018، عندما انسحبت الولايات المتحدة منه، فارضةً عقوبات أقسى على طهران، التي ردت بدورها بالتخلي تدريجيا عن التزاماتها النووية، ومنذ ذلك الحين، تحول الاتفاق إلى مجرد حبر على ورق، حيث فشلت كل الجهود لإنعاشه خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.

كما باءت بالفشل خمس جولات تفاوض بين إدارة الرئيس الحالي دونالد ترامب وإيران، منذ بداية هذا العام حتى 13 يونيو/حزيران 2025 قبل أن تتصاعد التوترات مع الهجوم الإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، دون التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل القديم، وتؤكد إيران أنها استخدمت هذه الآلية لتعليق التزاماتها، ردا على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق، بينما تطالب الدول الأوروبية الثلاث (بريطانيا وفرنسا وألمانيا) طهران بالعودة إلى التزاماتها، ملوّحة منذ عام على الأقل بتفعيل الآلية ضدها، بموجب ما ينص عليه البندان رقم 36 و37، فإذا رفضت الأطراف الأوروبية حجج إيران، تُحال القضية إلى مجلس الأمن للتصويت على قرار بعنوان “مواصلة رفع العقوبات عن إيران”.
ما هي آلية (Snapback)؟
آلية “سناب باك” أو تفعيل الزناد، تُعرف رسميا بـ”آلية فض النزاع” في الاتفاق النووي، وهي منصوص عليها في القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بعد توقيع الاتفاق النووي في يوليو/تموز 2015.

تتيح هذه الآلية لأي طرف من أطراف الاتفاق تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة إذا اعتبر أن إيران انتهكت التزاماتها، مما يؤدي إلى مسار قانوني يمكن أن ينتهي بإعادة فرض العقوبات الأممية التي رُفعت بموجب الاتفاق.
تأخذ الآلية مسميات عدة، حيث لا يستخدم مصطلح سناب باك حرفيا في قرار مجلس الأمن 2231 (الفقرة 11-12)، والاسم الرسمي الإجرائي هو “إعادة فرض التدابير المنصوص عليها في قرارات مجلس الأمن السابقة”، إلا أنه في الأوساط الدبلوماسية والإعلامية يستخدم مصطلح “سناب باك”، أما في الأوساط العربية فيستخدم مصطلح “آلية الزناد” كترجمة اصطلاحية غير رسمية.
الآلية تُعد فريدة لأنها لا تتطلب موافقة مجلس الأمن لإعادة العقوبات، حيث يمكن لأي عضو دائم (باستثناء الولايات المتحدة بعد انسحابها عام 2018) تفعيلها، مما يجعلها “سيفا معلقا” فوق رأس إيران، تم اقتراح هذه الآلية بمبادرة من وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، واعتبرتها إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إنجازا دبلوماسيا، حيث تمنح الدول الغربية أداة ضغط قوية.
ومع ذلك، أثارت جدلا داخل إيران، حيث اعتبرها البعض تهديدا دائما لسيادتها.
تفعيل آلية الزناد: كيف تعمل؟

تقديم الشكوى: أي طرف من أطراف الاتفاق (باستثناء الولايات المتحدة) يقدم شكوى إلى لجنة مشتركة تضم جميع الأطراف.
فترة التفاوض: يُمنح 30 يوما لحل النزاع دبلوماسيا. إذا فشل التفاوض، تُحال القضية إلى مجلس الأمن.
إعادة العقوبات: إذا لم يتم التصويت على قرار لإلغاء العقوبات خلال 30 يوما إضافية، يعاد فرض العقوبات الأممية تلقائيا، وضمن ذلك حظر النفط، الصادرات غير النفطية، والتفتيش على الشحنات.
الخسائر الاقتصادية

