- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 653 Views
تخيل يوما مشمسا في مدينة ملاهٍ مزدحمة، حيث يرن ضحك الأطفال كالأجراس، والعائلات تتجمع لخلق ذكريات لا تُنسى.. فجأة، يتحول الفرح إلى صرخات رعب، وتسقط الألعاب كأنها وحوش مستيقظة من سباتها، هذا ليس سيناريو فيلم رعب، بل واقع مرير يعيشه الإيرانيون في مدن الملاهي، حيث تتكرر الحوادث بوتيرة مخيفة، من إصابة 12 طفلا في قطار الترفيه بمحافظة كرمان، إلى احتجاز عشرات في عجلة فيريس معطلة، وصولا إلى حرائق وانهيارات تقتل الأبرياء.
في السنوات الأخيرة، تحولت مدن الملاهي الإيرانية من ملاذات الترفيه إلى ساحات كارثة في ثوب الفرح، وفقا لتقارير حديثة من منظمات الصحة والسلامة، سجلت إيران أكثر من 200 حادث في مدن الملاهي خلال عامي 2023-2025، مع إصابات تجاوزت الـ500 شخص، بما في ذلك عشرات الأطفال والنساء.
على سبيل المثال، في يوليو/تموز 2025، أبلغت وسائل إعلام محلية عن حادث جديد في مدينة ملاهي كرمان، حيث انحرف قطار ترفيهي عن مساره، مما أدى إلى إصابة 12 طفلا واثنين من البالغين بكسور وجروح خطيرة، هذا الحادث الذي وقع أثناء ذروة الزحام الصيفي، أعاد إلى الأذهان قصة نيجار غورباني، الفتاة التي أصيبت بشلل في النخاع الشوكي عام 2014 جراء سقوطها من لعبة “الفأر المجنون” في حديقة إيرام بطهران.

كانت نيجار، البالغة من العمر 22 عاما آنذاك، تحتفل بتخرجها مع أصدقائها، لكن الليلة السعيدة انتهت بمأساة دائمة اليوم، بعد أكثر من عقد، لا تزال قصتها تطارد الآباء الذين يترددون في اصطحاب أبنائهم إلى هذه الأماكن، وما يزيد الطين بلة هو تكرار الحوادث في 2024 و2025 ففي أبريل/نيسان 2024، احتجز عطل فني 31 شخصا داخل كبائن عجلة فيريس في مدينة ملاهي “شهر ري”، مما أدى إلى إغلاق المجمع لأسابيع، وبعد 5 أيام فقط تعطلت أرجوحة أخرى في “غدير بارك” بمشهد، مسببة إصابات لأربعة أشخاص، بينهم طفل يبلغ من العمر 8 سنوات.
كما أفاد رانجبار، مدير شبكة سافاجوبولا الصحية، بأن فتاة (17 عاما)، أُصيبت إثر سقوطها من لعبة أركيد حرة في حديقة أم هاشتجرد، وهي الآن في غيبوبة بسبب تدهور حالتها الواعية، من جهته، أوضح رئيس بلدية هاشتجرد أن المدينة الترفيهية، التي يشرف عليها مقاول، تضم أجهزة حاصلة على شهادات معايير السلامة، مشيرا إلى ضرورة التحقيق في أي إهمال محتمل، وفي يوليو/ تموز 2024 أفاد جلال ملكي، المتحدث باسم هيئة الإطفاء والسلامة في طهران، بوقوع حادث في مدينة ملاهي قرب بحيرة تشيتجار.
توقفت لعبة “يو سكيت” فجأة على ارتفاع عالٍ، محاصرة 15 راكبا، منهم 10 نساء و5 رجال، تم الإبلاغ عن الحادث فهرعت فرق الإطفاء بمعدات هيدروليكية إلى الموقع، بعد فشل الفنيين في إعادة تشغيل اللعبة، استخدم رجال الإطفاء رافعة لإنقاذ الركاب بأمان في عملية استمرت 4 ساعات، انتهت بحلول 1:17 صباحا.
وأكد ملكي نجاح العملية رغم التحديات، محذرا من ضرورة فحص معدات الملاهي يوميا وضمان وجود فنيين مؤهلين، كما دعا إلى تحسين معايير السلامة في مدن الألعاب لتجنب مثل هذه الحوادث.
