- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 671 Views
منذ اللحظة الأولى لقيام الجمهورية بصيغتها الإسلامية في إيران عام 1979، رفع القادة الجدد شعارات العدالة الاجتماعية، محاربة الفساد، وإرساء نظام قائم على القيم الإسلامية التي قيل إنها ستكون الضمانة ضد انحرافات النظام الملكي السابق. لكن سرعان ما اكتشف الإيرانيون أن الفساد لم يختفِ، بل أعاد تشكيل نفسه بطرق أعقد وأكثر رسوخا داخل بنية الدولة الجديدة. فبعد أربعة عقود على الثورة، أصبح من الممكن رسم خط متصل يربط بين قضايا الفساد المالي التي بدأت كحوادث متفرقة في الثمانينيات، وتحوّلت مع مرور الزمن إلى شبكة مترابطة تضم رجال أعمال نافذين، مسؤولين رفيعي المستوى، ومؤسسات مالية متواطئة.
لم يعد الفساد في إيران مجرد رشوة عابرة أو استغلالا محدودا للسلطة، بل صار منظومة متكاملة تتغذى على عوامل عدة: من غياب الشفافية، إلى هيمنة الأجهزة الأمنية على الاقتصاد، وارتباط السياسة بالتجارة عبر طبقة من الوسطاء، ومن غسيل الأموال إلى الرشاوى الضخمة، ومن التلاعب بالاعتمادات البنكية إلى تهريب النفط في ظل العقوبات. أنماط تتكرر نفسها، فيما تختلف الأسماء والواجهات.
الشارع الإيراني كان دائما يتابع هذه القضايا بدهشة وغضب؛ إذ يُساق شخص أو اثنان إلى المحاكمات العلنية، بينما تبقى الأسئلة الكبرى بلا إجابة: من يقف وراء هؤلاء؟ ولماذا لا تصل يد العدالة إلى الرؤوس الكبيرة؟ هذا النمط من المحاسبة الانتقائية، إذا جاز التعبير، عزّز الاعتقاد بأن الفساد ليس مجرد انحراف فردي، بل جزء بنيوي من طريقة إدارة الدولة.
في هذا التقرير الاستقصائي، نتتبع مسار الفساد في إيران منذ الثمانينيات حتى اليوم، مرورا بقضية فاضل خداداد في التسعينيات، وفضائح الألفية الجديدة مثل شهرام جزائري وبابك زنجاني، وصولا إلى فضيحة شاي دبش التي تُعد الأكبر في تاريخ البلاد. والسؤال المركزي الذي نحاول الإجابة عنه هو: لماذا ظل الفساد حاضرا وبقوة رغم كل الوعود المتكررة بمكافحته؟ وهل بات هذا الفساد جزءا من الاقتصاد السياسي للنظام نفسه؟
البدايات الغامضة.. الثمانينيات وصعود شبكات المال
حين سقط نظام الشاه عام 1979، كانت إيران تعيش حالة من الفوضى السياسية والاقتصادية. البنية الإدارية للدولة تغيّرت بشكل جذري، والكوادر القديمة إمّا أُبعدت أو هاجرت، فوجدت الجمهورية الجديدة نفسها أمام اقتصاد مترنّح يعتمد إلى حد كبير على عائدات النفط، لكنه مفتوح على ثغرات كبيرة. هذه الفوضى لم تقتصر على النظام السياسي وحده، بل انعكست أيضا في الأسواق والقطاعات المالية، لتوفّر أرضا خصبة لأول بذور الفساد في مرحلة ما بعد الثورة.
مع اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية عام 1980، تحولت البلاد إلى اقتصاد حرب مغلق؛ فالدولة خصصت معظم مواردها للجبهة العسكرية، فيما عانى الداخل من نقص حاد في السلع الأساسية، بدءا من الغذاء وحتى الأدوية وقطع الغيار الصناعية. ولتعويض هذا النقص، انتعش ما يُعرف في إيران بالسوق السوداء، حيث تولّى مهرّبون مهمة إدخال السلع بطرق غير قانونية، وغالبا عبر شبكات على صلة بالحرس الثوري أو بمؤسسات قريبة من رجال الدين النافذين.