الأمر الأبرز هو أن عقوبات الأمم المتحدة، بدعم من الولايات المتحدة وأوروبا، قد تُستخدم كأداة لتكثيف الضغط الدولي، حتى الدول التي ترفض العقوبات الأمريكية أو السياسات الغربية المعادية لإيران ستجد نفسها تحت ضغط متزايد للامتثال لهذه القيود، وقبل 2015، العقوبات الأممية والأمريكية كبدت إيران خسائر تقدر بنحو 500 مليار دولار بسبب انخفاض صادرات النفط والعزلة المالية.
في تعليق على تراجع الاقتصاد الإيراني، أوضح الخبير الاقتصادي بيمان مولوي قائلا: “شهد الناتج المحلي الإجمالي لإيران هبوطاً ملحوظا من 644 مليار دولار في عام 2012 إلى نحو 400 مليار دولار حاليا، ومع استمرار هذا المنحى، قد يتهاوى إلى ما دون 300 مليار دولار في المستقبل القريب”.
بعد انسحاب الولايات المتحدة (2018): العقوبات الأمريكية الأحادية أدت إلى انهيار الريال الإيراني، حيث فقد أكثر من 70% من قيمته بحلول 2020، صادرات النفط انخفضت من 2.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من 500 ألف برميل.

حظر بيع الأسلحة: في حال تفعيل هذه الآلية، ستُعاد فرض قيود صارمة تشمل حظر بيع الأسلحة التقليدية لإيران (بدلا من رفعها في 2020)، وتجديد الحظر على تخصيب اليورانيوم وأنشطة البحث والتطوير النووي التي تتجاوز الحدود المتفق عليها، إلى جانب تجميد أصول بعض المسؤولين الإيرانيين، حظر سفرهم، ومنع توريد أو نقل التقنيات الحساسة إلى إيران. هذه العقوبات ستُنفذ تحت مظلة الأمم المتحدة.
إيران تواجه حاليا شبكة واسعة من العقوبات الأمريكية أحادية الجانب، التي تستهدف بشكل رئيسي القطاعات المالية، المصرفية، النفطية، الشحن، والعسكرية، هذه الإجراءات، التي تنفذها الحكومة الأمريكية عبر وزارتي الخزانة والخارجية، قد تتحول إلى عقوبات دولية متعددة الأطراف في حال تفعيل آلية “الزناد”، وأبرزها على الصناعات البتروكيماوية التي أصبحت المتنفس الرئيسي للاقتصاد الإيراني، لكنها تأثرت أيضًا بالعقوبات، مما أدى إلى إضرابات عمالية واسعة.
بعد يوليو/تموز 2025، قدرت الخسائر الإيرانية الناتجة عن الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على منشآتها النووية والعسكرية بمئات الملايين من الدولارات، مع تدمير 120 منصة صاروخية، و6 مطارات عسكرية، و15 طائرة.

ووجَّه الخبير الاقتصادي بيمان مولوي نقدا لاذعا للسياسات الراهنة، معلنا: “ما لم تُزَل العقوبات وتُنفَّذ إصلاحات جذرية، فإن الحلم بالنمو الاقتصادي المستدام سيظل بعيد المنال، فقد كانت إيران، قبل وطأة العقوبات، تتربع على المرتبة 110 في مؤشر الحرية الاقتصادية، بينما تتردى اليوم إلى المرتبة 165، وهو انهيار يعكس بوضوح أثر العقوبات وسوء السياسات المتبعة”.
الخسائر العسكرية والنووية
▪︎ يونيو/حزيران 2025: هجوم على المنشآت النووية الإيرانية أدى إلى تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية. بحسب منشور على X، تضررت 35 طنا من اليورانيوم المخصب، وهي كمية كبيرة كانت تُعدّ لأغراض نووية محتملة.
▪︎ خسائر بشرية: مقتل 35 قائدا عسكريا كبيرا في الهجمات الإسرائيلية الأخيرة خلال الحرب التي استمرت 12 يوما ضد إيران من أعضاء الحرس الثوري و14 عالما نوويا، إضافة إلى أكثر من 950 شخصا في هجمات متفرقة.
▪︎ البرنامج النووي: استثمرت إيران نحو 650 مليار دولار في برنامجها النووي منذ بدايته، لكن الهجمات الأخيرة قلصت قدراتها بشكل كبير.
خيار الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي
وحذر الدكتور علي بيجدالي، أستاذ بجامعة شهيد بهشتي، من تداعيات تفعيل آلية الزناد على المفاوضات النووية الإيرانية، كما يواجه طهران ضغوطا متزايدة من تحالف يضم الولايات المتحدة، أوروبا، إسرائيل، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع تركيز خاص على آلية إعادة العقوبات التي تفوق في شدتها الضغوط الإسرائيلية.
في حال تفعيل الآلية ورفض إيران التعاون مع خبراء الوكالة، سيُحال ملفها إلى مجلس الأمن خلال 60-100 يوم، مما يعيد فرض العقوبات السابقة منذ عهد أحمدي نجاد.
وتهدد إيران باتخاذ إجراءات مضادة، قد تصل إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو قرار خطير قد يضعها في عزلة مشابهة لكوريا الشمالية، لكنه غير واقعي؛ نظرا إلى الأهمية الجيوسياسية للمنطقة.

