- زاد إيران - المحرر
- 689 Views
ناقش موقع فرارو، الأربعاء 2 يوليو/تموز 2025، استنادا إلى تحليل نُشر في مجلة ريسبانسيبل استيت كرافت، التداعيات الداخلية للهجوم الأمريكي على إيران، موضحا أن هذه الحرب كشفت عن انقسام عميق داخل المجتمع الأمريكي، حتى بين صفوف الجمهوريين، وسط تصاعد الانتقادات لدور الصناعات العسكرية في تغذية الصراعات.
أفاد الموقع بأن ديفيد واين، الخبير في شؤون المجتمعات والسياسة والمحلل البارز في مجلة “ريسبانسيبل استيت كرافت”، أشار إلى أن الحرب المشتركة التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد طهران قد كشفت عن موجة واسعة من المعارضة للحرب داخل الولايات المتحدة، وذلك في وقت لا تزال فيه الشكوك الجدية قائمة بشأن صحة ادعاءات دونالد ترامب حول نجاح هجماته على المواقع النووية الإيرانية.
وتابع أن نتائج عدة استطلاعات وطنية أظهرت أن العمل العسكري الذي أقدم عليه ترامب، وأعاد بموجبه أمريكا مرة أخرى إلى مغامرة عسكرية في الشرق الأوسط، لم يلقَ ترحيبا من الرأي العام داخل البلاد، على الرغم من التوصل إلى وقف هش لإطلاق النار.
الدعاية الإعلامية
أورد موقع “فرارو” أن آلة الدعاية الإعلامية المؤيدة لدونالد ترامب فشلت في تبرير الحرب ضد إيران، ولم تنجح وسائل الإعلام الداعمة له في إقناع الرأي العام الأمريكي بمبررات هذا التصعيد.
وأوضح أن فوز ترامب في انتخابات عام 2024 كان في حد ذاته انعكاسا لروح مناهضة الحرب المنتشرة على نطاق واسع، ولرغبة شاملة في السلام بين شرائح متعددة من المجتمع الأمريكي، إذ ركّز ترامب خلال حملته الانتخابية على صورته كـ”مرشح السلام”، واستفاد من موجة الاستياء الشعبي الناجمة عن دعم إدارة بايدن/هاريس للهجمات الإسرائيلية الدموية في غزة.
وتابع أن إصدار ترامب أوامر بشنّ هجوم على إيران، فُسّر من قبل كثيرين بأنه تراجع صريح عن وعوده الانتخابية، وإخلال بتعهده الواضح بإنهاء الحروب.
وأشار إلى أن البيانات المستخلصة من استطلاعات الرأي التي شارك في تنفيذها شخصيا، تُظهر أن صورة ترامب كـ”داعية سلام” في الانتخابات تعكس في الواقع توجها سائدا لدى شريحة كبيرة من المجتمع الأمريكي.
وتابع أن الناس في الولايات المتحدة يدركون تماما أن الحروب الجديدة واللامتناهية لا تفيد إلا جيوب مصنّعي الأسلحة، ومتعهدّي وزارة الدفاع، والمجمّع الصناعي العسكري، بينما تلحق الأذى بالإيرانيين، والإسرائيليين، وعدد كبير من الأمريكيين أنفسهم.
وبيّن أن الدراسات الإحصائية التي أجريت قبل وبعد هجوم ترامب على إيران تكشف بوضوح عن معارضة واسعة النطاق لانخراط أمريكا في حرب عبثية إلى جانب إسرائيل.
وتابع أنه بحسب بيانات مؤسسة “يو غاف”، صرّح 85 في المئة من المشاركين في الاستطلاع على مستوى الولايات المتحدة بأنهم لا يريدون دخول بلادهم في حرب مع إيران، بينما أيد هذا الإجراء 5 في المئة فقط.
وأضاف أن نتائج هذه الاستطلاعات تشير بوضوح إلى أن معارضي هجمات ترامب يفوقون مؤيديه عددا بفارق كبير.
ففي استطلاع مشترك أجرته “رويترز/إبسوس”، ظهر تباين لافت بين معارضي قصف إيران (45 في المئة) ومؤيديه (36 في المئة)، كذلك، أظهرت نتائج استطلاع شبكة “سي إن إن” أن الفارق بين الفريقين بلغ 12 في المئة: 56 في المئة ضد الهجمات مقابل 44 في المئة لصالحها.