في تلك الفترة، برزت ظاهرة جديدة وهي أشخاص عاديون أو تجار صغار تحولوا خلال سنوات قليلة إلى أصحاب ثروات ضخمة، بفضل قدرتهم على الوصول إلى العملة الصعبة أو الحصول على تراخيص استيراد نادرة، وفي ظل غياب رقابة مالية مستقلة، كان من السهل التلاعب بالعقود، تضخيم الأسعار، أو تهريب السلع عبر المنافذ الحدودية، الحرب، وما فرضته من شرعية الطوارئ، وفرت غطاء مثاليا لهذه الممارسات، حيث جرى تبرير كل عملية تجارية مشبوهة تحت شعار خدمة الجبهة ودعم المقاومة.
لكن الأهم أن هذه المرحلة شهدت بداية الارتباط بين رجال الأعمال الصاعدين ودوائر السلطة الجديدة، فبعض هؤلاء التجار لم يكتفوا بجني الأرباح، بل سعوا إلى بناء علاقات وثيقة مع المسؤولين في الحكومة أو المؤسسات الثورية، هنا تشكلت البنية الأولى لما يمكن تسميته التحالف الثلاثي، رجل دين نافذ، مسؤول حكومي أو عسكري، ورجل أعمال قادر على تحريك الأموال. هذا التحالف سيظل حاضرا في معظم قضايا الفساد اللاحقة في إيران.
على الجهة الأخرى، كان الشارع الإيراني يراقب بقلقٍ تضخم ثروات غير مفسرة في وقت يعيش غالبية الناس حالة تقشف خانقة، البطاقة التموينية، الطوابير الطويلة أمام المخابز، والحرمان من أبسط السلع الأساسية كانت جزءا من الحياة اليومية، فيما تنقل الأخبار عن فلان أو علان اشترى عقارات فاخرة أو امتلاك شركات استيراد كبرى، ومع غياب إعلام مستقل، كانت هذه الأخبار تنتشر في شكل شائعات، لكنها سرعان ما تترسخ في الوعي الجمعي كدليل على وجود شبكة فساد محمية من أعلى.
وبنهاية الثمانينيات، ومع توقف الحرب، كان المشهد الاقتصادي قد تغير جذريا، اقتصاد أنهكته الحرب والعقوبات، دولة مثقلة بالديون، ومجموعة جديدة من الأثرياء الذين راكموا ثرواتهم عبر السوق السوداء وعمليات الاستيراد المشبوهة، هؤلاء الأثرياء لم يكونوا مجرد أفراد طارئين، بل تحولوا إلى طبقة نافذة قادرة على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي. وهكذا، وضعت الثمانينيات الأساس لشبكات الفساد التي ستظهر لاحقا بشكل أوضح في التسعينيات، بدءا من قضية فاضل خداداد الشهيرة.
باختصار، يمكن القول إن الفساد في إيران لم يبدأ كجريمة مالية واضحة، بل ولد من رحم الحرب والاضطراب السياسي، وبدلا من أن تكون الثورة قطيعة مع ممارسات النظام السابق، فتحت الباب أمام طبقة جديدة من المحظيين الذين جمعوا بين المال والسلطة والدين، هذه البنية ستبقى قائمة لعقود لاحقة، وستظهر نتائجها الكارثية في أول فضيحة كبرى هزت إيران في التسعينيات.
