من دولرة الاقتصاد إلى أزمة الصرف.. تقرير يكشف جذور الاختلالات ويقترح حزمة إصلاحية شاملة

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشرت وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية الأصولية، الجمعة 5 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه أسباب التأثير الشديد لتقلبات سعر الصرف على الاقتصاد الإيراني نتيجة الاعتماد الكبير على النفط والبتروكيماويات والارتباط الوثيق للواردات بالمدخلات الإنتاجية، كما تناول اقترح حزمة إصلاحية شاملة لإدارة سوق الصرف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

جذور الأزمة وتداعياتها

ذكرت الوكالة أنّ السوق غير الرسمي للعملة الأجنبية في إيران، بسبب البنية النفطية للاقتصاد والاعتماد الكبير على الواردات من المدخلات الإنتاجية وغيرها، لا يمتلك القدرة على اكتشاف السعر الحقيقي للعملة؛ وهو وضع لم يؤدِّ فقط إلى تفاقم التضخم واتساع الفجوة الطبقية، بل جعل الحكومة والشعب الخاسر الأكبر من هذه المعادلة.

وأضافت  أنّ سوق الصرف في الاقتصاد الإيراني يُعدّ دوما من المتغيرات الأساسية والمؤثرة على التضخم، والقدرة الشرائية للمواطنين، والسياسات الاقتصادية الكلية. ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري: هل يملك سوق الصرف الحر في إيران حقا القدرة على اكتشاف السعر المناسب للعملة أم لا؟

وأشارت إلى أنّ مراجعة أوضاع هذا السوق تكشف عن عوامل عديدة مثل دور الوسطاء والمهربين، وامتناع المصدّرين غير النفطيين عن عرض العملة بالسعر الرسمي، ووجود كميات كبيرة من العملات الأجنبية في المنازل، إضافة إلى تدخلات في جانب العرض، وضغوط ناجمة عن تهريب السلع والمضاربات، وكلها تُعيق تشكيل سوق عملات منظم وتنافسي وبهذا، يصبح سعر الصرف انعكاسا للصدمات والاختلالات الهيكلية أكثر من كونه مرآة لتوازن العرض والطلب الحقيقيين.

وتابعت موضحة أنّ التحليل المستند إلى البيانات والاتجاهات التاريخية يبرز أن البنية الخاصة للاقتصاد الإيراني- وضمن ذلك الحصة المرتفعة للإيرادات النفطية والبتروكيماوية في الصادرات والاعتماد الشديد للواردات على المدخلات الإنتاجية- قللت من حساسية العرض والطلب على العملة تجاه تغير سعرها، وهذا الأمر جعل تقلبات سعر الصرف تتحول من أداة للتعديل الاقتصادي إلى عامل صدمات شاملة تضرب الاقتصاد بأكمله.

كما أضافت أنّ السياسات المطبقة بعد عام 2007، وما تلاها من دولرة تدريجية للاقتصاد “أي تحويل جزء كبير من النشاط الاقتصادي أو التسعير داخل بلد ما إلى الدولار الأمريكي بدلا من العملة المحلية”، ساهمت في تعميق الفجوة الطبقية، وإلحاق الضرر بالحكومة والمواطنين، ونقل الأرباح الضخمة إلى قطاعات محدودة شبه حكومية، ومن هنا برزت الضرورة الملحّة لإعادة النظر في أسلوب إدارة سعر الصرف واعتماد نهج فعّال للسيطرة على التضخم وإعادة الاستقرار إلى الاقتصاد الوطني.

Image

وأشارت إلى أنّ النائب حسين صمصامي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، قدّم مؤخرا تحليلا لسياسات الصرف في البلاد، مقترحا حزمة إصلاحية تتضمن تشخيص مواطن الخلل وطرح حلول عملية، وتركّز هذه الدراسة على قضايا أساسية في الاقتصاد الإيراني مثل دور الدولة والسوق في تحديد سعر الصرف، وأسباب التأثير الشديد للعملة الأجنبية على الاقتصاد.

وتساءلت الوكالة: هل السوق الحر للعملة في إيران قادر فعلا على اكتشاف السعر العادل؟ وأوضح أنّ مواصفات هذا السوق- وضمن ذلك دور المهربين، وامتناع المصدّرين غير النفطيين عن تسليم العملة للبنك المركزي بالسعر الرسمي، ووجود العملات الأجنبية لدى الأفراد، إلى جانب تدخل البنك المركزي في العرض، وعدم توافر العملة من المراجع الرسمية، فضلا عن تهريب السلع وهروب رؤوس الأموال والمضاربات في جانب الطلب- كلها تؤكد أنّ الاقتصاد الإيراني يفتقر إلى سوق صرف منظم وتنافسي.

وتابعت الوكالة مؤكدة أنّ أسباب هذا العجز تعود إلى الحصة المرتفعة جدا للإيرادات النفطية والبتروكيماوية من إجمالي الصادرات (وهي بطبيعتها غير حساسة لتقلب سعر الصرف)، إضافة إلى أنّ أكثر من 85% من الواردات مرتبطة بالمدخلات الإنتاجية، ما قلّل من حساسية العرض والطلب على العملة تجاه السعر.

