- محمود شعبان
- 629 Views
ترجمة: سارة شعبان المزين
نشرت صحيفة “آرمان ملي” الإيرانية الإصلاحية، في عددها الصادر الاثنين 8 يوليو/تموز 2025، حوارا سياسيا موسّعا مع الدكتور غلامعلي دهقان، الأكاديمي والناشط السياسي، تناولت فيه مستقبل حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، في أعقاب الحرب التي استمرت اثني عشر يوما، وما خلّفته من تحديات داخلية وخارجية.
وفي ما يلي نص الحوار:
كيف يمكن للرئيس مسعود بزشكيان أن يستفيد من أجواء ما بعد الحرب لتحقيق شعار “الوفاق الوطني”؟
ما أثبتته أيام مقاومة الشعب الإيراني في مواجهة الحرب المفروضة من جانب إسرائيل، هو أن وحدة الشعوب قادرة على خلق إنجازات عظيمة. واليوم بات واضحا أكثر من أي وقت مضى أن طرح موضوع “الوفاق الوطني” من قبل الرئيس المنتخب لم يكن طرحا عابرا، بل خطوة عقلانية وفي محلها.
مع ذلك، تبرز تساؤلات مهمة حول الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها هذا الوفاق، وكذلك حول العقبات التي قد تعترض سبيل تحقيقه.
وتُظهر القرائن والمؤشرات أن الوصول إلى وفاق وطني شامل يمكن أن يتم عبر تبني نهج ثلاثي الأبعاد: “نحن إيرانيون، مسلمون، و متقدمون”.
ولبناء هوية وطنية جامعة تشمل جميع أبناء الشعب الإيراني، ينبغي اليوم أكثر من أي وقت مضى التمسك بفكرة “إيران القوية والثابتة”، باعتبارها نقطة التقاء يمكن أن توحّد كل الإيرانيين على اختلاف أعراقهم ومذاهبهم؛ من كرد ولر وآذريين وعرب وتركمان وبلوش وفرس وغيرهم.
كما أن هذا التمسك بإيران يشمل أيضا الأقليات الدينية، إذ أن المسيحيين والأرمن والآشوريين و الزرادشتيين عاشوا، على مدار قرون، في ظل هذا المفهوم، وتمتعوا بمكانة محترمة، وعاشوا حياة سلمية إلى جانب سائر أبناء المجتمع.
ومن ثم فإن التمحور حول إيران يضم المجتمع الإيراني بأكمله، لكن الواقع يفرض الإقرار بأن الغالبية الكبرى من هذا المجتمع هي من المسلمين، سواء من الشيعة أو من أهل السنة.
ومن هنا، فإن تماسك المجتمع الإيراني واستقراره لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف بدور الدين. غير أن التحدي يكمن في تقديم قراءة دينية جديدة مستنيرة، من شأنها أن تدعم وحدة الإيرانيين وتُعزز وفاقهم، قراءة تركز على الجوانب الإيجابية بدلا من التشديد على المسائل السلبية.
ولحسن الحظ، فإن قادة الثورة، منذ أيامها الأولى، وعلى رأسهم الخميني، أكدوا على هذا التوجه من خلال إطلاق “أسبوع الوحدة”، الذي جسّد قراءة من الإسلام تركز على القواسم المشتركة بين الشيعة وأهل السنة.
ورغم أن هذا التوجه لم يبلغ أهدافه الكاملة بسبب حداثته، فإنه شكّل خطوة أساسية في هذا المسار.
ومن بين الإنجازات التي تحققت في عهد حكومة بزشكيان ضمن إطار خطاب الوفاق، تعيين محافظين من أهل السنة في المحافظات السنية، وهو ما يُعد خطوة مهمة نحو ترسيخ الوفاق. كما أن تعيين نائب لرئيس الجمهورية من أهل السنة – وهو أمر غير مسبوق – تحقق للمرة الأولى في هذه الحكومة.
وإضافة إلى عنصري “الإيرانية” و”الإسلامية”، فإنَّ تبنّي نهج تنموي، والحرص على التقدم والتطور من قِبل المسؤولين، يمكن أن يسهم في استقرار البلاد، ويعزز من قرب الجماهير من مؤسسات الحكم.
ذلك أن الفرد، حتى وإن لم يتحرك بدافع الهوية أو الدين، يمكنه، على الأقل، أن يسهم في خدمة وطنه ضمن هذا الإطار التنموي الذي يعزز المصلحة العامة.
إلى أي مدى يُشكل ضعف العمل الجماعي والانقسام المجتمعي عائقا أمام تحقيق الوفاق الوطني؟
يبدو أن روح العمل الجماعي في المجتمع الإيراني ليست على المستوى المنشود؛ إذ كثيرا ما تطغى نزعة الاستبداد بالرأي على ثقافة الحوار وتبادل الآراء. ويفضّل الإيرانيون غالبا خوض المنافسات الفردية على العمل الجماعي، وهو ما يتجلى بوضوح في تفضيلهم للرياضات الفردية على الجماعية. وحتى في العمل الحزبي، فإن التباينات لا تلبث أن تتحول إلى انشقاقات سريعة، حتى بات عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية المسجلة في وزارة الداخلية يتجاوز المئة، في مشهد يعكس مدى التشتت السياسي. ولا يحتاج الأمر إلا إلى إلقاء نظرة على الواقع المحيط لتأكيد هذه الحقيقة.