قضية فاضل خداداد.. أول فضيحة كبرى في التسعينيات
مع بداية التسعينيات، كانت إيران تحاول لملمة اقتصادها بعد ثماني سنوات من الحرب المدمرة مع العراق. انتهت الحرب، لكن بقيت آثارها الثقيلة من تضخم، بطالة، وبنية تحتية منهكة. في تلك الأجواء، تبنت حكومة هاشمي رفسنجاني، في الفترة من 1989 إلى 1997، سياسة إعادة الإعمار، والتي اعتمدت على الانفتاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص والمشاريع الاستثمارية. غير أن هذه السياسة التي رفعت شعار التنمية السريعة، سرعان ما تحولت إلى بيئة خصبة لازدهار الفساد، إذ استغلها رجال أعمال ومسؤولون لتحقيق مكاسب شخصية غير مسبوقة.
أبرز مثال على ذلك كان قضية فاضل خداداد، رجل الأعمال الذي تحول اسمه في منتصف التسعينيات إلى مرادف لأول فضيحة مالية كبرى في الجمهورية الإسلامية. خداداد لم يكن شخصية مجهولة، بل واحدا من رجال الأعمال الصاعدين الذين استفادوا من الانفتاح الاقتصادي. علاقاته الوثيقة بمسؤولين في البنوك ساعدته على التلاعب بالاعتمادات البنكية والقروض، لينفذ واحدة من أضخم عمليات الاحتيال المالي في تاريخ البلاد آنذاك.
القضية تفجرت عندما كشف أن خداداد، وبالتعاون مع مسؤولين في بنك صادرات إيران، تورط في عمليات اختلاس وتلاعب بالاعتمادات وصلت قيمتها إلى مئات الملايين من الدولارات، وسائل الإعلام الرسمية وصفتها حينها بأنها أكبر عملية احتيال مالي منذ الثورة، ما جعلها محط أنظار الرأي العام. لكن المثير أن القضية لم تكن مجرد حادثة فساد مالي، بل أول اختبار حقيقي لمدى استعداد النظام لمحاسبة المتورطين الكبار.
المحاكمة التي عقدت في طهران جذبت اهتماما واسعا، جلس خداداد في قفص الإتهام كالمجرم الأكبر، فيما ظهر عدد من الموظفين والمسؤولين المصرفيين كمتهمين ثانويين، ورغم أن القضية كانت مرتبطة بصلات سياسية نافذة، إلا أن المحاكمة جرى تسويقها كدليل على عزم الدولة على مكافحة الفساد، و النتيجة كانت صادم، فقد صدر حكم الإعدام بحق خداداد، ونفذ عام 1995، ليصبح أول رجل أعمال يعدم بتهمة الاحتيال المالي في إيران بعد الثورة.
لكن السؤال الذي ظل مطروحا وقتها: هل كان خداداد حقا العقل المدبر الوحيد لهذه الشبكة؟ كثيرون في الشارع الإيراني اعتبروا إعدامه مجرد تضحية رمزية لإغلاق الملف وحماية شخصيات أكبر نفوذا كانت متورطة في الخلفية، الصحافة الإصلاحية، التي بدأت تأخذ مساحة أوسع في التسعينيات، أشارت حينها إلى أن خداداد لم يكن ليستطيع القيام بعمليات بهذا الحجم من دون حماية سياسية عليا، لكن تلك الأصوات سرعان ما أسكتت تحت ضغط الرقابة.
كان أثر هذه الفضيحة عميقا، فقد تزعزعت ثقة الإيرانيين بالبنوك المحلية، وبدأت صورة المؤسسات الثورية النظيفة تتآكل، كثيرون رأوا في خداداد بداية انكشاف حقيقة أن الفساد لم يعد مجرد نشاط سري محدود، بل تحول إلى شبكات منظمة تحظى بحماية داخل أجهزة الدولة.
وسياسيا، استخدمت القضية أيضا في الصراعات بين التيارات، فأنصار رفسنجاني اعتبروها دليلا على جرأة الحكومة في مواجهة الفساد، فيما استغلها خصومه لإظهار أن سياساته الاقتصادية فتحت الأبواب أمام النهب غير المسبوق، هذه الازدواجية في الخطاب، بين التباهي بالمحاسبة والتغطية على المتورطين، ستظل سمة متكررة في معظم قضايا الفساد اللاحقة.
