- زاد إيران - المحرر
- 563 Views
كتب: سيد نيما موسوي
منذ 28 أغسطس/آب 2025، دخلت آلية “سناب باك” حيّز التنفيذ بموجب القرار 2231 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، وتنص هذه الآلية على إعادة تفعيل العقوبات الواردة في ستة قرارات أممية صدرت بين عامي 2006 و2009 ضد البرنامج النووي الإيراني، والتي كانت قد جُمّدت مع توقيع الاتفاق النووي عام 2015.
آلية “سناب باك” جزء من بنية الاتفاق النووي (برجام) والقرار 2231، وتمنح الدول الست المشاركة في الاتفاق (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا) حق إعادة فرض العقوبات إذا رأت أن إيران لم تلتزم بتعهداتها.
الميزة الأخطر في هذه الآلية أنها مضادة للفيتو؛ فحتى لو دعمت روسيا أو الصين إيران، فإنهما لا تستطيعان منع تفعيل العقوبات إذا اتهمتها الدول الغربية بخرق الاتفاق. وهكذا تصبح إيران أمام التزام أحادي: فإذا أخفقت الأطراف الغربية في الوفاء بتعهداتها، فلن تملك طهران سوى رفع شكواها إلى مجلس يخضع لنفوذ تلك القوى نفسها، بينما يؤدي أي إخلال من جانبها إلى عودة جميع العقوبات بشكل تلقائي.
بعبارة أخرى، عدم التزام الولايات المتحدة أو الأوروبيين بالاتفاق لا يقابله أي آلية فاعلة لصالح إيران، في حين يتيح “سناب باك” للطرف الغربي فرض إرادته عليها دون عوائق. وبهذا تتحول هذه الآلية إلى أداة تُفرغ حتى المكاسب المحدودة للاتفاق النووي من مضمونها بالنسبة لطهران.

في صيف عام 2020 حاولت الولايات المتحدة دون جدوى تفعيل آلية “سناب باك” لإعادة العقوبات على إيران. ففي ذلك الوقت، وبسبب الخلافات الحادة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكلّ من أنجيلا ميركل وإيمانويل ماكرون، حول الرسوم الجمركية على الفولاذ الأوروبي وميزانية الناتو، رفضت الدول الأوروبية مساندة مشروع القرار الأمريكي، خاصة وأن واشنطن كانت قد انسحبت من الاتفاق النووي عام 2018.
جاءت هذه المحاولة بعد أن سعت الإدارة الأمريكية إلى فرض اتفاق جديد على إيران عقب الانسحاب، وحين فشلت لجأت إلى أدوات مجلس الأمن القانونية، لكنها لم تحقق مبتغاها.
أما اليوم، وفي الذكرى العاشرة للاتفاق النووي، فإن الخلافات المتصاعدة بين إيران وأوروبا دفعت الدول الأوروبية الثلاث إلى المطالبة بإعادة العمل بالقرارات الأممية الستة السابقة. ويعود السبب الرئيس لهذا الموقف إلى سعي الأوروبيين لمنع الرئيس ترامب من اتخاذ مواقف متباينة حيال ملف أوكرانيا، إذ يريدون من خلال التشدد تجاه إيران إبقاءه ضمن جبهة دعم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.
من الناحية القانونية، تُعتبر آلية “سناب باك” بمثابة تجميع للقرارات السابقة لمجلس الأمن ضد إيران. وعلى خلاف ما يعتقده بعض المراقبين، فإن قرار مجلس الأمن 2231 (2015) لم يُخرج إيران من إطار المادة 41 من الفصل السابع، بل نصّ صراحة على استمرار إدراجها ضمن هذا البند، مع التأكيد أنها لم تُصنّف يوما تحت المادة 42 التي تجيز استخدام القوة العسكرية.
ورغم هذا كله، وبالنظر إلى أن العقوبات الأمريكية الأحادية خلال السنوات الماضية قد حدّت بشدة من مكاسب إيران من الاتفاق النووي، فإن تفعيل آلية “سناب باك” لن يغيّر من الواقع كثيرا. فمنذ عام 2019 تخضع صادرات النفط الإيراني للحظر، وبالتالي فإن حرمان طهران من مزايا الاتفاق النووي أمر قائم بالفعل. وعليه، فإن الأثر القانوني للآلية قائم، لكن أثرها العملي على الاقتصاد والسياسة الإيرانية يكاد يكون معدوما.
من ناحية أخرى، فإن آلية “سناب باك” بوصفها أداة قانونية موجَّهة ضد مصالح إيران، لن يكون لها أثر عملي كبير، بالنظر إلى تراجع مكانة القانون في العلاقات الدولية. ففي عالم عام 2025، حيث أثبتت النظم القانونية عجزها عن التعامل مع كثير من الأزمات الدولية، وحيث فقدت حتى المؤسسات الدولية الكبرى الكثير من نفوذها، باتت الساحة العالمية تُدار بمنطق القوة، والواقعية السياسية، والأناركية الدولية أكثر مما تُدار بالالتزامات القانونية.
وعليه، فإن المحدد الأهم في النظام العالمي اليوم هو توازن القوى؛ فاقتراب إيران أو ابتعادها عن خطر المواجهة العسكرية يتوقف على موقعها في معادلة القوى الدولية أكثر مما يتوقف على بنود القانون. وكذلك، قدرة إيران على بيع نفطها في السوق العالمية لا تُحسم بالالتزامات القانونية، بل بتوازن القوى وبالشقاق بين القوى العظمى. من هنا، لم يعد للقانون في 2025 سوى دور هامشي في التفاعلات الدولية. ومع ذلك، فإن تفعيل آلية “سناب باك” يمنح غطاء قانونيا لتشديد الضغوط على إيران، وقد يدفع أوروبا والولايات المتحدة و”إسرائيل” إلى تقارب أكبر في مواقفهم ضدها.