ولذلك، فإن بناء هوية وطنية جامعة، يتطلب تركيزا أكبر على القواسم المشتركة وتعزيز ثقافة التسامح وقبول الآخر. ومن العوامل الأخرى التي أسهمت في إضعاف الوفاق الوطني في إيران، وجود فجوة تاريخية بين الدولة والمجتمع، حيث سادت على مدى العقود حالة من عدم الثقة المتبادلة، وكأن الحاكمين من عالم والشعب من عالم آخر. وقد حال هذا الانقسام دون تحقيق الانسجام الوطني المطلوب للتنمية والتقدّم، بل وعمّق من حالة الازدواجية في المجتمع.
وقد تراجعت هذه الازدواجية إلى حدّ ما إبان الثورة الإسلامية عام 1979، ووصلت العلاقة بين الدولة والمجتمع إلى ذروتها من التلاحم خلال سنوات الحرب التي فرضها نظام صدام حسين. لكن مع انتهاء الحرب، بدأت بعض شرائح المجتمع تأخذ مسافة من النظام، رغم أن قطاعا واسعا من المواطنين لا يزال يدعمه ويقف إلى جانبه.
وفي هذا السياق، تحاول حكومة بزشکیان منذ عامها الأول إيجاد مقاربة تُعيد اللحمة الوطنية وتقرّب بين الدولة وشرائح المجتمع المختلفة. ويُفهم موقفه من مشروع قانون الحجاب وانتقاده لبعض مواده ضمن هذا الإطار، إذ يبدو أنه يسعى إلى الحد من التباعد المجتمعي وتعزيز مناخ الوفاق. كما أن عودة الأساتذة والطلاب إلى الجامعات بعد أحداث خريف 2022 تأتي في السياق ذاته. أما الحضور غير المسبوق للنساء الإيرانيات في التشكيلة الحكومية، من المتحدثة باسم الحكومة إلى الوزيرات، فهو خطوة تُسهم في تقليص حالة الازدواج والانقسام، وتُعد مبادرة إيجابية تستحق الإشادة.
هل ساهم عدم تنفيذ لائحة الحجاب في تعزيز الوفاق الوطني؟
نعم، بالتأكيد. فإلى جانب الحكومة التي وجّهت انتقادات واسعة لتلك اللائحة، فإن المجلس الأعلى للأمن القومي أيضا طالب بعدم إصدارها، وهو ما أشار إليه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف صراحة.
تخيّلوا لو أن مرشّحا منافسا لمسعود بزشکیان هو من فاز بالرئاسة، وبدأت الحكومة، بالتنسيق مع البرلمان، تنفيذ القانون بصيغته الصارمة كما كان معدّا له. ما كانت ستكون العواقب؟ دون شك، كانت ستنعكس سلبا على المجتمع، إذ إن جوهر اللائحة كان قائما على العقوبة والمنع لا على الإقناع، وكانت تعتمد على تكرار الغرامات: غرامة في المرة الأولى، ثم غرامة ثانية وثالثة، وهكذا.
تطبيق هذا النهج كان من شأنه أن يُفجّر موجة استياء مجتمعي ويُخلّ بتوازن المجتمع، خاصة أن هناك عددا كبيرا من النساء لا يزال موضوع الحجاب بالنسبة إليهن غير محسوم، وهو ما تتحمّل مسؤوليته كافة مؤسسات الدولة. ثم إن مسألة الحجاب لا يمكن فرضها بالقوة، بل تتطلب حوارا واقتناعا.
لو طُبّق ذلك القانون، لما كنا اليوم نشهد حالة الانسجام والتضامن بين مختلف شرائح المجتمع الإيراني، من محجّبات وغير محجّبات وسائر الفئات.
في رأيي، إن ما أفشل مخططات نتنياهو وسائر أعداء البلاد لم يكن إلا هذه الروح الجماعية التي تشكّلت في وجه العدوان، وهي روح شاركت فيها النساء الإيرانيات بمختلف توجهاتهم دون استثناء. وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية منذ بدء العدوان، كان واضحا في الفضاء الافتراضي وجود إجماع واسع بين الإيرانيات – محجّبات وغير محجّبات – في إدانة الهجوم الإجرامي الإسرائيلي.
ولو أن الدولة كانت قد سبّبت لهن الأذى النفسي عبر فرض قانون الحجاب بالقوة، لما كنا اليوم شهودا على هذا الاصطفاف الوطني ضد المعتدي. ويمكن القول إن لطف الله، إلى جانب الاختيار الواعي الذي قام به الشعب بانتخاب بزشکیان، ساعد في تجسيد أعلى درجات الوفاق الوطني في مواجهة الهجوم الإسرائيلي.