وبشكل مجمل، مثلت قضية فاضل خداداد نقطة تحول، فهي أول مرة يرى فيها الإيرانيون محاكمة علنية لرجل أعمال نافذ بتهمة الفساد، وأول مرة يعدم فيها شخص على خلفية مالية بهذا الحجم، لكنها في الوقت نفسه رسخت نمط كبش الفداء، حيث يساق شخص واحد إلى المقصلة، بينما يبقى النظام البنكي والسياسي الذي مكنه على حاله دون إصلاح جذري، هذه القاعدة ستتكرر لاحقا، لكن بأرقام أكبر وشبكات أكثر تعقيدا من شهرام جزائري في الألفية الجديدة إلى بابك زنجاني في العقد التالي.
الألفية الجديدة.. من شهرام جزائري إلى بابك زنجاني
مع بداية الألفية الجديدة، دخلت إيران مرحلة سياسية جديدة مع انتخاب محمد خاتمي رئيسا عام 1997، وبدء فترة الإصلاحات والانفتاح السياسي النسبي. لكن بينما كان الخطاب العام يتحدث عن الديمقراطية والشفافية والمجتمع المدني، كان الواقع الاقتصادي يشهد تكوّن طبقة جديدة من رجال الأعمال النافذين الذين نسجوا علاقات وثيقة مع نواب البرلمان والوزارات، من هنا برز اسم شهرام جزائري كأحد أكثر رموز الفساد نفوذا وإثارة للجدل في أوائل العقد الأول من الألفية.
کان شهرام شابا في الثلاثينيات من عمره حينذاك، لكنه نجح بسرعة مذهلة في بناء شبكة علاقات مع أعضاء في البرلمان ومسؤولين في الحكومة، فقد كان أسلوبه جديدا حيث لم يعتمد فقط على التلاعب بالقروض أو الاعتمادات البنكية كما فعل خداداد، بل ابتكر شكلا من الفساد البرلماني التجاري، فقد كان يقدم الرشاوى لبعض النواب والوزراء مقابل تسهيلات، عقود حكومية، أو دعم لمشاريعه الاستثمارية. ومع الوقت، صار له نفوذ واسع في المؤسسات الاقتصادية والسياسية، إلى درجة أن كثيرين كانوا يعتبرونه الابن المدلل للبرلمان.
القضية تفجرت عام 2001 عندما كشف أن جزائريا متورط في شبكة واسعة من الفساد المالي، شملت رشى بمئات الآلاف من الدولارات لنواب ومسؤولين، إضافة إلى استغلال نفوذه للحصول على قروض ضخمة من البنوك بدون ضمانات، المحاكمة كانت صاخبة، وحكم عليه بالسجن 27 عاما، لكنه لم يقضِ سوى أقل من 10 سنوات قبل أن يطلق سراحه مبكرا بطرق مثيرة للجدل. هذه النهاية عززت قناعة الشارع بأن النظام القضائي لا يتعامل مع الفاسدين الكبار بصرامة، بل يكتفي بإجراءات شكلية لحماية صورته أمام الرأي العام.
لم تمضِ سنوات طويلة حتى برزت فضيحة أكبر وأكثر تعقيدا مع اسم بابك زنجاني، رجل الأعمال الذي وصف بأنه أخطر محتال في تاريخ إيران، فخلال فترة العقوبات الدولية المشددة على طهران في العقد الثاني من الألفية، لعب زنجاني دورا محوريا كوسيط غير رسمي للنظام في بيع النفط الإيراني خارج القنوات الرسمية، واستغل شبكة شركات وهمية وحسابات خارجية لغسل الأموال وتحويل العائدات بعيدا عن أعين المؤسسات الدولية.
