- زاد إيران - المحرر
- 675 Views
كتب: برهان محمودي
يحيي الإيرانيون في كل عام، خلال الفترة من 22 إلى 28 سبتمبر/أيلول، ما يُعرف بـ”أسبوع الدفاع المقدس”؛ ذكرى اندلاع الحرب التي شنّها النظام العراقي ضد إيران عام 1980. ويمثل هذا الأسبوع محطة بارزة لاستحضار واحدة من أكثر المراحل المصيرية في تاريخ إيران المعاصر، حيث تُقام فعاليات متنوعة تشمل مراسم تكريم الشهداء، ومعارض ثقافية، وبرامج تعليمية تهدف إلى تعريف الأجيال الجديدة بحقائق تلك الحقبة وقيمها.
ولذلك، فإن أسبوع الدفاع المقدس ليس مجرد إحياء لذكرى حرب استمرت ثمانية أعوام، بل هو أيضا مناسبة للتأمل في منظومة القيم التي أرست أسس الهوية الوطنية الإيرانية؛ قيم تتمثل في الصمود، والوحدة، والتضحية، والإيمان بالقدرة على تجاوز التحديات.
خلفيات هجوم نظام صدام على إيران
في 22 سبتمبر/أيلول 1980 شنّ نظام البعث العراقي، بقيادة صدام حسين، حربا شاملة ضد الجمهورية الإسلامية في إيران. استغلّ صدام حالة الاضطراب التي أعقبت انتصار ثورة 1979 وتشكّل النظام الجديد في طهران، ساعيا إلى تحقيق نصر سريع وحاسم. فأعلن من جانب واحد إلغاء اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975، والتي رسمت الحدود بين البلدين، وأعاد طرح مزاعم عراقية بشأن السيادة على شَط العرب وإقليم خوزستان الإيراني الغني بالنفط.
في الساعات الأولى للهجوم، قصفت الطائرات العراقية عشرات المطارات والمنشآت العسكرية داخل إيران، بينما اجتاحت القوات البرية جبهات واسعة من الحدود، وقد فاجأت هذه العملية إيران؛ إذ تمكّن الجيش العراقي من احتلال مدينة خرمشهر الحدودية، لكنه فشل في تحقيق أهداف رئيسية أخرى مثل السيطرة على آبادان. وفي الوقت نفسه، حاول النظام البعثي التظاهر بأنه لم يبدأ الحرب، مبررا عدوانه بقصف مدفعي متبادل كان قد وقع في الأسابيع السابقة.
ومع انطلاق هذا الغزو، فُرضت على إيران حرب مدمرة عُرفت محليا بـ “الحرب المفروضة” أو “الدفاع المقدس”. ومن منظور تاريخي، تكمن جذور هذا النزاع في الخلافات الحدودية والسياسية بين الجانبين؛ فقد كان النظام العراقي يعترض منذ البداية على السيادة الإيرانية على الجزر الثلاث في الخليج وعلى الملاحة في شط العرب، كما أن نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 وسقوط نظام الشاه أحدثا تحولا جذريًا في موازين القوى الإقليمية.
وفي مارس/آذار 1980، استغلّ صدام محاولة اغتيال نائبه طارق عزيز لاتهام إيران وتصعيد خطاباته العدائية، معتبرًا أن الفرصة مواتية لتوسيع نفوذه وانتزاع مكاسب إقليمية، لكن حساباته أفضت إلى إشعال حرب استمرت ثماني سنوات كاملة، لتصبح واحدة من أطول وأشد الحروب تدميرا في القرن العشرين.

صمود إيران رغم الحصار
على الرغم من التفوق العسكري والتقني الأولي الذي امتلكه نظام البعث العراقي، فإن حسابات صدام حول نصرٍ سريع لم تتحقق، فقد أبدى الشعب الإيراني وقواته المسلحة مقاومةً غير متوقعة أربكت خطط بغداد. فبعد أشهر قليلة، توقفت زحف القوات العراقية، وبدأ المقاتلون الإيرانيون، بروح معنوية عالية، في دحر المعتدين. تدفّق الشباب الثوري إلى الجبهات بأسلحة متواضعة، بينما شكّل الحرس الثوري وكتائب التعبئة الشعبية (الباسيج) باندفاعهم وإيمانهم سدا منيعا أمام جيش مدجج بالسلاح.
وبينما كانت بغداد تتزود بأحدث الأسلحة من الشرق والغرب، وجدت طهران نفسها محاصَرة بالعقوبات الأميركية ومعزولة دوليا، عاجزة عن شراء السلاح أو حتى الحصول على قطع غيار لمعداتها العسكرية. لكن الجمهورية الإسلامية عوّضت هذا النقص بالاعتماد على طاقتها البشرية وروحها الثورية. فبالرغم من تفوق العراق تسليحيا، استطاعت إيران أن ترجح الكفة عبر التفوق العددي وحماس مقاتليها.