أعتقد أن طرح قضية الوفاق الوطني، والإيمان الجاد بمتطلباتها، كان من أهم إنجازات حكومة بزشکیان. كما أن تنفيذ خطة “بطاقات الدعم” التي دخلت مرحلتها الثالثة حاليا، حظيت بترحيب شعبي واسع، وهي من المبادرات التي تعزّز من شعبية الحكومة.
بوجه عام، فإن انتخاب بزشکیان كان الخيار الأفضل في ظل الأوضاع الراهنة للبلاد. ويمكن اختصار الأمر بالقول: بزشکیان، من خلال فهمه العميق للواقع الإيراني، طرح شعار الوفاق الوطني، واتخذ قرارات عقلانية لتعزيزه، وكان أحد ثمار تلك القرارات ما شهدناه من تلاحم وطني في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
إلى أي مدى أثّرت التوترات الدولية على تنفيذ وعود حكومة بزشكیان؟
منذ اليوم الأول لتشكيلها، واجهت حكومة مسعود بزشکیان تحديات كبرى على الصعيد الدولي، وظل أداؤها السياسي والاقتصادي متأثرا إلى حدّ كبير بتقلبات الساحة العالمية، وصولا إلى الحرب التي زادت المشهد تعقيدا. ورغم هذه الظروف، اختارت الحكومة مسار الانفتاح والتفاعل الإيجابي مع العالم، باستثناء الاحتلال الإسرائيلي، واضعة أساس سياستها الخارجية على مبدأ التعاون البنّاء.
حتى بعد أن منح المرشد الأعلى علي خامنئي الإذن بالتفاوض مع الولايات المتحدة ضمن حدود الملف النووي فقط، بادرت الحكومة الرابعة عشرة إلى إطلاق جهود لحل هذا الملف الشائك، وهي مفاوضات حظيت بدعم واسع من مختلف مؤسسات النظام. ولا تزال كلمات الشهيد اللواء محمد باقري، القائد الشجاع، حاضرة في الذاكرة حين تحدث مؤيدا لهذا التوجه خلال إحدى خطاباته.
ورغم كل ما أبدته إيران من نوايا حسنة، فإن الولايات المتحدة رفضت الاعتراف بحق إيران القانوني في التخصيب النووي منخفض المستوى، بل وأكثر من ذلك، رفض حتى كبح جماح إسرائيل. عشية الجولة الأخيرة من المفاوضات، أقدمت إسرائيل على شنّ هجوم مباغت ضد إيران، لكن بفضل الله، وحكمة القيادة العليا، واستعداد الجيش والحرس الثوري، جاء الرد الإيراني سريعا وحاسما، وبعد أيام قليلة كانت تل أبيب تحت وابل الصواريخ الإيرانية.
بالمجمل، يمكن القول إن حكومة بزشکیان أدّت دورها في الساحة الدبلوماسية بكفاءة واقتدار، حيث كانت الدبلوماسية والميدان يسيران جنبا إلى جنب، في توازن مدروس بين العقل السياسي والحزم الميداني.
ما تقييمكم لمبادرة بيت الأحزاب الداعية إلى الإفراج عن السجناء السياسيين بعد الحرب، وما دور الرئيس بزشكیان في ذلك؟
برأيي، إن العدوان الإسرائيلي الأخير كشف عن الجوهر الحقيقي لبعض الشخصيات. فقد برز من بين من كانوا سابقا في السجون أو من المنتقدين المعروفين للنظام، من وقفوا علنا ضد الهجوم الإسرائيلي وأستنكره بوضوح، بل وشاركوا بنشاط في التصدي له إعلاميا وسياسيا، أمثال الدكتور عبد الكريم سروش، على افشاري، أكبر گنجي، فاطمه حقیقتجو، مصطفى تاج زاده، وغيرهم من الوجوه السياسية.
وفي المقابل، هناك من اختار الاصطفاف إلى جانب إسرائيل، مثل مهدي نصيري، مجتبی واحدي، مراد ویسی، و آخرين من المقيمين في الخارج.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو من المنطقي أن تقوم السلطة القضائية أو الهيئات المعنية باتخاذ قرارات متمايزة تجاه هاتين الفئتين: بالنسبة للفئة الأولى، ينبغي التعامل معها بشفقة وتقدير لموقفها الوطني، أما الفئة الثانية، فينبغي اتخاذ التدابير اللازمة والمناسبة بحقها، وفقا للمصلحة الوطنية.
وتبدو رسالة بيت الأحزاب قد صدرت من هذا المنطلق، داعية إلى التعامل الإنساني والمتوازن في هذا الظرف الدقيق.
الواقع أن الرئيس مسعود بزشکیان وضع الأساس الأول لبناء الوفاق الوطني، ثم جاء موقف الشعب الإيراني بعد العدوان الإسرائيلي ليُكمل هذا البناء. ومن الطبيعي، في مثل هذه الأجواء الموحّدة، أن تُمنح الفرصة لإعادة النظر في ملفات بعض المخطئين السابقين، والتعامل معهم بروح من التسامح والتفهّم، مع مراعاة جميع الجوانب والاعتبارات.