لكن القصة لم تتوقف عند التحايل على العقوبات، فمع الوقت، ظهر أن زنجاني لم يسلم عائدات نفطية تقدر بمليارات الدولارات إلى خزينة الدولة. الصحافة الإيرانية تحدثت عن أكثر من 2.7 مليار دولار مفقودة في صفقاته، وهو مبلغ كان كافيا ليهز الاقتصاد الوطني في تلك الفترة. المحاكمة التي بدأت عام 2013 كشفت عن شبكة معقدة من العلاقات بين زنجاني والحرس الثوري ومسؤولين حكوميين، إذ لم يكن من الممكن لشخص بمفرده إدارة مثل هذه الصفقات الدولية الضخمة من دون حماية سياسية وأمنية رفيعة.
في 2016، صدر حكم الإعدام على زنجاني، لكنه ظل يخفف حتى خرج زنجاني، وسط تكهنات بأنه قد تم تخفيفه مقابل تعاونه في استعادة الأموال أو الكشف عن شركائه. هذه النهاية المفتوحة جعلت كثيرين يعتبرون قضيته مرآة لفساد النظام بأكمله شخص يُقدَّم كواجهة، بينما تبقى الشبكة الحقيقية بعيدة عن أي محاسبة.
من خلال قضيتي جزائري وزنجاني، يمكن ملاحظة كيف تطور الفساد في إيران من عمليات احتيال بنكية داخلية في التسعينيات إلى شبكات مالية دولية معقدة في العقدين التاليين، العقوبات الدولية لعبت دورا مهما هنا، فبدلا من كبح الفساد، ساهمت في تضخيمه، إذ فتحت المجال أمام وسطاء مثل زنجاني ليصبحوا شريان حياة للنظام، ما منحهم نفوذا هائلا وغطاء واسعا لأي تجاوزات.
بهذا المعنى، يمكن القول إن الألفية الجديدة كشفت عن وجه جديد للفساد الإيراني، لم يعد محصورا داخل حدود الدولة، بل تمدد عبر الحدود، مستخدما شركات وهمية وشبكات مالية دولية، ومعتمدا دائما على التحالف بين المال والسياسة والأمن، وهو ما سيبلغ ذروته لاحقا في فضيحة شاي دبش، التي كسرت كل الأرقام القياسية في حجم الأموال المهدورة وعدد المتورطين.
شاي دبش.. الفضيحة الكبرى التي كسرت سقف الفساد الإيراني
إذا كانت قضايا خداداد وجزائري وزنجاني قد رسمت مسارا متدرجا لتطور الفساد في إيران، فإن قضية شاي دبش شكلت الانفجار الأكبر، لتصبح الفضيحة التي كسرت كل السقوف السابقة ودفعت حتى أكثر المتابعين تشاؤما إلى القول بأن الفساد بات جزءا لا يتجزأ من منظومة الحكم في الجمهورية الإسلامية.
ظهرت القضية في النصف الثاني من العقد الثالث للألفية، عندما كشف أن شركة تجارية ضخمة متخصصة في استيراد وتوزيع الشاي، تعرف باسم شاي دبش، متورطة في واحدة من أضخم عمليات الاحتيال المالي في تاريخ إيران. على السطح، كانت القضية تبدو مجرد ملف متعلق بتهريب أو تلاعب بالسلع الغذائية، لكن مع توالي التحقيقات ظهر أنها تتجاوز ذلك بكثير، لتتحول إلى شبكة مالية–سياسية معقدة تورطت فيها جهات رسمية نافذة.
التقارير الرسمية والإعلامية حينها أشارت إلى أن حجم الأموال المهدورة في هذه القضية بلغ مليارات التومانات، مع وجود شبكة من البنوك والشركات الوهمية التي ساعدت على غسل الأموال وتحويلها داخل وخارج البلاد. لكن الأخطر هو أن القضية لم تتوقف عند الجانب الاقتصادي، بل تحولت بسرعة إلى قضية سياسية كبرى، بعدما ظهر أن بعض المتورطين يتمتعون بحماية من شخصيات مؤثرة في التيارات المتصارعة داخل النظام، بل وصدرت أحكام قضائية بحق اثنان من وزراء حكومة إبراهيم رئيسي.