وزير الخارجية الفرنسي أعلن أن إيران أمامها حتى نهاية أغسطس/آب لتقديم رد واضح وإتاحة التفتيش النووي، وإلا فستُفعَّل الآلية، إذا وصلت القضية إلى مجلس الأمن وصدر قرار تحت الفصل السابع، فستواجه إيران عقوبات شاملة، وضمن ذلك حظر التجارة، وتفتيش السفن، وتعليق الرحلات الجوية، مما يرسمها كدولة مارقة تهدد الأمن العالمي، وانتقد بيجدالي تردد صناع القرار في إيران، مشيرا إلى أن الجمود السياسي يغذي اليأس المجتمعي ويعرقل السياسة الخارجية، ويدعو إلى قرارات حاسمة وسريعة لتجنب كارثة دبلوماسية وتفاقم الأزمة.
الموقف الأمريكي والأوروبي تجاه آلية “سناب باك”
كتب موقع أكسيوس الإخباري الأمريكي، نقلا عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة (E3) اتفقوا في محادثة هاتفية خلال الشهر الماضي على أن نهاية أغسطس/آب 2025 سيكون الموعد النهائي الفعلي للتوصل إلى اتفاق نووي مع إيران، وإلا “فسيتم تفعيل آلية الزناد”، ما لم تلتزم طهران بتعهداتها النووية، خاصة بعد تعليق تعاونها مع الوكالة الدولية وتهديدها بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار.
وفي رسالة حصلت عليها صحيفة فايننشيال تايمز، ونشرها موقع “فرارو”، أكد وزراء الدول الأوروبية الثلاث بلهجة حاسمة: “لقد بعثنا برسالة واضحة إلى إيران: إما التزامها بحل دبلوماسي قبل نهاية أغسطس/آب 2025، أو اغتنام فرصة تمديد مهلة آلية الزناد، وإلا فإن الدول الأوروبية الثلاث جاهزة لتفعيل هذه الآلية دون تردد”، وفي خطوة أخرى مرنة، اقترحت الترويكا الأوروبية، وفقا للصحيفة البريطانية تمديد مهلة “سناب باك” لستة أشهر بعد 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025، كفرصة أخيرة للتوصل إلى حل، بشرط عودة إيران للمفاوضات مع واشنطن، والتعاون مع الوكالة، والإفصاح عن 400 كغم من اليورانيوم المخصب.
هذا الموقف، الذي أكدته ألمانيا لاحقا، يظهر مرونة أوروبية بقبول التخصيب المحلي في إيران، مخالفا النهج الأمريكي المتشدد، مع إدراك محاولات طهران لخلق انقسام بين واشنطن وأوروبا، ما يدفعها إلى التمسك بالتنسيق مع الولايات المتحدة، وزعمت وزارات خارجية هذه الدول الأوروبية أن “التمديد المحدود” أو الوقت المخصص لتفعيل آلية الزناد، من شأنه أن يوفر مزيدا من الوقت للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى اتفاق نووي.
مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على إعادة فرض العقوبات لمنع الانتشار النووي.
فرنسا: باريس تسلك مسارا جريئا، مشددة على إدراج الصواريخ الإيرانية في المفاوضات، وتربط رفع العقوبات بإطلاق سجنائها في طهران، مُظهرة نهجا فرنسيا متفردا يميزها عن حلفائها الأوروبيين، ألمانيا: برلين تدعو إلى التريث، مفضلةً تأخير “سناب باك” إلى ما بعد أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع الاحتفاظ بها كورقة ضغط إذا فشلت المفاوضات بحلول أغسطس/آب الجاري رغم غياب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن، تملك ألمانيا نفوذا قانونيا عبر الأعضاء الدائمين في المجلس، بريطانيا: لندن تتبنى موقفا صلبا، متسقا مع فرنسا وألمانيا، مهددة بتفعيل الآلية إذا لم تُثمر المفاوضات بحلول أغسطس/آب 2025، ومع استعدادها لقرارات “مؤلمة” ضد إيران، قد تُسارع التصعيد بدعم أمريكي إذا استمر الجمود.
3 مسارات أمام إيران مع آلية الزناد
إيران تسعى جاهدة للخروج من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة المتعلق بالسلم والأمن، خلال المفاوضات النووية، كان لإيران ومجموعة 5+1 آلية لاستعادة الوضع السابق إذا فشلت خطة العمل الشاملة.