كما أظهرت نسبة كبيرة من المشاركين في هذه الاستطلاعات رفضهم لأداء ترامب في ما يتعلق بإيران، وأكد أن الفارق كان مشابها بين أولئك الذين يرون في هذه الهجمات تهديدا لأمن الولايات المتحدة، ومن يعتقدون أنها تجعل البلاد أكثر أمانا.
الحزب الجمهوري
أفاد موقع “فرارو” بأن هجمات ترامب على إيران تسببت في انقسامات كبيرة حتى داخل صفوف الحزب الجمهوري، إذ كشفت نتائج استطلاع للرأي أن قرابة ثلثي الناخبين المؤيدين لترامب يؤيدون بدء مفاوضات بين الحكومة الأمريكية وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وتابع أن نتائج استطلاع أجرته جامعة ميريلاند أظهرت أنه قبل بدء الهجوم، كان 24 في المئة فقط من الجمهوريين يوافقون على القيام بعمل عسكري لتدمير البرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن الدعم لسياسات ترامب بين الجمهوريين ارتفع بشكل ملحوظ بعد بدء الهجمات، خصوصا في ظل الحملة الإعلامية التي قادتها شبكة “فوكس نيوز”، مقارنة بالديمقراطيين ومتوسط الرأي العام الأمريكي.
وأوضح أن هذا الميل العام نحو الخطاب المناهض للحرب لا يُعد مفاجئا كثيرا في المشهد السياسي الأمريكي، بالنظر إلى الشعبية الواسعة التي حظيت بها شعارات ترامب المناهضة للحرب خلال حملته الانتخابية لعام 2024.
وأشار إلى أن ترامب كرر مرارا خلال دعايته الانتخابية قوله: “سننهي هذه الحروب التي لا تنتهي”، وأضاف بعد فوزه: “أنا لست من يطلق الحروب، بل أنهيها”، وهو وعد أعاد تأكيده في خطابه ليلة إعلان النصر.
أورد موقع “فرارو” أن دونالد ترامب ذهب أبعد من ذلك، وهاجم بنبرة شعبوية “دعاة الحرب” وبنية المجمع العسكري-الصناعي القوي في الولايات المتحدة، حيث تعهّد في خطاب ألقاه في سبتمبر/أيلول بولاية ويسكونسن بالقول: “سأطرد دعاة الحرب من هيكل الأمن القومي، وسأجري إصلاحات جذرية في المجمع العسكري-الصناعي لمنع جني الأرباح في ظل الحروب، ولتكون المصلحة الوطنية الأمريكية دائما في المقدمة”.
وأضاف أن ترامب وصف هذه الحلقة من أصحاب النفوذ بقوله: “إنها المجموعة نفسها التي تسعى دائما لبدء الحروب. لماذا؟ لأن كل صاروخ يكلّف مليوني دولار، ولهذا السبب هم يعشقون إطلاق الصواريخ على أي مكان في العالم”.
وتابع أن ترامب، قبل أن يصدر هو نفسه أوامر إطلاق تلك الصواريخ، كان مدركا تماما لحالة الغضب الشعبي من استغلال شركات تصنيع السلاح، ومن النفوذ العميق للمجمّع العسكري-الصناعي، وهو هيكل قوي يربط بين مصنّعي الأسلحة، والبنتاغون، والكونغرس، ويجني أرباحا طائلة من إطالة أمد الحروب اللامتناهية، وهو الخطر ذاته الذي كان الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور قد حذر منه في خطابه الوداعي عام 1961.
وأشار إلى أن نتائج دراسة ميدانية تم تنفيذها بعد الانتخابات بمشاركته، أظهرت أن ترامب استثمر بمهارة في موجة الاستياء الشعبي، فوفقا لاستطلاع وطني أجرته مؤسسة “ري ثينك ميديا”، فإن 77 في المئة من الأمريكيين يرون أن “الربح من الحرب” يمثل إحدى المشكلات الجدية في البلاد.
وأوضح أن نحو ثلثي المجتمع الأمريكي (64 في المئة) يعتقدون أن المجمع العسكري-الصناعي يستفيد من الوجود العسكري الدائم للولايات المتحدة في الحروب والمهام الخارجية.