هذا وقد كان دور الإعلام في هذه القضية كان استثنائيا، فبينما كانت السلطات تحاول التعتيم على حجم الفضيحة، سربت بعض الصحف الإصلاحية تفاصيل مذهلة عن آليات التلاعب بالعقود الحكومية، وكيفية استيراد شحنات الشاي بأسعار منخفضة ثم بيعها في السوق المحلية بأسعار مضاعفة، مع تقاسم الأرباح بين رجال أعمال ومسؤولين متنفذين. هذه التسريبات وجدت صدى واسعا على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث تحولت شاي دبش إلى رمز شعبي للفساد الممنهج، بل صارت نكتة دارجة بين الإيرانيين الذين اعتادوا السخرية السوداء كوسيلة لمواجهة خيباتهم.
على المستوى السياسي، أحدثت الفضيحة انقساما واضحا، التيار الإصلاحي استغلها لاتهام خصومه الأصوليين بالتغطية على الفاسدين، فيما ردّ التيار الأصولي باتهام الإصلاحيين بتسييس القضية. هذه التجاذبات أظهرت أن الفساد في إيران لا يُنظر إليه كمشكلة وطنية تحتاج إلى معالجة جذرية، بل كسلاح يُستخدم في الصراع على السلطة.
ما ميز شاي دبش عن الفضائح السابقة كان أمرين أساسيين، الأول: ضخامة الأرقام، إذ لم يسبق أن سجلت خسائر مالية بهذا الحجم في ملف تجاري بسيط كالسلع الغذائية، ما جعل القضية أقرب إلى صدمة وطنية، أما الثاني: التشعب المؤسسي، حيث لم تعد القضية محصورة برجل أعمال واحد أو مجموعة ضيقة من المتورطين، بل شملت شبكة معقدة ضمت شركات، بنوكا، ومسؤولين في مستويات مختلفة من الدولة.
كما أن رد الفعل الشعبي كان مختلفا، ففي حين تعامل الإيرانيون مع قضايا خداداد أو زنجاني بقدر من الاستسلام، فإن “شاي دبش” فجّرت موجة واسعة من الغضب والسخرية، واعتبرها كثيرون “دليلا قاطعا” على أن النظام لم يعد قادرا حتى على حفظ ماء وجهه في مواجهة قضايا الفساد.
الأهم أن هذه الفضيحة فتحت الباب واسعا أمام المقارنة مع القضايا السابقة، فإذا كان خداداد قد أعدم، وجزائري سُجن، وزنجاني ما بين السجن والتخفيف بعد التعاون، فإن السؤال الذي طرحه الشارع كان، هل سيجرؤ النظام على محاسبة المتورطين الكبار في شاي دبش؟ الإجابة حتى الآن تبدو سلبية، إذ جرى الاكتفاء بمحاسبة أسماء ثانوية، فيما بقيت الشبكة الأساسية محمية بالتوازنات السياسية.
هكذا تحولت شاي دبش إلى أكثر من مجرد فضيحة مالية، فقد صارت مرآة عاكسة لانهيار الثقة بين الدولة والمجتمع، ورسالة واضحة بأن الفساد لم يعد مجرد استثناء، بل هو القاعدة التي يعمل بها النظام الاقتصادي–السياسي في إيران.