منذ 2019 تقدمت إيران تدريجيا بهذا المسار، بينما يسعى الأوروبيون لتفعيل آلية الزناد بانتهاء القرار 2231.
ويرى المحللون ثلاثة خيارات لإيران:
1. المواجهة: إيران تتجاهل الضغوط الأوروبية، رافضةً التنازلات تحت وطأة العقوبات الأمريكية، عودة قرارات مجلس الأمن تعيد إيران إلى ما قبل 2015، مما قد يدفعها إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، مغيّرةً قواعد اللعبة سياسيًا.

2. التمديد: الحل الدبلوماسي يلوح كأمل لتأجيل عودة القرارات، إيران تعارض علنا التمديد الأوروبي، لكن التفاوض قد يمنح مهلة ستة أشهر، دون ضمان حل نهائي.

3. كسب الوقت: الخيار الأضعف احتمالا، إذا مرّ الموعد النهائي للقرار 2231 دون تفعيل الزناد، فستصبح عودة العقوبات شبه مستحيلة بسبب غياب الإجماع الدولي ومعارضة روسيا والصين، الأوروبيون يسابقون الزمن لتفادي هذا السيناريو قبل انتقال رئاسة مجلس الأمن إلى روسيا.
الوضع الراهن
في الآونة الأخيرة، رفعت ثلاث دول أوروبية صوتها مدعيةً أن إيران تتحدى التزاماتها النووية، مشيرة إلى سلسلة من الخطوات التي وصفتها بـ”الانتهاكات الجسيمة” للاتفاق النووي، وتشمل هذه الخطوات، بحسب مسؤولين أوروبيين، رفع إيران مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وتكديس مخزون أكبر من اليورانيوم، ونشر أجهزة طرد مركزي متطورة، فضلا عن تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي خطوات يرونها خرقا صريحا لروح الاتفاق.
في المقابل، ترد طهران بحجة راسخة، مستندة إلى انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق وتشديد قبضة العقوبات الأحادية، إلى جانب عجز أوروبا عن تحقيق الفوائد الاقتصادية الموعودة لإيران، وتؤكد إيران أن تحركاتها تستند إلى المادة 36 من الاتفاق، التي تتيح لها خفض التزاماتها تدريجياً كرد فعل على تقاعس الأطراف الأخرى، من وجهة نظر طهران، ليست هناك انتهاكات، بل ممارسة لحق مشروع، مع التأكيد على أن هذه الخطوات قابلة للعكس إذا ما عادت الأطراف الأخرى إلى الوفاء بتعهداتها.
التداعيات المحتملة
اجتماعيا: تعاظم نفوذ التيار المتشدد بإيران، مما قد يفضي إلى تعيين شخصيات أكثر تشددًا في مناصب مفصلية لضمان عدم تقديم أي تنازلات تحت الضغط؛ فالإيرانيون رأوا أن الإصلاحيين لم ينجحوا في ترجمة تفاهمات تفتح المجال لإنقاذ إيران من العزلة، ولم يكونوا أكثر كفاءة من المتشددين في حل الأزمات، وبالتالي قد يتم تهميشهم
