- زاد إيران - المحرر
- 634 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
أجرت وكالة أنباء “إیلنا” الإيرانية، الخميس 24 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الخبير في الشؤون الأمريكية علي بيكدلي، تناول أسباب انسحاب الولايات المتحدة من منظمة اليونسكو، موضحا أن هذا القرار يعكس فكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، المعادي للمؤسسات الدولية، كما أشار إلى تأثير اللوبيات الإسرائيلية القوي على السياسة الخارجية الأمريكية وتراجع دور الأمم المتحدة في ظل هذه الضغوط.
انسحاب بلا نتائج حاسمة
صرّح علي بيكدلي بأن انسحاب الولايات المتحدة من بعض الهيئات التابعة للأمم المتحدة وتجاهلها المتكرر لدورها داخل المنظمات الدولية، يشكل ضربة كبيرة لمصداقية الأمم المتحدة ويقوض مكانتها على الساحة الدولية.
وأوضح أن قرار واشنطن الانسحاب من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، إضافة إلى رفضها تجديد تأشيرة أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة العاملين في إسرائيل، جاءا في أعقاب تحذيرات متكررة من الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من الهيئات الأممية بشأن تصاعد العنف الإسرائيلي في قطاع غزة هذا السلوك يعكس، عمق الخلافات القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين المؤسسات الدولية من جهة أخرى.
وأشار إلى أن هذه التوترات لم تبقَ محصورة في الأطر الرسمية والسياسية، بل اتسعت لتنعكس في الرأي العام، بدءا من الجامعات الأمريكية التي شهدت موجة احتجاجات وانتقادات لاذعة ضد الممارسات الإسرائيلية في غزة، وصولا إلى الجامعات والمؤسسات الأوروبية التي لحقت بها وقد أسهم هذا التصعيد في تأجيج الغضب الشعبي وتعقيد المشهد الدولي، لا سيما في ظل تزايد الانتقادات الموجهة ليس فقط لإسرائيل، بل للولايات المتحدة أيضا بوصفها حليفة رئيسية لها.
وأضاف بيكدلي أن “ما نشهده اليوم ليس معزولا عن التوجهات السياسية السابقة، مشيرا إلى أن هذه السياسات كانت قد برزت بشكل أوضح في حكومة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تبنى نهجا مماثلا تمثل في الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ ومن المحكمة الجنائية الدولية”.
وبيّن أن ترامب كان يسعى من خلال هذه الخطوات إلى تطبيق سياسة “تقليص دور الدولة”، والتي تضمنت تقليص حجم الإنفاق الحكومي، لا سيما في ما يتعلق بالمساهمات في المؤسسات الدولية، إضافة إلى خفض الضرائب على أصحاب رؤوس الأموال، بهدف تشجيع الاستثمار الداخلي وتحفيز النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل داخل الولايات المتحدة.
غير أنه لفت إلى أن هذه السياسات لم تحقق نتائج ملموسة على أرض الواقع، إذ استمرت الأزمات الاقتصادية في الولايات المتحدة، وامتدت آثارها إلى عدد من الدول الأوروبية، مما يثير تساؤلات جدية حول فعالية هذا النهج في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة، سواء داخليا أو على المستوى الدولي.

تهديد الجامعات بسبب التضامن مع غزة
أشار بيكدلي إلى أن الأمم المتحدة، بصفتها مؤسسة أممية معنية بالدفاع عن الشعوب، ملزمة قانونا وأخلاقيا بحماية سكان غزة وداعميهم، إلا أن المشكلة تكمن في أن قراراتها وبياناتها غالبا ما تُقابل بالإهمال، لا سيما من قبل إسرائيل، التي لا تعير اهتماما لقرارات مجلس الأمن الدولي.
وأشار إلى أن ترامب لا يكتفي بمعاداة المؤسسات الدولية، بل يسعى كذلك إلى تقليص دور الدولة وتخفيف أعبائها المالية، وهو نهج كان واضحا منذ ولايته الأولى ولفت إلى أن ما حدث عام 2017 يُعد تكرارا للسيناريو نفسه، عندما أعلن ترامب رسميا انسحاب بلاده من منظمة اليونسكو، وكذلك من اتفاقية باريس للمناخ.
وتابع أن ما يميز المشهد الحالي هو أن هذه الخطوات تأتي في سياق دعم لا محدود لإسرائيل، وهي سياسة متجذرة في السياسة الخارجية الأمريكية، إلا أن ترامب رفع من حدتها بشكل غير مسبوق.
