- زاد إيران - المحرر
- 490 Views
بعد أن ضحكنا على حكاية “كيلو الأرز بـ200 دولار”، ظن البعض أن تلك أغرب ما يمكن أن يحدث في غرفة الترجمة بموقع زاد إيران… لكن مهلا، فالأرشيف ما زال يحتفظ بلحظات أكثر طرافة وغرابة، بعضها لم يكن مجرد “سهو عابر”، بل كان قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح أزمة إعلامية!
واليوم، أفتح معكم صفحة جديدة من دفتر الذكريات، لأروي قصة إحدى المترجمات التي ارتكبت خطأ كاد أنذ يكون مصيبة لو لم ننتبه إليه.
في عالم الترجمة، الخطأ ليس دائما في الكلمات… بل أحيانا في الأسماء، وقد يُخيَّل إليك أن ترجمة اسم علم هي أسهل ما في مهنة الترجمة، لكن الواقع مغاير تماما، خاصة حين يتقاطع الاسم مع السياق، والنوع، والهدف من النص كله!
في هذا المقال، أروي لكم واحدة من تلك اللحظات التي تختبر حواس المترجم وحدسه، حين اختلط الأمر على زميلتنا فحوّلت شخصية نسائية بارزة إلى رجل بكل “ثقة لغوية”، ليتحوّل تقرير نسويّ إلى شيء لا يشبهه في شيء.
ما الذي حدث بالضبط؟ ولماذا يكون فهم السياق أحيانا أهم من إتقان اللغة؟
دعونا نغوص في هذه القصة الجديدة من كواليس الترجمة، حيث تكشف التفاصيل دوما عن دروس لا تنتهي.
كانت الأجواء هادئة في غرفة الترجمة ذلك اليوم، والتقارير تتوارد تباعا، بين اجتماعات سياسية، وحوارات مع مسؤولين، وبيانات اقتصادية، وتصريحات صحفية متنوعة.
وصل إلينا تقرير مهم من إحدى الوكالات الرسمية، يغطي حدثا نسويا بارزا أقيم في طهران، بحضور شخصيات أكاديمية وحقوقية، وعلى رأسهن إحدى الناشطات المعروفات في قضايا المرأة.
المهمة أوكلت إلى زميلة مترجمة شابة، نشيطة ودقيقة في العادة، لكنها جديدة العهد بنصوص الإعلام الاجتماعي في إيران. وبعد ساعات قليلة، وصل لي النص المترجم. فقد بدا منظما وسلسا، حتى وصلت إلى هذا السطر:
“وقد ألقى الدكتور أشرف جواهريان كلمة في افتتاح المؤتمر، أشاد فيها بدور النساء…”.
توقفت هنا. قرأتها مرة، ثم ثانية.
“الدكتور أشرف؟!”
هل هذا معقول؟ هل يمكن أن يكون هذا صحيحا؟ أم أنني أتوهم؟
عدتُ سريعا إلى النص الفارسي، فإذا بالفقرة الأصلية تقول ببساطة:
“أشرف جواهریان، فعال حقوق زنان، در این مراسم سخنرانی کرد”.
أي: أشرف جواهريان، ناشطة في مجال حقوق النساء، ألقت كلمة خلال هذا الحدث.
وهكذا، بجرة قلم، تحوّلت السيدة أشرف- التي يعرفها الوسط الحقوقي الإيراني جيدا- من ناشطة نسوية إلى رجل يتحدث عن دور النساء من منصة المؤتمر!
اتصلت بالمترجمة سريعا، وسألتها:
هل تعرفين أشرف جواهريان؟
قالت: “بصراحة لا. لكن الاسم بدا لي عاما، ووجدت الكلمة (سخنرانی کرد) أي “ألقى كلمة”، فافترضت أنها لرجل”، كما أن اسم أشرف هو اسم لرجل في العادة في ثقافتنا العربية.
ومن هنا وقع الخطأ… ومن هنا أيضا يبدأ الدرس، فالمشكلة لم تكن في الجملة فحسب، بل في السياق كله، وفي فهم الجوانب الثقافية والاجتماعية للمجتمع الإيراني، إذ إن التقرير كان يُغطّي فعالية نسوية بالكامل، بحضور نساء، وبخطابات موجّهة إلى النساء، وتحويل المتحدثة إلى رجل أخلّ بجوهر الرسالة، كما أن معظم الأسماء مثل: “أشرف – أعظم – أفخم ” تكون لنساء وليس لرجال كما هو الحال لدينا في مصر.
ضحكنا كثيرا بعد مراجعة النص، ثم أعدنا الصياغة، وخرج التقرير في صورته الصحيحة.
ليست كل الأخطاء في الترجمة لغوية أو تقنية، فبعضها يشبه المقالب اللطيفة التي ينصبها لنا السياق دون أن نشعر. لكنها تذكّرنا دائما بأن الترجمة ليست مجرّد حرفة لغوية، بل مسؤولية فكرية وسياقية تتطلّب حدسا، ويقظة، وفهما للعالم الذي نترجم عنه وله.
من “كيلو الأرز الذي صار أغلى من الذهب”، إلى “الدكتور أشرف” الذي أربك عنوان مؤتمر نسوي… تظلّ غرفة الترجمة مليئة بالحكايات التي تُضحك وتُعلّم في آن واحد.
وإلى لقاء جديد مع حكاية أخرى من سلسلة نوادر المترجمين.