اقتصاديا: إعادة فرض العقوبات الأممية ستؤدي إلى حظر صادرات النفط والغاز، وتشديد العقوبات على الصناعات البتروكيماوية، مما سيفاقم الوضع الاقتصادي المتدهور في إيران، ورغم أن الأثر الاقتصادي المباشر للعقوبات الأممية قد يكون محدودا نسبيا بالمقارنة مع أثر العقوبات الأمريكية، فإن العقوبات الأممية ستحدث تأثيرا سلبيا إضافيا؛ ما قد يدفع الاقتصاد نحو الانكماش وتراجع الاستثمارات الحكومية والخاصة بسبب نقص الإيرادات خاصة النفطية.
سياسيا: تفعيل الآلية قد ينهي الاتفاق النووي نهائيا، مما يغلق نافذة التفاوض ويزيد العزلة الدبلوماسية لإيران، ولكن سيتعمق اصطفاف طهران مع روسيا والصين؛ فالصين قد تزيد وارداتها من النفط الإيراني (المستمرّة أصلا رغم العقوبات الأمريكية)، وربما توفر استثمارات أو خطوط ائتمان باليوان، وروسيا قد تسرّع بعض أوجه التعاون العسكري (نقل تقنيات عسكرية أو تمكين من شراء معدات مؤجلة).
داخليا: يتوقع أن تشتد القبضة الأمنية لقمع أي احتجاج متوقع نتيجة التدهور الاقتصادي، وقد تشهد إيران تلاشيا للخطاب القومي، وتناميا للاحتجاجات.
خارجيا: مواجهة أكثر حدة مع أوروبا، بسبب انهيار ما تبقى من الثقة بين طهران والعواصم الأوروبية، التي كانت إيران تفصلها (حتى الآن) عن الموقف الأمريكي المتشدد، حيث ستصنف طهران الأوروبيين في الخانة نفسها مع واشنطن، معتبرةً أنهم رضخوا لإملاءات واشنطن، وبالتالي ستتبنى نهجا أكثر صرامة عبر عدة ملفات؛ منها دعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا.
عسكريا: إيران قد تلجأ إلى تصعيد عسكري في المنطقة، وضمن ذلك دعم وكلائها (مثل الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان) للرد على الضغوط.
نوويا: انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي قد يفتح الباب لتطوير أسلحة نووية، مما يزيد التوترات الإقليمية والدولية.
خبراء: إعادة فرض العقوبات على إيران قد تُشعل أزمة نووية وتُعزز نفوذ الصين
في أحدث تقرير نُشر على موقع المجلس الإلكتروني بشأن إمكانية تفعيل آلية الزناد أو “إعادة فرض العقوبات” كتبت إيلي جيرانمايه، كبيرة الباحثين في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، لتحذر من أن تفعيل آلية “سناب باك” لإعادة فرض العقوبات على إيران لن يدفعها لوقف التخصيب، بل قد يدفعها للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، مما يعيق الإشراف الدولي على برنامجها النووي ويزيد الاعتماد على استخبارات أمريكية وإسرائيلية “مسيّسة”.
وتضيف أن هذا التصعيد قد يُفاقم التوترات، ويُحفّز إيران لبناء منشآت سرية أو تطوير أسلحة نووية، مع ردود فعل محتملة ضد أوروبا، كوقف الدبلوماسية النووية، أو زيادة الضغط على سجناء أوروبيين، وتعزيز التعاون العسكري مع روسيا.