وشدد على أن مثل هذه السياسات أضعفت من مصداقية الأمم المتحدة ومؤسساتها التابعة، خاصة أن المنظمة تأسست عام 1946 بعد الحرب العالمية الثانية، في وقت كانت فيه الشعوب تخشى من تكرار المآسي والكوارث السابقة وقد كان للولايات المتحدة حينها دور بارز في تأسيس ودعم هذه المنظمة.
وتابع أنه مع تغير النظام العالمي، بدءا من الحرب الباردة وحتى انهيار النظام الثنائي القطبية، تراجع نفوذ الأمم المتحدة بشكل ملحوظ، خاصة في ظل الأزمات وعدم الاستقرار العالمي الحالي، وهو ما فتح الباب أمام واشنطن للتنصل من دعمها التقليدي للمنظمة.
اللوبي الإسرائيلي يضغط على واشنطن
أوضح بيكدلي أن سياسات ترامب، سواء على الصعيد الداخلي أو في علاقته بالمؤسسات الدولية، خصوصا في ما يتعلق بإسرائيل، وصلت إلى مستويات غير مسبوقة من الدعم والتأييد، ورغم أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس جديدا، فإن محللين يعتبرون أن دعم ترامب لنتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي وحكومته المتطرفة تجاوز كل الحدود، خصوصا في ما يتعلق بكيفية التعامل مع المساعدات الإنسانية الموجهة لغزة، والتي غالبا ما تُقابَل بالحظر أو التقييد من قبل إسرائيل.
وتابع أن هذا يثير التساؤل: إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه السياسات؟ خاصة في ظل تنامي الاحتجاجات داخل إسرائيل نفسها ضد حكومة نتنياهو، واستقالة بعض الشخصيات السياسية البارزة ، مثل “لابيد” و”غانتس”، ومطالباتهم بإجراء انتخابات مبكرة.
وأشار إلى أن صعود ترامب إلى الحكم جاء أساسا بدعم قوي من اللوبيات الإسرائيلية، التي دفعت مبالغ ضخمة لتمكينه من الوصول إلى البيت الأبيض، لا سيما في ظل الخلافات الحادة بينه وبين الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن.
تكاليف الحرب تكشف مصادر التمويل
أكد بيكدلي أن الحرب الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران كلفت الاقتصاد الإسرائيلي ما يقارب مليار دولار يوميا، وهو ما يفوق قدرة إسرائيل على تحمّلها بمفردها، وأوضح أن هذه التكاليف الباهظة تسلط الضوء على الدور الكبير الذي تلعبه اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وعلى رأسها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، التي توفر دعما سياسيا وماليا كبيرا لإسرائيل، بمساندة شخصيات نافذة ومتبرعين من رجال الأعمال.
وأضاف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يرى في استمرار الحرب وسيلة لتعزيز بقائه السياسي، حيث تُضعف أجواء الحرب إمكانية تشكيل جبهة داخلية معارضة ضده، وتوفر له فرصة للهروب من قضايا الفساد والاتهامات التي تلاحقه هو وزوجته.
كما لفت إلى أن بعض المسؤولين القضائيين في إسرائيل أكدوا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يملك أي صلاحية للتدخل في الشأن القضائي الإسرائيلي، في إشارة إلى محاولاته التأثير على الملفات الداخلية دعما لنتنياهو.
شعبية ترامب في تراجع مستمر
وفي سياق متصل، أشار بيكدلي إلى أن ترامب هدد بخفض التمويل الموجه لبعض الجامعات الأميركية مثل “هارفارد”، بسبب تنظيمها مظاهرات مناهضة لإسرائيل واعتبر أن هذا الموقف يكشف أن دعم ترامب لإسرائيل لا يقتصر على السياسة الرسمية، بل يمتد إلى المؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني.
واختتم تصريحه بتأكيد أن هذه السياسات المتشددة كان لها أثر سلبي على شعبية ترامب، إذ أظهرت استطلاعات الرأي تراجع نسبة تأييده إلى 43%، ولم تتجاوز 48% في أفضل حالاتها وأضاف أن الرئيس فشل في تحقيق معظم وعوده الانتخابية، لكنه لا يزال يواصل النهج السياسي نفسه، تحت تأثير واضح من اللوبيات الإسرائيلية الفاعلة في الولايات المتحدة.