وأضاف رئيس بلدية هشتجرد عبد الرضا كواري زاده أنه، عقب الحادث المؤسف ليلة 3 أغسطس/آب 2024، تم إصدار قرار بإغلاق الجهاز المعني وجميع الألعاب الكبيرة الأخرى، رغم اجتيازها التفتيش الفني.
كما شهد الشهر ذاته، حريقا كبيرا في عجلة فيريس بمدينة ملاهي سيمرغ في محمود آباد، ناجما عن تراكم مياه الأمطار على المعدات غير المغطاة، مما أدى إلى إصابات طفيفة لكن رعبا كبيرا.
وفي تفصيل جديد من تحقيقات حديثة، كشفت تقارير من الهيئة الوطنية للمعايير أن 40% من الحوادث في عام 2025 ناتجة عن أعطال ميكانيكية، مثل فشل المكابح أو تآكل الكابلات، كما حدث في حادث احتجاز 15 شخصا في مدينة ملاهي على الخليج العربي الصيف الماضي.
هذه الحوادث ليست الأولى، ففي عام 2023، توفي طفل يبلغ 4 سنوات بعد سقوطه من منصة في مدينة ملاهي بحيرة زاريبار بماريفان، وسقطت فتاة 17 عاما من ارتفاع 6 أمتار في مدينة ملاهي مادار بهشتجرد، مما أدخلها في غيبوبة لأشهر، السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا تستمر هذه الكوارث رغم التحذيرات المتكررة؟ هل العقوبات الاقتصادية، التي حدت من استيراد قطع غيار عالية الجودة، هي الجاني الرئيسي، أم ضعف الرقابة والقوانين؟
قنابل موقوتة
في قلب المشكلة يكمن غياب رقابة صارمة على معدات الملاهي، وفقا لمكتب الصناعات المعدنية بالهيئة الوطنية للمعايير، يجب أن تحصل جميع المعدات المحلية على ترخيص قياسي، بينما تخضع المستوردة لتفتيش جمركي دقيق قبل التسجيل في النظام الوطني، ومع ذلك، تكشف الإحصاءات أن أكثر من 30% من الأجهزة في مدن الملاهي لا تمتلك شهادات فحص سارية، كما أفاد رئيس إدارة المواصفات في خراسان رضوي بعد حادث مشهد 2024، حيث حدد 10 آلات، ثمانية منها فقط مؤهلة.
تفاصيل جديدة من تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية في 2025 تشير إلى أن إيران تواجه تحديا مزدوجا: تآكل المعدات القديمة، التي تعود إلى عقود مضت، ونقص الصيانة بسبب التكاليف الباهظة. على سبيل المثال، في حادث 2023 بمدينة ملاهي “شهيد مدرس بارك” في غاز أصفهان، فقد مراهق حياته بعد رميه من آلة الشقلبة، حيث حذرت جمعيات محلية مرارا من مخاطرها، كما أن العقوبات الدولية أثرت سلبا، إذ أصبح استيراد قطع غيار من أوروبا أو أمريكا أمرا شبه مستحيل، مما دفع المشغلين إلى الاعتماد على بدائل رخيصة ذات جودة منخفضة.
في مقابل ذلك، تدافع البلديات عن نفسها، قالت بلدية كرمان بعد حادث 2025: “المدينة تمتلك موافقات قياسية، ويتم فحص الأجهزة كل 10 أيام”.
لكن الهيئة الوطنية للمعايير اعترفت بصعوبة الرصد الشامل، قائلة: “مسؤولياتنا الواسعة تحول دون تتبع كل انتهاك في البلاد”، هذا التناقض يثير تساؤلات: من المسؤول الحقيقي، المالكون أم الجهات الرقابية؟ ولماذا لم يتم تفعيل قوانين أكثر صرامة، مثل تلك المطبقة في دول مثل الإمارات، حيث تُفرض غرامات تصل إلى ملايين الدولارات على الإهمال؟

ومن جانبه أضاف مدير عام معايير محافظة كرمان، مسلم باسيج: “أكدت شركتا تفتيش تحت إشراف الهيئة عدم تسجيل أي خلل فني في قطار بري بمدينة ملاهي كرمان، وفي واقع الأمر حاول مشغل الجهاز الدوران بسرعة عالية في دائرة نصف قطرها صغير، وهو ما تسبب في وقوع الحادث.