وأشارت إلى أنّ عملية الدولرة بعد عام 2007 أحدثت تحولا جذريا في آلية التسعير، فالمصافي النفطية التي كانت تبيع المشتقات النفطية للحكومة وتحقق أرباحها بالريال، بدأت تشتري المواد الأولية وتسعّر منتجاتها بالدولار، ونتيجة لذلك، قفزت أرباح مصافي نفطية مثل أصفهان وتبريز بشكل هائل من دون أي زيادة في الإنتاج، بل فقط بسبب تغيير أسلوب التسعير.

وأكدت أنّ هذه السياسة أضرت بالحكومة التي تحمّلت الخسائر الأكبر؛ فشركات مثل “توانير” باتت تدفع تكاليفها بالدولار بينما إيراداتها بالريال، ما كبّدها عجزا ضخما جرى تعويضه من الموازنة العامة، وبذلك، خسر الشعب والدولة معا، بينما ازدادت الفجوة الطبقية بفعل بقاء الدخول بالريال وارتفاع النفقات وفق الأسعار الدولارية.

كما تابعت الوكالة أنّ التحليل شدّد على مسألة العلاقة بين سعر الصرف والتضخم: هل هي علاقة سببية أم نتيجة؟ حيث أكّد أنّ البنك المركزي نفسه يعترف بأنّ سعر الصرف كان الجذر الأساس للتضخم في السنوات الأخيرة، وليس السيولة النقدية.

كما قُدمت أدلة إحصائية عديدة على العلاقة المباشرة والقوية بين ارتفاع سعر الصرف وزيادة أسعار سلع أساسية مثل الزيت، والحليب، والدجاج، واللحوم، والسكر ، وأشارت إلى أنّ الصدمات التضخمية المتتالية في أعوام 2018، 2020، 2022 و2024-2025 جاءت جميعها مصاحبة لارتفاعات في سعر الصرف.

وتابعت موضحةً أنّ حدة تأثير سعر الصرف في الاقتصاد الإيراني تعود إلى الخصائص البنيوية الخاصة به، إذ يفتقر الاقتصاد إلى سوق عملة منظم وتنافسي قادر على اكتشاف السعر العادل، وهو ما يفسر استمرار الأزمات رغم المعالجات الجزئية.

Image

ذكرت الوكالة أنّ أهم الأسباب التي تجعل أثر تقلبات سعر الصرف في الاقتصاد الإيراني بالغ الشدة تتمثل في عاملين رئيسيين:

أولا: الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية والبتروكيماوية إذ يشكّل النفط والمكثفات الغازية والمنتجات البتروكيماوية الجزء الأكبر من إجمالي الصادرات الإيرانية، وهذه القطاعات لا تُبدي حساسية تذكر تجاه تغيرات سعر الصرف، بمعنى أنّ ارتفاع أو انخفاض قيمة العملة الأجنبية لا ينعكس بصورة ملموسة على حجم عرض العملة الناتج عن هذه الصادرات.

ثانيا: الاعتماد المرتفع للواردات على المدخلات الإنتاجية حيث يتجاوز نصيب هذه المدخلات 85% من إجمالي الواردات، وهو ما يعني أن الطلب على العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد لا يتأثر كثيرا بسعرها، لأن هذه المدخلات أساسية ولا يمكن الاستغناء عنها في العملية الإنتاجية.

أضافت الوكالة أنّ هذين العاملين الأساسيين- أي ضعف حساسية العرض والطلب على العملة تجاه سعرها- يمنعان الاقتصاد من اكتشاف السعر المناسب عبر آليات السوق، ونتيجة لذلك، فإن أي تقلب أو تغير في سعر الصرف يؤدي إلى انعكاسات حادة وواسعة على مجمل الاقتصاد، بما يشمل التضخم، أسعار السلع، والقدرة الشرائية للمواطنين.

وتابعت أنّه قبل وبعد عام 2007 طرأت تغييرات جذرية على آلية تسعير الموارد الوطنية والمنتجات النفطية، وما تبعها من تحولات في العلاقات المالية بين الحكومة والمصافي النفطية، وتوزيع الأرباح داخل الاقتصاد الإيراني، وقد عُدّ ذلك بداية ما يُعرف بـ”دولرة الاقتصاد الوطني” اي تحويل جزء كبير من النشاط الاقتصادي أو التسعير داخل بلد ما إلى الدولار الأمريكي بدلا من العملة المحلية.

وذكرت أنه قبل عام 2007 كان تسعير المنتجات، ومنها النفطية والبتروكيماوية والفولاذية والأسمنتية، يتم على أساس الإيرادات الريالية، والأرباح الناتجة من هذه الأنشطة كانت تؤول في معظمها إلى الحكومة والشعب، كما كانت العلاقة المالية بين الحكومة والمصافي النفطية تحقق للحكومة أرباحا ملحوظة.