ومن العوامل الحاسمة في هذا الصمود وحدة القيادة والشعب. صحيح أن الرئيس الأول بني صدر لم ينجح في رسم استراتيجية فعالة في العام الأول من الحرب، غير أن عزله في مايو 1981 أتاح للقوى الثورية تحقيق تنسيق أوثق في إدارة المعارك.
وقد شكّلت عمليات كبرى مثل عملية ثامن الأئمة التي أنهت حصار آبادان، وعملية بيت المقدس التي حررت خرمشهر، نقاط تحول جوهرية قلبت موازين القوى لصالح إيران. تحرير خرمشهر، التي حاول صدام ضمّها للعراق تحت اسم “المحمرة”، كان صفعةً قاسية لهيبة النظام البعثي ونصرًا خالدا في ذاكرة الإيرانيين. عقب هذه الانتصارات، عرض العراق وقف إطلاق النار، لكن إيران التي رأت في بغداد معتديةً تستحق العقاب، اختارت مواصلة الحرب حتى معاقبة المعتدي وانتزاع التعويضات.
ورغم أن هذا القرار أطال أمد الحرب ست سنوات أخرى، فإن المبادرة العسكرية بقيت في أيدي إيران على جبهات عديدة، ومنعت العراق من استعادة زمام المبادرة. كما دفعت العقوبات طهران إلى الاعتماد على قدراتها الذاتية؛ فشهدت الصناعات الدفاعية الإيرانية نموًا ملحوظًا، من تصنيع المدافع والدبابات إلى تطوير الصواريخ والأسلحة الخفيفة. وفي سنوات الحرب الأخيرة، تمكنت إيران من إنتاج وتجميع صواريخ باليستية، بينها طراز “سكود”.
إن ملحمة الصمود الإيراني على مدى ثمانية أعوام، بسلاح محدود في مواجهة جيش مدعوم من القوى الكبرى، تُعد تجربة فريدة في التاريخ المعاصر. فقد حوّل الإيرانيون ضعفهم التسليحي إلى قوة معنوية، ورأوا في الموت دفاعا عن الوطن ارتقاء لا هزيمة. وبفضل هذا الإيمان والصلابة، وقفت إيران صامدة ثماني سنوات كاملة، دون أن تسمح بفقدان شبر واحد من أرضها.
الوحدة الوطنية ودور الشعب في الحرب
شكّل الغزو العراقي لإيران اختبارا قاسيا لوحدة المجتمع الإيراني، لكنه سرعان ما تحوّل إلى عامل لتعزيز الانسجام الداخلي وتوطيد اللحمة الوطنية، فرغم التنوع القومي والديني والمذهبي في البلاد، فإنّ التهديد الخارجي دفع الأغلبية الساحقة من الإيرانيين إلى تجاوز خلافاتهم الجزئية والاصطفاف دفاعا عن الوطن.
خيبة أمل صدام حسين كانت كبيرة؛ إذ كان يتوقّع أن يستقبله عرب خوزستان بالترحيب ويثوروا ضد الجمهورية الإسلامية، لكن الواقع جاء معاكسا. فالعرب الإيرانيون أظهروا وفاء لوطنهم، بل إنّ قادتهم العسكريين كانوا في الصفوف الأولى للدفاع، مثل اللواء علي شمخاني الذي صرّح لاحقا: “البعثيون لم يعثروا على قرية عربية واحدة رفعت علم العراق”. وهو ما برهن أنّ الهوية الوطنية الإيرانية غلبت على الانتماءات الضيقة، وأنّ جميع المكوّنات – فرس، ترك، عرب، أكراد، بلوش، تركمان – قدّموا نموذجا نادرا للتضامن.
الأمر لم يقتصر على القوميات، بل شمل الأقليات الدينية أيضا؛ إذ شارك الأرمن والآشوريون واليهود والزرادشتيون في القتال إلى جانب الجيش والباسيج، وسقط منهم شهداء دفاعا عن إيران.
مع إعلان الإمام الخميني تأسيس «جيش العشرين مليون»، توافدت مئات الآلاف من المتطوعين الشباب، وبينهم مراهقون، إلى جبهات القتال، متسلحين بالإيمان أكثر من السلاح. هنا برز الحرس الثوري الذي نشأ قوة صغيرة لحماية الثورة، لكنه سرعان ما تحوّل إلى مؤسسة عسكرية منظمة، أثبتت كفاءتها وأخذت دورا محوريا في التخطيط للعمليات جنبا إلى جنب مع الجيش.
القادة الشباب – مثل حسن باقري،و مهدی باکری، وحسین خرازی، وقاسم سلیمانی – أصبحوا رموزا في ساحات القتال، حيث شكّل حضورهم في الخطوط الأمامية مصدر إلهام للمقاتلين.
كما أنّ الجبهة الداخلية لعبت دورا لا يقل أهمية؛ فقد تحوّلت المساجد والمدارس إلى مراكز تعبئة وجمع مساعدات، وأُرسلت قوافل الدعم الشعبي من غذاء ودواء وملابس ومركبات إلى الخطوط الأمامية. النساء حملن على عاتقهن أعباء الاقتصاد المنزلي، وأسهمن في الإنتاج والحياكة والعمل التطوعي بالمستشفيات والمساجد لدعم المقاتلين.
