- زاد إيران - المحرر
- 640 Views
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الخميس 21 أغسطس/آب 2025، حوارا مع غلام رضا كريمي، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الخوارزمي، حول التداعيات المحتملة لتفعيل آلية الزناد من قبل الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية، وانعكاس ذلك على مستقبل المفاوضات النووية ومسار العلاقات بين إيران من جهة والغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية من جهة أخرى، وفي ما يلي نص الحوار
زعمت بعض وسائل الإعلام الغربية أن الترويكا الأوروبية تستعد لتفعيل آلية الزناد مع بقاء أقل من أسبوعين على الموعد النهائي، فما الأوراق التي تملكها إيران لمنع ذلك؟
مع اقتراب نهاية شهر أغسطس/آب 2025، تتضاءل فرص عودة إيران إلى الوضع الطبيعي داخل المجتمع الدولي، وكان هناك توقع عام بأن تعيين علي لاريجاني رئيسا للمجلس الأعلى للأمن القومي سيساعد على تهيئة أجواء أكثر ملاءمة للدبلوماسية والتفاوض، غير أن الوقت يمر بسرعة والمحادثات مع الدول الأوروبية الثلاث لم تحقق تقدما ملموسا.
وفي حال تفعيل آلية الزناد، فإن جميع العقوبات الدولية التي عُلّقت بموجب قرار مجلس الأمن 2231 والاتفاق النووي ستعود، كما ستُعاد تفعيل البنود الواردة في القرارات الستة السابقة الخاصة بالعقوبات ضد إيران، وهو ما سيضع إيران أمام ظروف بالغة الصعوبة.
هل يكتفي الغرب باستخدام هذا الورقة فقط؟
في البداية يجب أن أقول أنه رغم اعتقاد البعض بأن آلية الزناد تفتقر إلى تأثير جدي، باعتبار أن إيران تخضع أصلا لعقوبات الولايات المتحدة وبالتالي لا تمثل تهديدا كبيرا، إلا أن الحقيقة هي أن تفعيل هذه الآلية قد يجعل وضع إيران أكثر تعقيدا بكثير، فهذه الآلية تندرج ضمن الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ما يهيئ المجال لإجراءات عسكرية واقتصادية واسعة ضد إيران، إضافة إلى أنه قد يزيد من احتمالية انخراط الصين وروسيا في هذا المسار.
ما الخيارات المتاحة أمام طهران؟
في الفترة القصيرة المتبقية (أقل من أسبوعين)، يمكن لطهران أن تتخذ خطوات دبلوماسية مبتكرة من شأنها أن تدفع الدول الأوروبية إلى استئناف المفاوضات، فالإجماع الداخلي القائم في إيران بشأن المضي قدما في المفاوضات يُعد فرصة يمكن استثمارها عبر إعطاء الأولوية للدبلوماسية وتقديم مبادرات جديدة.
ومع ذلك، فإن الدول الأوروبية وضعت شروطا، من بينها بدء التفاوض مع الولايات المتحدة، والتعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقديم تقارير دقيقة حول مخزون اليورانيوم عالي التخصيب.
وفي الوقت الراهن، تنتهج إيران سياسة الغموض النووي، خاصة بعد الهجمات الأخيرة التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على ثلاثة مراكز للتخصيب في إيران، وفي المقابل، تسعى الدول الأوروبية، من خلال الضغط والتهديد بتفعيل آلية الزناد، إلى إجبار إيران على مزيد من الشفافية بشأن وضع التخصيب ومخزون اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق 60%.
والرسالة الأخيرة التي وجّهتها الدول الأوروبية الثلاث إلى الأمين العام للأمم المتحدة، والتي أعلنت فيها استعدادها لتفعيل آلية الزناد، واجهت رد فعل من ممثل روسيا في المنظمة، حيث اعتبر هذا الإجراء غير مقبول قانونيا نظرا لعدم التزام أوروبا بتعهداتها في الاتفاق النووي وتماهيها مع الهجمات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على المنشآت النووية الإيرانية الخاضعة لإشراف الوكالة الدولية.
وهذا الموقف يُمثل ورقة قوة قانونية لإيران، يمكن توظيفها بالتعاون مع روسيا والصين والأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن للطعن في شرعية تفعيل الآلية حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو الموعد النهائي لذلك.
ومع ذلك، تبقى الفرصة أمام الدبلوماسية والتفاوض محدودة للغاية، ومع اقتراب موعد التفعيل المحتمل لآلية الزناد، يرى العديد من المحللين الدوليين أن عملية تنفيذها قد بدأت فعليا.