أما داخليا، فإن الأثر الأهم لتفعيل الآلية يتمثل في ضربة موجعة للمشروع السياسي للتيار الغربي داخل إيران. فجوهر ما أبقى شخصيات مثل محمد جواد ظريف وحسن روحاني في الواجهة كان رهانهم على إبعاد إيران عن العقوبات الدولية عبر التفاوض والدبلوماسية.
لكن مع حدثين متزامنين، هما “الحرب الإيرانية–الإسرائيلية الأخيرة” و”تفعيل آلية سناب باك”، تراجع الدور التقليدي للغربيين في السياسة الخارجية الإيرانية، وهو الدور الممتد منذ عام 2010 مع تولي علي أكبر صالحي وزارة الخارجية. وقد عكس ذلك مؤشرات عدة، منها تعيين علي باقري كنائب لعلي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وثناء المرشد الأعلى على زيارة مسعود بزشكيان إلى الصين، بما يؤكد توجّه السياسة الخارجية نحو الشرق.
تعاظم دور الصين والهند وروسيا في المعادلة الإيرانية لم يأتِ فقط استجابة لاختيارات حكومة بزشكيان، بل بوصفه ضرورة فرضها الواقع بعد الحرب الأخيرة وتفعيل “سناب باك”.
هذان الحدثان مثّلا هزيمة لمشروع دمج إيران في المنظومة الغربية، وهو المشروع الذي وضع أساسه منذ أكثر من عشرين عاما الباحث الاستراتيجي محمود سريع القلم، والذي جرت في إطاره مفاوضات الاتفاق النووي عام 2013. واليوم، يمكن القول إن تفعيل “سناب باك” شكّل انتكاسة عميقة لفرضيات السياسة الخارجية التي حاول ذلك الفريق فرضها على الدبلوماسية الإيرانية.
على المستوى الأوسع، أرى أن الضغط المتزامن الذي يمارسه ترامب على كلٍّ من الهند وإيران يُفهم باعتباره عاملا معززا لتماسك أعضاء تكتل “بريكس” ومنظمة “شنغهاي”، حيث يمكن للقوى الآسيوية الصاعدة أن تشكّل، من خلال شراكتها المتبادلة، نظاما عالميا جديدا. وفي المقابل، فإن ممارسة هذا الضغط على هذين البلدين من شأنه أن يقرّب المواقف بين أوروبا والولايات المتحدة أيضا.

ومن هنا، فإن تقارب الهند وإيران مع الصين يمهّد لرسم هندسة جديدة للقوة العالمية واصطفافات دولية مستجدة، بحيث تغدو أدوار منظمات كـ”شنغهاي” و”بريكس” أكثر تماسكا وحضورا.
ومن جانب آخر، فإن زيادة الدعم العسكري الأمريكي لأوكرانيا – ولا سيما صفقة بيع أسلحة بقيمة 825 مليون دولار في أواخر أغسطس/آب – تشير إلى أن موقف ترامب في الملف الأوكراني قد اقترب أكثر من الموقف الأوروبي. وهو ما يُعد مثالا حيا على الاصطفافات العالمية الجديدة التي برزت إثر الضغط المتزامن من أوروبا والولايات المتحدة على إيران والهند.