كيف تغيّر نموذج العلاقة بين النفط والعملات بعد عام 2007؟

أوضحت الوكالة أنّ العام 2007 شكّل نقطة تحوّل في الاقتصاد الإيراني مع بدء ما عُرف بـ”الدولرة”، حيث تغيّرت آليات التسعير، خاصة في بورصة السلع، ليُربط تحديد الأسعار بالدولار والسعر العالمي للمنتج، هذا التحوّل انعكس مباشرة على ارتفاع كلفة المواد الأولية داخل السوق المحلية وزيادة الأعباء على المنتجين الإيرانيين.

وأضافت أنّ هذه السياسة الجديدة أحدثت طفرة كبيرة في أرباح المصافي النفطية والشركات البتروكيماوية، لم تأتِ نتيجة توسع في الإنتاج، بل بفعل تغيير أسلوب التسعير إلى الدولار وبيع المنتجات داخليا بأسعار دولارية، الأمر الذي عزز مكاسب هذه الشركات على حساب ارتفاع تكاليف الإنتاج والضغط على المستهلكين.

النتائج على الدولة والمجتمع

ذكرت الوكالة أنّ هذه التحولات حرمت الحكومة من أرباح كبيرة كان يفترض أن تجنيها، بينما تدفقت الأرباح على وحدات إنتاجية ومصافي في معظمها شبه حكومية أو “خصولتيّة“. ونتيجة لذلك، ازداد فقر الحكومة والشعب، في حين تركزت الأرباح في أيدي قلة محدودة، مما عمّق الفجوة الطبقية.

كما تابعت أنّ خسائر الشركات الحكومية ارتفعت، وأصبحت الحكومة بدلا من أن تستفيد من أرباحها، مجبرة على تغطية عجزها، إلى جانب ذلك، ارتفعت تكاليف إنتاج البنزين والديزل والمشتقات النفطية الخاصة على الدولة والشركات التحويلية (البتروكيماويات) بما يتراوح بين 80 و100 ضعف مقارنة بعام 2006.

وأشارت إلى أنّ هذه التغييرات البنيوية في التسعير وتوزيع المنافع عكست تحولا كبيرا في الاقتصاد الإيراني ترك آثارا واسعة على التضخم، أسعار السلع، والقدرة الشرائية للمواطنين.

Image

ثلاثة أساليب لإدارة سعر الصرف

أفادت الوكالة بوجود ثلاثة توجهات رئيسية مطروحة لإدارة سعر الصرف في إيران:

1-الاستمرار في الوضع القائم: أي الاعتراف الضمني بالسوق الموازي، ورفع تدريجي لسعر الصرف، مع غياب عودة العملات التصديرية، وهو ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من الغلاء وتنامي الفساد.

2-توحيد السعر وربطه بالسوق الموازي: وهو ما يعني عمليا إضفاء الشرعية على السوق غير الرسمي، وإعادة إنتاج الأزمة نفسها.

3-توحيد السعر الرسمي وتحديد قيمة منطقية: يقوم على تثبيت السعر لفترة زمنية محددة، وإلزام المصدّرين بإعادة العملات، وضبط الواردات ومكافحة التهريب، ويرى الخبراء أنّ هذا الخيار الأنسب، إذ يساهم في خفض التضخم واستقرار الأسعار ودعم النمو الاقتصادي.

Image

تقدير السعر المناسب وسلة الإصلاحات المقترحة

ذكرت الوكالة أنّ النموذج الحسابي المقترح يقدّر السعر المنطقي للعملة الأجنبية بأقل من المستوى المعتمد حاليا، بما يسمح بالحد من التضخم الناتج عن تقلبات السوق ومع ذلك، فقد طُرح اعتماد السعر المطبق حاليا على واردات السلع الأساسية والأدوية كسعر رسمي ثابت يشكّل مرجعا للمعاملات.

وتابعت أنّ الحزمة الإصلاحية المقترحة تتضمن مجموعة من البنود التنفيذية الموزعة على ثلاثة محاور رئيسية، تشمل:

1-تحقيق الاستقرار الاقتصادي: عبر إعلان سعر صرف رسمي موحّد، وضبط أولويات الاستيراد، وضمان الالتزام بإعادة عائدات التصدير.

2-تعزيز الحوكمة النقدية: من خلال حصر تداول الذهب والعملات في قنوات رسمية، منع الأنشطة غير المشروعة مثل التهريب أو التداول الرقمي الموازي، وتشديد الرقابة على السلع المستوردة.

3-الإدارة التشغيلية: عبر إطلاق خطة إعلامية لشرح أهداف الإصلاحات، وبث الطمأنينة لدى المساهمين والمستثمرين بشأن الحفاظ على قيمة أصولهم.

واختتمت الوكالة بتأكيد أنّ تنفيذ هذه الإصلاحات سيؤدي إلى تضييق الخناق على شبكات التهريب، وتحسين ميزان الطاقة الوطني، فضلا عن دوره الأساسي في ضبط سوق الصرف وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.