- زاد إيران - المحرر
- 589 Views
كتب: مهدی سجادي
في الأيام الأولى من العدوان الإسرائيلي الأخير على إيران، تصدّرت أسماء ثلاثة قادة عسكريين بارزين في الحرس الثوري الإيراني عناوين الأخبار.
أُصيب أحدهم في عملية اغتيال نفذها الاحتلال الإسرائيلي ولقي حتفه، بينما نجا الآخر رغم إصابته، في حين ظهر الثالث في وسائل الإعلام، مقدّما تحليلات مختلفة عن المشهدين السياسي والعسكري في إيران والمنطقة.
ما يجمع بين هؤلاء الثلاثة –غلام علي رشيد، وعلي شمخاني، ومحسن رضائي- ليس الحاضر فقط، بل ماض نضالي مشترك يعود إلى سنوات طويلة، حين كانوا أعضاء في مجموعة كفاحية تُدعى “منصورون”.
اندماج أربع مجموعات وتشكيل هوية جديدة
كانت مجموعة “جيش الثورة لشعب إيران المسلم”، التي كانت توقّع بياناتها في البداية بآيتين من سورة الصف: “إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ”،
واختارت لاحقا اسم “منصورون” قبيل انتصار الثورة الإسلامية في إيران، واحدة من المجموعات المناضلة ضد نظام الشاه في إيران.
تشكّلت هذه المجموعة نتيجة اندماج أربع حركات نضالية في محافظة خوزستان، وهي:
- مجموعة من أعضاء الجمعية الإسلامية في مدارس مدينة خرمشهر
- مجموعة بقيادة الشيخ عبدالحسين سبحاني في دزفول
- مجموعة ذات طابع سياسي وعسكري في الأهواز
- مجموعة رابعة بقيادة غلام حسين صفاتي، وهو من الأعضاء السابقين في منظمة مجاهدي خلق، لكنه قطع صلته بها بعد تحولها الأيديولوجي.
كان من أبرز الشخصيات التي انحدرت من هذه المجموعات الأربع وأسهمت في تأسيس حركة “منصورون”:
محمد جهان آرا، وغلام علي رشيد، وعلي شمخاني، ومحسن رضائي.
وكان العامل المشترك بين هذه المجموعات هو معارضتها لمنظمة مجاهدي خلق، رغم اشتراكها معها في مقاومة نظام الشاه.

النضال ضد نظام الشاه وتوسّع دائرة النشاط
كان تركيز نشاط مجموعة «منصورون» في بدايتها محصورا في محافظة خوزستان، لكن خلال عامَي 1975 و1976 شهدت المجموعة نموا ملحوظا، فانضم إليها أعضاء من مدن كاشان، وقم، ومحافظة فارس، وطهران، وتوسّع نطاق نشاطها ليشمل محافظات طهران، وقم، وأصفهان، ويزد، وخوزستان، وكرمان، أراك وغيرها.
منذ أوائل عام 1976 أي قبل انتصار الثورة الإسلامية، تبنّت “منصورون” نمط العمل السري، وبدأت بتأسيس بيوت آمنة متعددة، ومع توسّع نشاطاتها، ازدادت حساسية جهاز السافاك (استخبارت الشاه محمد رضا بهلوي) تجاهها، وبعد عدة اشتباكات محدودة، لقي بعض أعضاء المجموعة الرئيسيين حتفهم إما في المواجهات أو تحت التعذيب.
ومع تصاعد أنشطة المجموعة، وخصوصا في السنة الأخيرة التي سبقت الثورة، واجهت القيادة المركزية لـ”منصورون” مفترق طرق استراتيجيا، فقد رأى بعض الأعضاء أن الوقت لم يكن قد حان بعد للعمل الثوري العلني، وأن الأولوية ما زالت لتعزيز البنية التنظيمية وترسيخها، بينما كان آخرون يرون ضرورة دخول الساحة كجناح مسلح داعم للشعب. ومع مرور الوقت، تغلّب الرأي الثاني داخل المجموعة، وسافر عدد من أعضائها إلى سوريا ولبنان لتلقّي التدريبات العسكرية.