غرانمايه ترى أن إعادة فرض العقوبات قد تُنهي فعاليتها دون بديل، وتُفقد قيود مجلس الأمن لعقود، لذا، يقترح تمديدا محدودا لـ”سناب باك” بموافقة جميع الأطراف، مع إعطاء إيران عامًا لاستئناف المفاوضات مع أمريكا، مقابل عودة المراقبة الدولية. لكنه يشير إلى أن قانونا إيرانيا جديدا قد يعيق ذلك، فيقترح إشراك الصين كوسيط مؤقت لتسهيل المراقبة، وهو نهج قد يُرحب به إيران ويعزز مكانة الصين عالميًا.
الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط، يرى أن ما يشغل النظام الإيراني حاليا ليس الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، بل كيفية النجاة من تكرار مثل الضربات العسكرية الأخيرة الكثيفة، أما بالنسبة لاحتمال الانسحاب من المعاهدة، فإن إيران، إن رأت أن النظام قد نجا واستعاد توازنه، فقد تتجه بالفعل نحو تطوير السلاح النووي، لكنها لن تعلن انسحابها من معاهدة حظر الانتشار النووي قبل امتلاك هذا السلاح فعليا، لأنها تدرك أن خطوة كهذه ستمنح خصومها الشرعية الدولية لتوجيه ضربة استباقية أقوى وأكثر إيلاما، بمعنى آخر، إيران ستستمر في اللعب على حافة الشرعية الدولية، حتى تضمن أن امتلاك السلاح النووي صار أمرا واقعا يمكن الدفاع عنه، لا مجرد نوايا يمكن إفشالها على حد قوله.
التأثير الاقتصادي على العمال والأسر
تسببت العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران منذ عام 2018 في تداعيات اقتصادية واجتماعية عميقة، أثرت بشكل مباشر على العمال والأسر والشباب، انهيار الريال الإيراني أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والأدوية، بنسبة 100% في بعض الحالات، مما زاد من معاناة الأسر وفاقم الأزمات الصحية.
كما شهدت الصناعات، خاصةً البتروكيماوية، إضرابات عمالية نتيجة تدني الأجور وسوء الأوضاع المعيشية، ودفع نقص فرص العمل الشباب إلى الهجرة أو المشاركة في احتجاجات واسعة خلال عامي 2018 و2019.
هذه الأوضاع، إلى جانب أزمة كوفيد-19، وفقا لصحيفة “ابتكار” الإيرانية (Ebtekar Daily) في سبتمبر/أيلول 2020 عززت الاستياء الشعبي، كما أشارت تقارير محلية، مما يعكس تحديات اجتماعية واقتصادية متفاقمة.
آلية “سناب باك” تُعد أداة دبلوماسية قوية صُممت لضمان التزام إيران بالاتفاق النووي، لكنها أصبحت سيفا معلقا يهدد استقرارها الاقتصادي والسياسي، منذ توقيع الاتفاق في 2015، واجهت إيران ضغوطا متزايدة، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة في 2018 وتصعيد الدول الأوروبية في 2024-2025.
الخسائر الاقتصادية تجاوزت مئات المليارات، مع تدمير بنية تحتية نووية وعسكرية حيوية، مع اقتراب الموعد النهائي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 لانتهاء القرار 2231.
يبقى السؤال: هل ستنجح إيران، بدعم روسيا والصين، في منع تفعيل “سناب باك”، أم أن الحرب الاقتصادية والعسكرية ستدفعها إلى مواجهة مفتوحة؟
ما موقف إيران؟
إيران تواجه عزلة متزايدة مع تصاعد الضغوط الأوروبية والأمريكية، تهديداتها بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي زادت من المخاوف الدولية، مما قد يسرع تفعيل “سناب باك”.
كما تدهورت العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية حيث أعلنت إيران في أغسطس/آب 2025 عدم وجود مفتشين من الوكالة على أراضيها، معتبرةً أن الوكالة “مسيّسة”.