أنماط الفساد في الجمهورية الإسلامية
عند تتبّع مسار الفساد في إيران من الثمانينيات وحتى فضيحة شاي دبش يبرز بوضوحٍ أن القضايا لم تكن حوادث معزولة أو أخطاء فردية، بل تكشف عن أنماط ثابتة ومتكررة، هذه الأنماط تعكس طبيعة النظام السياسي الاقتصادي في الجمهورية الإسلامية، حيث يختلط المال بالسياسة، وتتحول أجهزة الدولة إلى أدوات لحماية المصالح الخاصة بدلا من مراقبتها.
١- استغلال النفوذ السياسي
القاسم المشترك بين جميع الفضائح الكبرى هو وجود أشخاص تربطهم علاقات وثيقة بمراكز السلطة، ففاضل خداداد لم يكن ليستطيع التلاعب بالبنوك دون علاقته بمسؤولين مصرفيين، وشهرام جزائري لم يصنع نفوذه إلا عبر شبكة من النواب والوزراء الذين استفادوا من رشاه، وبابك زنجاني لم يكن ليصبح “بنكا موازيا للدولة من دون غطاء من مؤسسات أمنية مثل الحرس الثوري، أما في شاي دبش، فقد ظهر بوضوح أن المتورطين تحصّنوا خلف حماية تيارات سياسية نافذة. الفساد إذن لم يكن مجرد جشع فردي، بل نتيجة مباشرة لاستغلال النفوذ كأداة لتحقيق الثروة.
٢- تورّط مؤسسات حكومية وأمنية
عكس ما قد يبدو من الخارج، فإن كثيرا من هذه القضايا لم تكن تتم في الظل، بل عبر مؤسسات رسمية. البنوك، الوزارات، وحتى الشركات التابعة للحرس الثوري لعبت دورا مباشرا أو غير مباشر في تسهيل الفساد. في حالة زنجاني مثلا، كان من المستحيل تمرير مليارات الدولارات من صفقات النفط بعيدا عن أعين الأجهزة الأمنية من دون تنسيق معها. هذا التشابك جعل من مكافحة الفساد عملية شبه مستحيلة، إذ إن المؤسسات المفترض بها أن تكون رقيبا تحولت إلى شريك في الجريمة.
٣- التضحية الرمزية
من أبرز الأنماط التي تتكرر باستمرار هو البحث عن كبش فداء. ففي كل فضيحة، يقدم شخص أو اثنان باعتبارهما المسؤولين الرئيسيين، بينما تبقى الشبكة الأكبر في مأمن. إعدام فاضل خداداد كان رسالة سياسية أكثر مما هو إجراء عدلي، ومحاكمة شهرام جزائري لم تُسفر عن محاسبة أي من النواب الذين تلقوا رشاواه، وزنجاني ما زال يراوح مكانه بين حكم الإعدام والسجن الطويل من دون كشف شركائه الحقيقيين. أما في شاي دبش، فقد اكتفى القضاء بمحاكمة أسماء ثانوية، تاركا المتورطين الكبار خلف الستار. هذا النمط عزّز قناعة الإيرانيين بأن النظام يستخدم المحاكمات كأداة سياسية لامتصاص الغضب الشعبي، لا كآلية حقيقية للإصلاح.
٤- غياب الإصلاح البنيوي
رغم كثرة الشعارات والخطب الرسمية عن مكافحة الفساد، لم يشهد النظام الإيراني أي إصلاح جذري في آليات الرقابة المالية أو استقلال القضاء. على العكس، غالبا ما يتم تعديل القوانين أو منح استثناءات تسمح بتمرير صفقات مشبوهة تحت غطاء “المصلحة الوطنية” أو “الظروف الاستثنائية”. العقوبات الدولية لعبت دورا في تكريس هذا النمط، إذ وفّرت ذريعة مثالية لغياب الشفافية بحجة مواجهة الضغوط الخارجية. وهكذا تحولت بنية الدولة نفسها إلى بيئة حاضنة للفساد.