هذا الانخراط الشعبي الشامل حال دون انهيار الروح المعنوية رغم الدمار والضغوط الاقتصادية، وجعل الإيرانيين يشعرون بأنّ مصير الحرب مرهون بجهد كل فرد منهم. لذلك يُجمع الكثير من الباحثين على أنّ الحرب العراقية الإيرانية كانت مدرسة كبرى في معنى الوحدة الوطنية، وأنّ رصيدها الاجتماعي ظلّ يرافق إيران في المنعطفات التاريخية اللاحقة.
الدعم الخارجي لنظام صدام أثناء الحرب
خلال عقد الثمانينيات، تلقّى نظام صدام حسين دعما واسعا من مختلف القوى الدولية والإقليمية، إذ تكاتف الشرق والغرب – بدرجات متفاوتة – للحيلولة دون انتصار إيران. ولم يكن إلى جانب طهران سوى حلفاء محدودين كليبيا وسوريا، بينما حظي العراق بدعم مالي وعسكري علني من السعودية والكويت والإمارات، فضلا عن تأييد ضمني من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. وقد تدفّقت إلى بغداد مساعدات مالية وتسليحية هائلة رجّحت كفة المعتدي.
اعتمد صدام على أموال النفط العربي لتشييد جيش ضخم صار بحلول نهاية الحرب خامس أكبر جيش في العالم عددا. وفي مجال التسليح، أغرق الاتحاد السوفييتي العراق بأعداد كبيرة من الدبابات الحديثة تي-72، والمقاتلات المتطورة من طراز ميغ وسوخوي، إضافةً إلى المروحيات الهجومية.
أما فرنسا فقد باعت لبغداد مئات الطائرات من نوع ميراج إف-1، ومروحيات سوبر فرلون، وصواريخ إكزوسيت المضادة للسفن، كما نقلت كلٌّ من ألمانيا الغربية وبريطانيا تقنيات مزدوجة الاستخدام ومعدّات صناعية ورادارية متقدّمة، أسهمت في تطوير البرنامج الصاروخي العراقي ومكّنته من إنتاج أسلحة كيميائية. من جانبها، تحولت الصين – المتحالفة آنذاك مع واشنطن ضد موسكو – إلى مورّد رئيسي للأسلحة لبغداد، حيث زوّدتها بقطع مدفعية بعيدة المدى وراجمات صواريخ ودبابات.
ومع اشتداد ما عُرف بـ«حرب الناقلات» في الخليج منذ عام 1984، زادت الولايات المتحدة وحلفاؤها وجودهم العسكري في المنطقة بذريعة حماية تدفق النفط. فأُعيد تسجيل الناقلات الكويتية تحت أعلام أمريكية لتكون تحت حماية الأسطول الأمريكي، الأمر الذي زاد من المواجهات البحرية مع إيران.
وفي إبريل/نيسان 1988، ارتكبت الولايات المتحدة واحدة من أكثر جرائمها إثارة للجدل حين أسقطت المدمرة الأمريكية “يو إس إس وينسنس” طائرة ركاب إيرانية من طراز إيرباص بصاروخ، ما أسفر عن مقتل 290 مدنيا بريئا كانوا على متنها.

استخدام الأسلحة الكيميائية وصمت المجتمع الدولي
خلال الحرب بين إيران ونظام البعث في العراق، لجأ جيش صدام حسين مرارا إلى استخدام الأسلحة الكيميائية، في خطوة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الأولى، شكّلت خرقا صارخا لبروتوكول جنيف لعام 1925. فقد بدأ النظام العراقي منذ عام 1983 باستخدام الغازات السامة بشكل محدود، ثم أخذ في توسيع نطاقها تدريجيا.
كانت أولى الحالات الموثّقة عبر هجمات بغاز الخردل استهدفت المقاتلين الإيرانيين على جبهة الجنوب، حيث نُقل المصابون بفقاعات جلدية حادة ومشاكل تنفسية إلى مستشفيات الأهواز وطهران. وقد أكّدت بعثات الأمم المتحدة آنذاك وجود آثار لغاز الخردل.
إلا أنّ هذه الجريمة لم تواجه بردّ دولي حازم، بل إنّ صمت القوى الكبرى وتخاذلها شكّلا ضوءا أخضر لبغداد لمواصلة اعتداءاتها، ومع حلول عامي 1987 و1988 شنّ العراق هجمات واسعة النطاق بالقنابل الكيميائية المحمّلة بغاز الخردل وغازات الأعصاب على الجبهات، ما خلّف خسائر بشرية فادحة.
وبحسب تقديرات إحدى الصحف الأمريكية، فقد أودت هذه الهجمات بحياة ما لا يقل عن 20 ألف جندي ومسعف إيراني على الفور نتيجة استنشاق الغازات السامة، فيما أُصيب نحو 80 ألف شخص آخر بإصابات كيميائية ظلّت آثارها وأمراضها تلاحقهم لعقود طويلة.