الارتباط بالمؤسسة الدينية: سمة مميّزة لحركة “منصورون”
من أبرز الخصائص التي ميّزت مجموعة “منصورون” عن سائر الحركات النضالية المشابهة، كان ارتباطها الوثيق بالمؤسسة الدينية والحوزة العلمية، فمنذ تأسيسها، حرص أعضاؤها على التواصل مع شخصيات دينية بارزة مثل الشهيد مرتضى مطهري، الشيخ محمد علي شرعي، الشيخ راستي الكاشاني، ومن خلالهم، كانت لديهم صلة مباشرة بالإمام الخميني.
وقد استند هذا التوجّه إلى إيمان راسخ لدى أعضاء المجموعة بمبدأ ولاية الفقيه وضرورة الالتزام به.
ومن اللافت أنّ هذا التنظيم، من خلال محمد باقر ذوالقدر، الذي تولّى لاحقًا منصب أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام، أقام علاقة أيضا مع أحد المفكرين الحوزويين البارزين، وهو منير الدين الحسيني الهاشمي، الذي لعب دورا مميزا في التأسيس الفكري والعقائدي للمجموعة.
فقد أدخل ذوالقدر بعض مؤلفات منير الدين حول منهج الاجتهاد الحوزوي إلى داخل التنظيم، لتُصبح تلك النصوص بمثابة الأساس الروحي والمعرفي الذي ربط “منصورون” بالإسلام الحوزوي.

اندماج جديد… وتشكيل تنظيم آخر
عشية انتصار الثورة الإسلامية، وفي الفترة القصيرة التي تلتها، اجتمعت سبع مجموعات نضالية وهي: مجموعة أمة واحدة، وتوحيدي بدر، وتوحيدي صف، وفلاح، وفلق، الموحدين، ومنصورون، والتي كان يجمع بينها جميعا رفضها القاطع لمنظمة مجاهدي خلق، وقررت بعد سلسلة لقاءات مشتركة الاندماج في تنظيم واحد جديد.
وقد تأسس هذا التنظيم الجديد بدافع حماية النظام الإسلامي الوليد من التهديدات المحتملة، وأُطلق عليه اسم “منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية”.
لاحقا، لعب العديد من أعضائه أدوارا مؤثرة في المؤسسات العسكرية والأمنية للجمهورية الإسلامية.
من أبرز هؤلاء: سعيد حجاريان، ومحمد بروجردي، ومرتضى الويري، ومصطفى تاج زادة، وبهزاد نبوي، ومحمد باقر ذوالقدر، ومحسن رضائي.
خاتمة
إن استعراض المسيرة التنظيمية لمجموعة منصورون يكشف بوضوح أن كثيرا من التفاعلات السياسية والأمنية الراهنة في إيران، تعود بجذورها إلى الماضي، بل وإلى ما قبل انتصار الثورة، في عهد الشاه نفسه، كما تُظهر هذه التجربة إلى أي مدى يمكن للعمل التنظيمي المنسّق أن يسهم في بناء الكوادر ورفدها بالقوة والتأثير.
فـ”منصورون” كانت واحدة من عدة نوى نضالية قبل الثورة، لكنها استطاعت أن تلعب أدوارا فعالة في مرحلة ما بعد قيام الجمهورية الإسلامية، وقد تباينت العلاقة بين الثوريين ما قبل الثورة والثوريين في الدولة الراهنة، فتقاربت في بعض الجوانب وتباعدت في أخرى.
الرموز الأساسية في هذه المجموعة كانت مطاردة من قبل السافاك ونظام الشاه، واستُشهد بعضهم في المواجهات أو تحت التعذيب، واليوم، وبعد مضي عقود، قُتل بعض من بقي منهم في هجمات جوية إسرائيلية، ما يثير تساؤلات عميقة:
هل مرت هذه الشخصيات بتحوّلات فكرية أو سياسية؟
وهل يمكن أن نلمح خيطا من الصلة بين ممارسات السافاك آنذاك وممارسات إسرائيل اليوم؟
أسئلة تفتح الباب أمام قراءة أعمق لتاريخ إيران المعاصر والمنطقة بأسرها، وربما تحمل تلك القراءة في طياتها الإجابة.