٥- الفساد كجزء من الاقتصاد السياسي
مع مرور الوقت، أصبح الفساد ليس مجرد انحراف، بل عنصرا أساسيا في عمل الاقتصاد الإيراني، كثير من الأنشطة الاقتصادية- خصوصا في قطاعات النفط والغاز والسلع الاستراتيجية- لا تتم إلا عبر شبكات غير رسمية يديرها رجال أعمال مرتبطون بالسلطة. هذه الشبكات ليست مجرد وسطاء، بل صارت جزءا من آلية بقاء النظام، إذ تؤمّن له السيولة المالية في أوقات الأزمات، مقابل منحها حماية سياسية وقانونية.
٦- التوازنات بين التيارات
أخيرا، لا يمكن تجاهل أن ملف الفساد صار أداة في الصراع السياسي بين التيارات الإصلاحية والأصولية. كل تيار يستخدم فضائح الفساد كسلاح لتشويه صورة خصومه، من دون أن يجرؤ أي منهما على طرح إصلاحات جذرية قد تطال حلفاءه. النتيجة هي دائرة مغلقة: تُكشف فضيحة، يُضحّى ببعض الأسماء، ثم يُطوى الملف لصالح الاستقرار السياسي، حتى تتفجر فضيحة جديدة.
باختصار، يمكن القول إن الفساد في إيران لم يعد استثناء أو ظاهرة طارئة، بل تحوّل إلى نظام موازٍ يدير جزءا كبيرا من الاقتصاد والسياسة. ومن هنا، فإن أي حديث عن مكافحته يبقى بلا جدوى ما لم يتم تفكيك البنية التي جعلت منه شرطا لاستمرار الحكم.
إرث الفساد ومستقبل غامض
عند النظر إلى مسار الفساد في إيران خلال العقود الأربعة الماضية، يتضح أن ما يجري اليوم ليس حالة استثنائية، بل استمرار لبنية مترسخة منذ قيام الجمهورية الإسلامية، من فضيحة شاي دبش الأخيرة وصولا إلى ملفات كبرى في النفط والمصارف والعقارات، تظل الآليات نفسها قائمة، غياب الشفافية، ضعف المحاسبة، وتداخل النفوذ السياسي بالاقتصادي. السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا لم تتغير هذه البنية رغم تجارب متكررة من الانهيارات الاقتصادية والفضائح القضائية؟
الأضرار الاقتصادية لهذه البنية تتجلى بوضوح، الريال الإيراني واصل تآكله أمام العملات الأجنبية، ورؤوس الأموال المحلية تفضل الهروب إلى الخارج بدل الاستثمار في الداخل، فيما انعدمت ثقة المواطنين بقدرة الدولة على إدارة مواردها بعدالة، والنتيجة أن المواطن الإيراني يتحمل عبء التضخم، وارتفاع الأسعار، وتراجع الخدمات العامة، بينما يزداد شعور الغضب والإحباط من جدوى النظام الاقتصادي والسياسي القائم.
لكن الفساد في إيران ليس مجرد مشكلة اقتصادية، بل أداة سياسية بامتياز، فكل تيار يستخدم ملفات الفساد كسلاح ضد الآخر، فالأصوليون يلوحون به لمهاجمة الإصلاحيين والعكس صحيح، دون أن يؤدي ذلك إلى إصلاح جذري، بل إلى إعادة تدوير الاتهامات وتوجيهها بما يخدم موازين القوى. هذه الديناميكية السياسية تفسر لماذا تبقى كل فضيحة مفتوحة على احتمالات المحاسبة الانتقائية أكثر من كونها مسارا لإصلاح شامل.
من هنا يظل السؤال مفتوحا: هل ستكون فضيحة “شاي دبش” نقطة تحوُّل تكسر هذه الحلقة المفرغة، أم مجرد فصل جديد في مسلسل ممتد منذ أربعة عقود؟ الجواب لا يزال رهنا بمدى استعداد الدولة لإعادة تعريف علاقتها بالشفافية والرقابة الشعبية، وهو أمر لا يلوح في الأفق القريب.