مثلث الخطر
يُشكل الضغط الاقتصادي ركنا أساسيا في هذه المأساة، يشكو مشغلو الملاهي من ارتفاع التكاليف، حيث قال أحدهم في مقابلة حديثة مع وسائل إعلام إيرانية: “نقدم خدمات رخيصة للجمهور، لكن إدارة الصيانة أصبحت كابوسا مع التضخم”.
العقوبات الدولية، التي بدأت منذ 2018 وتفاقمت في 2025، حدت من الاستثمار في هذا القطاع الترفيهي، كما أشار رئيس بلدية المنطقة 12 السابق: “القيود الخارجية حالت دون تطوير الملاهي، وأصبح الإصلاح استثمارا طويل الأمد غير مربح”، من جهة أخرى، يحذر المتحدث باسم إدارة الإطفاء من إهمال المقاولين: “غالبا ما يختصرون التفتيشات لتوفير المال، مما يعرض الجميع للخطر”، وكشفت وزارة الصناعة أن 25% من الحوادث ناتجة عن تآكل المعدات، مشابها للسيارات القديمة التي تتعطل باستمرار.
كما أدت هذه الضغوط إلى عقوبات مثل إغلاق حديقة غدير في مشهد حتى إشعار آخر، بعد أمر من المحافظ.
ناشطو الصناعة يطالبون بدعم حكومي: “عملنا شاق وحساس، لكننا نُترك لنواجه المخاطر وحيدين”، ومع ذلك، يرى محللون أن الحل يكمن في برامج تدريبية إلزامية للمشغلين، وتمويل حكومي لتحديث المعدات، كما حدث في تركيا بعد حوادث مشابهة في 2023 وفي تصريح يعكس الاهتمام بسلامة الأجهزة الترفيهية في مدينة الملاهي، أكد المدير العام للمواصفات في محافظة كرمان مسلم باسيج: “تخضع هذه الأجهزة لفحوصات سنوية دقيقة، إلى جانب تفتيش يومي يجريه المدير الفني لضمان سلامتها”.

وأضاف: “لحسن الحظ، وعلى الرغم من التزامنا بأعلى معايير الجودة، لم يُصب أحد في الحادث بإصابات بالغة، اقتصرت الأضرار على إصابات طفيفة استدعت جبائر بسيطة، دون تسجيل أي كسور في الأطراف”، ورغم أهمية الأجهزة الترفيهية في المتنزهات، التي تستهدف شريحة حساسة كالأطفال، وتلبيتها للمعايير الإلزامية، فإن تحديات مثل نقص الكوادر البشرية وضعف الإدارات المعنية بالتفتيش في جميع مدن المحافظة الـ 25، دفعت المنظمة إلى توزيع المسؤوليات على إدارات إقليمية تغطي شمال وغرب وشرق وجنوب كرمان.
هذه الإدارات تعمل بموارد بشرية محدودة للغاية، مما يضعها أمام تحديات كبيرة في أداء المهام الإشرافية والإدارية.
وفي سياق حديثه، لفت باسيج إلى أهمية توحيد معايير الجودة، مشيرا إلى أن “سلامة المرافق العامة، كالسيارات، المتنزهات، المصاعد، والتلفريك، تخضع لمراقبة دقيقة من هيئة المعايير، يجب أن تُدار هذه العملية بحرص، لتعزيز ثقة الجمهور مع ضمان أمان وسلامة المجتمع”.
تشير التقارير إلى أن حوادث مدن الملاهي في إيران نابعة من مزيج قاتل: عيوب فنية، تآكل، نقص رقابة، إهمال، وعقوبات اقتصادية، هذه الظروف جعلت الترفيه مصدر قلق للعائلات، التي تتساءل الآن: هل نغامر بحياة أطفالنا من أجل لحظات فرح؟
في 2025، مع تزايد الضغط الشعبي والأزمات صار لزاما على الحكومة في إيران تشكيل لجنة وطنية للسلامة، مع وضع قوانين صارمة وتمويل للصيانة الدورية، إلا أن السؤال يبقى: هل ستتحول مدن الملاهي إلى أماكن آمنة للترفيه، أم ستظل كوابيس تطارد أحلام الأطفال؟