وبيّن أن أكثر من نصف المشاركين في هذا الاستطلاع يعتقدون أن هذا المجمع، من خلال جماعات الضغط والتبرعات الانتخابية، اكتسب نفوذا مفرطا في رسم السياسة الخارجية الأمريكية.
وفي انسجام مع وعود ترامب الانتخابية بـ”تطهير” بنية المجمع العسكري-الصناعي، تبيّن أن نسبة الذين يرون أن تقليص نفوذ هذا المجمع تصب في مصلحة الشعب الأمريكي تزيد بأكثر من الضعف على نسبة المعارضين لهذا التوجه (44 في المئة مقابل 19 في المئة).
وأوضح أن هذه الأرقام تعكس وعيا متزايدا لدى الرأي العام بحقائق ظلّت طوال نحو 25 عاما تصب في مصلحة المقاولين الدفاعيين ومصنّعي الأسلحة، الذين كانوا أكبر المستفيدين من الحروب الأمريكية اللامتناهية.

حروب لا نهاية لها
أورد موقع “فرارو” أن أكثر من نصف الميزانية السنوية لوزارة الدفاع الأمريكية اليوم تذهب إلى جيوب المتعهدين الخاصين، وتحصل خمسة من عمالقة صناعة السلاح — وهم لوكهيد مارتن، ونورثروب غرومان، ورايثيون، وبوينغ، وجنرال دايناميكس — على الحصة الأكبر من هذه الكعكة.
وتابع أن أسهم شركات صناعة الأسلحة شهدت ارتفاعا ملحوظا بعد ساعات فقط من بدء الهجمات الإسرائيلية على إيران، رغم انهيار سوق البورصة، فبعد يوم واحد من بدء القصف، ارتفعت أسهم شركات مثل نورثروب، ولوكهيد، ورايثيون، التي تبيع الذخائر والتقنيات العسكرية لإسرائيل والولايات المتحدة، بنسبة تراوحت بين 3 إلى 4 في المئة.
وأضاف أن الحملة الجوية التي أطلقها ترامب كانت بمثابة انتهاك صريح لكل وعوده الانتخابية بشأن إنهاء الحروب التي لا نهاية لها، و”تطهير” بنية المجمع العسكري-الصناعي.

ففي الواقع، انضم ترامب سريعا إلى صفّ الداعمين للحرب غير القانونية التي تشنّها إسرائيل على إيران، ليسلك بذلك الطريق ذاته الذي كثيرا ما انتقده سابقا.
فقد لعبت واشنطن دورا محوريا في تزويد إسرائيل بالسلاح والمعدات الدفاعية، كما شاركت من خلال تبادل المعلومات وتنسيق العمليات العسكرية، لتتحول فعليا إلى طرف رئيسي في هذا الصراع.
وأوضح أن استمرار وقف إطلاق النار مع إيران لا يزال مسألة غامضة، وإحدى أبرز النقاط المثيرة للتساؤل، وبغض النظر عما يردده ترامب بشأن “نجاح” القصف، بل وحتى بصرف النظر عن حجم التأثير الذي خلّفته هذه الهجمات على البرنامج النووي الإيراني، فإن تداعيات هذه الحرب على المدى البعيد لا تزال غير قابلة للتنبؤ.
وأضاف أن إيران قد تدفع نحو خيار تصنيع سلاح نووي، كما قد تمنح إسرائيل وترامب ذاته الدافع للمضي قدما أو حتى توسيع نطاق العمليات العسكرية غير القانونية ضد إيران ودول أخرى؛ أو أن تثير موجة من ردود الفعل العنيفة، الانتقامية، ونتائج غير متوقعة قد تطال الولايات المتحدة وإسرائيل على حد سواء.
وأشار إلى أن ترامب، الذي يحبّ أن يسمّي هذه الأزمة بـ”حرب الاثني عشر يوما”، يتجاهل حقيقة أن تداعياتها لن تقتصر قطعا على هذا الإطار الزمني، كما أن انخراطه في جولة جديدة من الحروب التي لا تنتهي، أعاد إلى الواجهة من جديد حجم المعارضة الشعبية الواسعة للحرب داخل الولايات المتحدة.
وختم بأن الرأي العام الأمريكي يدرك تماما أن الشروع في أعمال عسكرية يُحمّل المواطنين العاديين كلفة باهظة، في حين أن سماسرة الحروب وحدهم هم من يجنون الثروات من كل موجة عنف جديدة.