وفي هذا السياق عقدت إيران اجتماعات مع روسيا والصين في يوليو/تموز 2025 لمناقشة استراتيجيات مواجهة التهديدات الأوروبية، مما يشير إلى محاولة لتشكيل تحالف مضاد.
إيران ترفض تفعيل “سناب باك” وتعتبره “غير قانوني” ويتعارض مع روح الاتفاق، حيث أطلق وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، تصريحات نارية على هامش اجتماع الحكومة السبت 9 أغسطس/آب 2025، مؤكدا أن آلية “سناب باك” لإعادة فرض العقوبات “بلا أساس قانوني” واعتبر أن أوروبا، بمواقفها الأخيرة، “فقدت شرعيتها كشريك في الاتفاق النووي”، وبالتالي “لا تملك الحق في تفعيل هذه الآلية”.
قال عراقجي أيضا، إن الترويكا الأوروبية لم تف بالتزاماتها، وإن آلية الزناد لم تعد ذات جدوى. وأضاف: “بالنسبة للأوروبيين، لا داعي للتفاوض الآن لأنهم عاجزون عن رفع العقوبات، ولا يستطيعون فعل أي شيء، إذا فعّلوا آلية الزناد، فسيكون ذلك نهاية المطاف بالنسبة لهم”.
من جهته، هاجم المتحدث باسم الخارجية، إسماعيل بقايي، الدول الأوروبية الثلاث، متهما إياها باستخدام هذه الآلية كأداة ضغط تعكس “نقصا في الجدية والبنّاء”، مؤكدا أنها تفتقر إلى “الشرعية القانونية والأخلاقية” لاستغلال الآلية لإعادة العقوبات، وأكد أن إيران سترد بقوة إذا أُعيدت العقوبات، مشيرا إلى أن أوروبا ليست في وضع يسمح لها بتفعيل الآلية، وفي سياق التوتر المتصاعد، لوّحت طهران مرارا خلال الأسابيع الماضية، عبر مسؤوليها، بخطوات جذرية محتملة، مثل الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي أو قطع المفاوضات مع أوروبا، حال أقدمت الترويكا الأوروبية على تفعيل “سناب باك”، دون أن تكشف عن تفاصيل الرد المتوقع.
يأتي هذا التصعيد وسط جمود في المحادثات الإيرانية-الأمريكية، وتدهور غير مسبوق في العلاقات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تتهم طهران الوكالة ومديرها العام رافاييل غروسي بأن تقاريرهم وتصريحاتهم الأخيرة مهدت لاستهداف منشآتها النووية.
خبراء: تفعيل آلية الزناد وارد
تبدو قدرة الأوروبيين على ترميم الثقة بين طهران وواشنطن محدودة للغاية، بحسب الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط خصوصا بعد الاستهداف العسكري للمنشآت النووية الإيرانية من قِبل واشنطن وتل أبيب في ذروة المسار التفاوضي.
وهو ما يُعزز الانطباع بأن الخيار العسكري لا يزال حاضرا على الطاولة، في غياب أي ضمانات دولية لردعه، لا سيما إذا ما قررت إسرائيل تنفيذ ضربة استباقية تحت ذريعة حماية أمنها القومي لذلك، فإن الحديث عن إمكانية بناء ثقة متبادلة في هذه المرحلة لا يتجاوز إطار الأمنيات، في ظل فجوة الثقة العميقة، وتباين الأجندات، وتصاعد منسوب التوتر الميداني والسياسي بين الأطراف المعنية وبالتالي فإن لجوء الأوروبيين إلى تفعيل آلية “سناب باك” يبدو خيارا واردا، لكنه يظل محدود التأثير.

تحديات ترميم العلاقات بين طهران وواشنطن
نظرا إلى أن الصين المستفيد الأول من النفط والسوق الإيرانيين قد تتجاهل هذه القيود وتواصل تعاملها مع طهران، ما لم تُدرج العقوبات الاقتصادية ضد إيران ضمن الإطار الأوسع للاتفاق الثنائي بين الولايات المتحدة والصين، فلن يكون هناك ما يُلزم بكين بالامتثال، مما يفرغ العقوبات من فعاليتها.
أما إذا تم فرض هذه العقوبات ضمن اتفاق شامل يُلزم الصين بعدم التعامل الاقتصادي مع إيران، فإن تداعياتها على النظام الإيراني ستكون كارثية، وقد تدفعه نحو انهيار اقتصادي واسع النطاق، وأكد اليونس أنه مع ذلك يبقى خيار “سناب باك” مطروحًا نظريًا على الطاولة، في حال حدوث خرق شامل وصريح من قبل إيران تجاه التزاماتها مع الوكالة الدولية.
لكن كما أظهرت التجارب السابقة، تتبع إيران سياسة مراوغة محسوبة، تحرص من خلالها على تجنب استفزاز الدول الأوروبية، مما يقلل من احتمال تفعيل هذه الآلية في المستقبل القريب.