هل تستطيع طهران في هذه المدة القصيرة تنفيذ شروط أوروبا بشأن التخصيب الصفري، والتعاون مع الوكالة الدولية، والتفاهم مع الولايات المتحدة؟
إن المسألة الأساسية هي بدء المفاوضات وإتاحة فرصة كافية للدبلوماسية قبل فوات الأوان، ومن المهم التأكيد على أن دخول إيران في مفاوضات جدية مع الدول الأوروبية، بل وحتى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، لا يعني قبول جميع الشروط التي طرحتها الترويكا الأوروبية أو شرط التخصيب الصفري الذي أعلنت عنه واشنطن. 
فالمفاوضات يجب أن تُبنى على مبدأ المقايضة، بحيث تُرفع العقوبات المفروضة على إيران وتُهيأ الظروف لانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية، وفي المقابل تلتزم إيران بالتعهدات في المجال النووي، هذه التعهدات يمكن أن تشمل التخصيب ضمن التحالف بمشاركة دول المنطقة أو حتى دول من خارجها، وهي مقترحات سبق أن طرحتها طهران من قبل.
في ظل تقديم إيران مبادرات واستعدادها لقبول بعض القيود مقابل رفع العقوبات، هل يعني صمت الغرب وتمسكه بشروطه المزعومة تراجع فرص الدبلوماسية؟
إن التجارب تثبت أن الاكتفاء بالمواقف الرسمية لا يحل القضايا المعقدة، إذ إن التوصل إلى الاتفاق النووي احتاج مفاوضات شاقة بين إيران والولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، وروسيا، والصين + ألمانيا استمرت لساعات طويلة بمشاركة وزراء الخارجية.
وجوهر التعقيد هو انعدام الثقة العميق بين إيران والغرب، خاصة بعد حرب الأيام الـ12، ما يجعل مجرد التصريحات المتشددة غير كاف، فنجاح الدبلوماسية يتطلب حوارا متواصلا ومقايضات ضرورية، فبرغم طرح كل طرف أقصى مطالبه، يبقى تخصيص الوقت الكافي أساسا لدفع المفاوضات نحو اتفاقات مؤقتة تمنع تفعيل آلية الزناد.
هل لدى أوروبا والولايات المتحدة إرادة للتوصل إلى اتفاق مع إيران بعد اقتراح نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي، صيغة “رابح-رابح”؟
برأيي، إنّ الدول الأوروبية لا تميل إلى توسيع التوتر والأزمة في منطقة الشرق الأوسط، وبطبيعة الحال فإنّ إيران أيضا لا تسعى إلى زيادة التوتر في هذه المنطقة، ومع ذلك، يبذل النظام الإسرائيلي كل جهوده لخلق ظروف أمنية وأزمات لإيران في المحيط الدولي، وفي حال تخصيص وقت كاف للدبلوماسية والتفاوض، فهناك إمكانية للتوصل إلى اتفاق عادل بل وحتى يحقق مبدأ الربح للطرفين.
إنّ رفع العقوبات يمكن أن يمهّد الطريق أمام قبول إيران بعض القيود على برنامجها النووي، وبالنظر إلى التقدّم الملحوظ الذي حققته إيران في مجال التخصيب خلال العقدين الماضيين، فإنّ هذه القدرات يمكن تفعيلها مستقبلا واستخدامها كورقة ضغط فعّالة، ورغم أنّ المواقف المعلَنة من الدول الغربية، ولا سيما الولايات المتحدة، تجعل دخول إيران في المفاوضات صعبا في المرحلة الأولى، إلا أنّ التجربة في المفاوضات الدولية أثبتت أنّ أيا من الأطراف لا يقف بشكل أحادي في موقع ضعف.
كما أنّ إيران تمتلك قدرات عسكرية بارزة تحافظ على قدرتها الرادعة في مواجهة أي عمليات عسكرية، إضافة إلى ذلك، فإنّ الغموض النووي القائم بشأن مخزونات إيران من اليورانيوم المخصّب يمكن أن يشكّل أداة ضغط قوية في المفاوضات، وبالتالي، إذا توصّل الطرفان إلى قناعة بضرورة بدء حوار جاد، فيمكن من خلال التفاوض منع تصعيد الأزمة في الشرق الأوسط والتوصل إلى حل عادل.
إلى أي مدى يُحتمل أن يتواصل تفاعل إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والترويكا الأوروبية، والولايات المتحدة؟
تُعَدّ زيارة نائب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى طهران خطوة لبناء الثقة في سياق الأنشطة النووية الإيرانية، إلا أن الهجوم العسكري الأميركي والإسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، ودعم الدول الأوروبية لهذا العمل العدواني، إلى جانب غياب موقف واضح من الوكالة تجاه المواقع الخاضعة لإشرافها التي تعرضت للهجوم، جعل إيران أقل ميلا للتعاون الواسع مع الوكالة، متمسكة بسياسة الغموض النووي إزاءها وإزاء أوروبا والولايات المتحدة.
