محلل إيراني بارز: لا وقف لإطلاق النار.. والعدالة الدولية غائبة عن جرائم نتنياهو وترامب

تناول حشمت‌ الله فلاحت‌بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني العاشر وأحد أبرز المحللين في الشؤون الخارجية، في تصريحات نشرها موقع “فرارو” يوم الخميس 7 يوليو/تموز 2025، جملة من التحليلات بشأن تطورات الوضع الإقليمي في ظل التصعيد الأخير ضد إيران، منتقدا أداء المجتمع الدولي، والدور الذي تؤديه الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومحذرا من هشاشة المرحلة الراهنة التي وصفها بأنها تتجاوز مفهوم وقف إطلاق النار.

وقف إطلاق النار

يرى فلاحت‌بيشه أن التعبير الأدق لوصف الوضع الحالي هو “توقّف العمليات”، وليس حتى “وقف إطلاق النار”، إذ لا يُعتبر الأخير وصفا مناسبا للمرحلة الراهنة، فحتى الآن لم تنشأ أي أرضية موثوقة للدبلوماسية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة وإسرائيل، ضمن سياسة إضعاف إيران، للبحث عن ذرائع جديدة، ويُنظر إلى المرحلة الحالية على أنها بالغة الحساسية، إلى درجة أن مجرد تصريحات بعض المسؤولين قد تتحول إلى مبرر تتذرع به واشنطن وتل أبيب.

وتابع أنه في أعقاب الهجوم على منشأة فوردو، تحدّث ترامب عن مطالبته للصين بعدم شراء النفط الإيراني، كما أُثير الحديث عن نية واشنطن تخفيف العقوبات، غير أن تصريحات ترامب والتقارير اللاحقة بشأن هذا الملف ثبت أنها كاذبة بالكامل.

 ورغم ذلك، عاد لاحقا ليبدّل أقواله متذرعا بحجج واهية، مدعيا تراجع الولايات المتحدة عن هذا التوجّه، ويأتي هذا في وقت برز فيه تحدّ كبير في علاقة إيران بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث يُحمّل فلاحت‌بيشه المسؤولية في هذا الخلاف لشخص المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي.

أفاد فلاحت‌بيشه بأن الوضع الراهن أكثر هشاشة حتى من وضع وقف إطلاق النار، موضحا أن وقف إطلاق النار نفسه يُعدّ مرحلة قائمة على تعريف واضح، غير أن ما يجري حاليا يُظهر استعداد الطرفين للحرب.

 وأضاف أن السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة يتمثّل في تأسيس أرضية قانونية تتيح العودة إلى طاولة التفاوض، إذ لا يمكن الانتقال إلى أي مسار تفاوضي ما لم تتشكل هذه الأرضية، ما يجعل الطرفين فعليا في حالة حرب، حتى وإن لم تكن حربا فعلية أو مفتوحة كتلك التي استمرت اثني عشر يوما.

وتابع أن إيران بطبيعة الحال تسعى لتأسيس أساس قانوني يُحدّد فيه بوضوح الطرف الذي بدأ الأزمة، إضافة إلى الحقوق التي فقدتها طهران خلال هذه الفترة. 

واعتبر أن كلا من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، وفقا لنصوص نظام روما الأساسي، كان ينبغي– لو وُجدت عدالة دولية حقيقية– أن يُلاحقا كمُتهمين أمام المحكمة الجنائية الدولية؛ نظرا إلى أنهما استهدفا المنشآت النووية الإيرانية، رغم إدراكهما أن مثل هذا الهجوم قد يؤدي إلى كارثة إنسانية.

 وأكد أن تجاهل هذا الأمر، واستعمال أقوى القنابل المتاحة عالميا ضد هذه المنشآت، يُعدّ جريمة صريحة.

وأشار إلى أن هناك تعبئة شاملة تمتد من ترامب إلى الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية لمنع محاكمة نتنياهو، موضحا أن كليهما يسعيان إلى تطبيع جرائمهما، من خلال خلق آلية تتيح لهما شن هجمات جديدة على المنشآت الحساسة الإيرانية متى ما شاءا، وأضاف أن هذا الوضع يتطلب إنشاء إطار قانوني صارم لمنع مثل هذه الهجمات مستقبلا.

 الوكالة الدولية للطاقة الذرية

وانتقد أداء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرا أنها لم تقم بواجبها، بل وحاول أن تؤدي دور الذراع الاستخباراتية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

 وتابع أن الهمّ الوحيد الذي يطرحه المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، يتمثل في زيارة المواقع التي تعرضت للقصف لتقدير حجم الأضرار، دون أن يعتبر هذا القصف خرقا صريحا لمعاهدة عدم الانتشار النووي (NPT).