ومع ذلك، فإن بدء مفاوضات جدية بين إيران وأوروبا وواشنطن قد يفتح المجال لتعليق أو تأجيل آلية الزناد، الأمر الذي يوفر فرصة للدبلوماسية، غير أن ضيق الوقت والأيام القليلة المتبقية للتوصل إلى أي اتفاق يجعل فرص نجاح هذه المفاوضات ضعيفة للغاية.
في حال تحقق تفعيل آلية الزناد، ما الخيارات المتاحة أمام طهران في مثل هذه الظروف؟
في حال تنفيذ آلية الزناد، سيزداد مستوى انعدام الثقة بين الطرفين بشكل حاد، ومن المرجح أن تطرح إيران، كرد فعل على هذا الإجراء، الانسحاب من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية (NPT) أو على الأقل تقليص رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا بدوره سيؤدي إلى تعميق شكوك الدول الغربية تجاه إيران ويمنح فرصة لتشكيل إجماع دولي ضدها، خصوصا من خلال إصدار قرار من مجلس محافظي الوكالة وإعادة إحالة الملف إلى مجلس الأمن.
ورغم أن الخلافات داخل مجلس الأمن قد تجعل من الصعب إصدار قرار جديد ضد إيران، فإن عودة العقوبات المنصوص عليها في القرارات السابقة ووضع إيران تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مع نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025، سيجعل الأوضاع شديدة الصعوبة بالنسبة لإيران، وهذا الوضع، بالنظر إلى الأزمات الداخلية الحالية المتعددة، سيعقّد بشكل كبير إمكانية تطبيع وضع إيران وقد يؤدي إلى تصاعد التوتر بين الطرفين.
ما تداعيات انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار؟ وهل يشكل ذلك رادعا للغرب وسببا لتمديد المهلة؟
إن خروج إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي في حال تفعيل آلية الزناد قد يرفع خطر المواجهة العسكرية مع النظام الإسرائيلي والولايات المتحدة، خصوصا بعد تجربة الحرب الأخيرة، وهذا السيناريو قد يعرض مراكز اقتصادية إيرانية لهجمات ويقيد فرص التطبيع وتحسين الأوضاع الداخلية، مما يجعله الأسوأ لإيران والمنطقة عبر تعميق الاضطراب الأمني وزيادة التوترات الإقليمية والدولية.
وتسعى إسرائيل عبر لوبياتها في أمريكا وكل إمكانياتها لمنع أي اتفاق متوازن بين إيران والغرب، معتبرة أن ضعف إيران بعد حرب الـ12 يوما وتراجع محور المقاومة فرصة لتوجيه ضربة أكبر، فمن منظورها، أن أي اتفاق سيمكن إيران من استعادة قوتها، لذا تعمل إسرائيل على على عرقلته.
وفي المقابل، استفادت إيران من سياسة الغموض النووي، لكن تفعيل آلية الزناد يعقّد وضعها، فيما يسهم الدور الأوروبي المتشدد في تراجع الحماسة الأمريكية للتفاوض، ويمهّد لاحتمال مواجهة عسكرية.
ما الأذرع أو الأوراق التي تملكها إيران في هذه الفترة الزمنية المحدودة كي تصنع فرصا لصالحها؟
ينبغي لإيران في الأيام المتبقية أن تستخدم قدراتها كاملةً للدفع بالدبلوماسية والحوار المباشر، حتى مع الولايات المتحدة، من أجل منع تفعيل آلية الزناد، فأي تأخير في اتخاذ القرار سيضر على المدى الطويل بالمصالح الوطنية لإيران، إن تفعيل آلية الزناد سيعرّض المصالح الوطنية الإيرانية لخطر جسيم، وسيجعل جهود وتكاليف العقد الماضي لإلغاء آثار قرارات مجلس الأمن حتى نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2025 بلا جدوى، مما سيزيد بشكل ملحوظ من خسائر وأضرار إيران.
ولمنع تنفيذ آلية الزناد، فإن استخدام جميع الأدوات القانونية والدبلوماسية، بما في ذلك تبادل السجناء أو الإفراج عن بعض السجناء الأوروبيين، يمكن أن يُعد أوراق ضغط فعالة، وحتى إذا قبلت إيران على المدى القصير بتعليق أو تأجيل آلية الزناد واستمرار سياسة الغموض النووي لعدة أشهر، فإن ذلك قد يكون ذا قيمة كبيرة، خصوصا في ظل غياب إجماع كامل على مستوى صناعة القرار العليا في إيران.
وتتضاعف أهمية ذلك لأن اتخاذ القرارات في مثل هذه الظروف الحساسة يتطلب انسجاما داخليا بين الحاكمية والشعب، وكذلك داخل مؤسسات الحكم نفسها، فإذا توصّل صانعو القرار الكبار في إيران إلى أن الظروف غير مهيأة لاتخاذ قرار حاسم، فإن تأجيل آلية الزناد، رغم مخاطره الخاصة، سيكون أقل ضررا من تفعيلها ووضع إيران تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