وتابع بالقول إن غياب أي إدانة من قبل مدير الوكالة لأكبر خرق لمعاهدة NPT، والمتمثل في الهجوم على المنشآت النووية، يُثبت أنه لا يتمتع بالأهلية اللازمة لإجراء مثل هذه الزيارات.

وأضاف فلاحت‌بيشه أن الجانب الأكثر قذارة في هذه الأزمة ربما يكمن في رهن مصير عدد كبير من البشر بملف قضائي يتعلّق بنتنياهو، مشيرا إلى أن الأخير جنّد كل شيء، من ترامب وصولا إلى أجهزته الاستخباراتية، بهدف تأخير محاكمته وتصوير نفسه كقائد عسكري.

وتابع أن حروبا عديدة اندلعت في السابق بهدف الحيلولة دون محاكمة نتنياهو، وأن كثيرا من الدول الغربية التي تزعم الدفاع عن حقوق الإنسان التزمت الصمت تجاه سلسلة الجرائم التي ارتكبها شخص يُعتبر ملاحَقا قضائيا، سواء داخل إسرائيل أو أمام المحكمة الجنائية الدولية.

وأشار إلى أن مثل هذا الواقع لا يترك مجالا لأي أمل في المنظمات والاتفاقيات الدولية، مضيفا أن النتيجة المباشرة لذلك تتمثل في أن إسرائيل تمضي في تعزيز ترسانتها العسكرية بمساعدة التكنولوجيا الغربية، في حين بات المسار الذي تتبعه إيران واضحا، وهو العمل على رفع قدرتها في تنفيذ الضربات الردعية.

موقف الشعب الإيراني

أشار فلاحت‌بيشه، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني العاشر، إلى أن المفارقة الكبرى في هذه الحرب كانت في موقف الشعب الإيراني، موضحا أن المواطنين وقفوا إلى جانب جنود بلادهم، وهو ما يُعدّ أمرا جوهريا في ظل انشغال القوات المسلحة بعملية إعادة التسلّح.

وأضاف أن المهمة الأهم للحكومة في هذا التوقيت تتمثل في الاهتمام بشؤون الناس، وضرورة الاستجابة الفورية لحسن نية المواطنين الذين حافظوا على التماسك الوطني، مؤكدا أن الشعب، رغم ما تعرّض له من مظالم، ظل ثابتا في موقفه الداعم للدفاع عن البلاد، وهو ما يميّز الإيرانيين عن سائر شعوب العالم.

وتابع أن بعض الشخصيات في وسائل الإعلام الرسمية تدّعي أن من كانوا على خلاف مع النظام شاركوا في الدفاع عنه، ليؤكد في المقابل أن من يتحدثون اليوم عن”الاختلاف” مع النظام هم أنفسهم من يتعارضون بشدة مع المصلحة الوطنية.

وتابع بالقولِ إن الشعب هو صاحب الدور الأبرز في حماية المصالح الوطنية، وإن أولئك الذين وقفوا دوما في وجه الحريات المدنية هم أنفسهم من يشكّلون التهديد الحقيقي لهذه المصالح.

وأضاف أن الأطراف نفسها التي حاولت مرارا إبعاد الشعب عن وطنه، كشفت الحرب عن حقيقة راسخة، وهي أن الإيرانيين يحبّون بلادهم بصدق. وأكد أن “تراب الوطن” يحمل قيمة عميقة لدى الشعب، ولا يمكن لهذا الحب أن يزول بسبب تصريحات بعض المتشددين الذين يروّجون الأكاذيب لتلميع صورتهم.

وتابع أن هؤلاء المتشددين والكاذبين لعبوا دورا مؤثرا أيضا في إفشال فرص التوصل إلى اتفاق نووي، مشيرا إلى حالتين بارزتين: الأولى في السنة الأخيرة من حكومة روحاني، والثانية في عهد حكومة رئيسي، حيث كانت الفرصة سانحة أمام إيران لتحقيق اتفاق جيد.

 وأوضح أن سلسلة من الأكاذيب رفعت بشكل كبير كلفة الوصول إلى الاتفاق، وتسببت في تخوّف العديد من الدبلوماسيين والسياسيين من الاقتراب من مسار التفاهم.

وأشار إلى أن الحرب ربما بدأت بخبث نتنياهو وأكاذيب ترامب، إلا أن من وضع العراقيل في طريق الدبلوماسية الإيرانية يتحمّل بدوره جزءا من المسؤولية. 

وختم بالتشديد على أنه في ظل واقع يُراق فيه دم الأبرياء من أجل مصالح شخصيات كترامب ونتنياهو، لا بد من التعامل مع المرحلة الراهنة بقدر عال من “الحكمة السياسية”.