من دعوة الإصلاح إلى شائعة الخروج… خاتمي بين خطاب التهدئة وعاصفة الشائعات

في أوقات التوتر السياسي وتزاحم الروايات المتضاربة، يصبح للكلمة وزن مضاعف، وللتصريح أبعاد تتجاوز حدوده المباشرة. فالمشهد العام لا يتشكل فقط عبر الوقائع، بل أيضا من خلال طريقة عرضها وتداولها وتفسيرها. وبين خطاب يدعو إلى التهدئة وأخبار تنتشر بسرعة في الفضاء الرقمي، تتداخل السياسة بالإعلام، ويتحول الرأي العام إلى ساحة مفتوحة للتأثير والتأويل. وفي ظل هذه البيئة المشحونة، يبرز سؤال جوهري حول طبيعة ما يجري هل نحن أمام سجال سياسي تقليدي، أم أمام معركة أوسع على الوعي والسرد وصناعة الانطباعات؟

تصريحات خاتمي الأخيرة… خطاب تهدئة في زمن التوتر وتكذيب لشائعات الخروج

ففي لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع التحديات الداخلية، عاد الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي إلى واجهة المشهد بتصريحات حملت نبرة تهدئة واضحة، ودعوة صريحة إلى العقلانية والحوار، فقد جاءت كلمته في 23 فبراير/ شباط 2026 خلال اجتماع مع مستشاريه وفي ظل أجواء مشحونة بالشائعات والقراءات المتضاربة حول مستقبل البلاد.

Image

فقد استهل خاتمي حديثه بالتأكيد على ضرورة الإدراك الشامل لحساسية الظروف الحالية ومستقبل إيران، مشددا على أن المرحلة تتطلب قراءة دقيقة للتطورات وعدم الانجرار وراء ردود فعل متسرعة، كما ربط بين استقرار الداخل الإيراني وقدرته على مواجهة التحديات الخارجية، معتبرا أن قوة أي دولة تنبع أولًا من تماسكها الداخلي ومن ثقة شعبها بمؤسساتها.

وفي سياق حديثه عن الأحداث الأخيرة، شدد الرئيس الأسبق على ضرورة ما أسماه على تبيين الوقائع بشكل واضح ومقنع، في إشارة إلى الاحتجاجات التي شهدتها بعض المدن والجامعات خلال إحياء مراسم الأربعين لضحايا الأحداث الأخيرة، وكذلك حوادث يناير/ كانون الثاني 2026 التي ما زالت تلقي بظلالها على النقاش العام، فصرح أن الشفافية في عرض الحقائق وتحديد المسؤوليات تمثل خطوة أساسية لاحتواء أي توتر ومنع اتساع فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

Image

وجدد خاتمي تعازيه للشعب الإيراني وأسر الضحايا، معبرا عن تضامنه مع المصابين ومتمنيا لهم الشفاء العاجل، ولم يكتف بالبعد الإنساني، بل انتقل إلى الجانب القانوني والسياسي، داعيا إلى الإفراج عن المعتقلين الذين “لا توجه إليهم تهم سوى التعبير عن الضيق والاحتجاج”، مؤكدا أن التعامل الحكيم مع مثل هذه الملفات يرسخ الاستقرار بدلا من أن يهدده.

كما دعا خاتمي إلى وقف الاستدعاءات والإجراءات التي قد تتخذ بحق مفكرين وفنانين ونشطاء سياسيين، معتبرا أن التنوع الفكري والنقاش العام عنصران طبيعيان في أي مجتمع حي، وفيما يتعلق بالجامعات، أعرب عن أمله في معالجة القضايا بالحوار والتدبير، بعيدا عن أي مقاربات أمنية قد تزيد الاحتقان بدلا من معالجته.

Image

على صعيد السياسة الخارجية، وصف خاتمي المفاوضات المرتقبة بين إيران والولايات المتحدة بأنها بالغة الأهمية في هذه المرحلة الحساسة، وأكد أن أي مسار تفاوضي ينبغي أن يراعي مصالح الشعب الإيراني ويهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية والتهديدات المتزايدة، بما يفتح الباب أمام الاستقرار الإقليمي، كما حذر في الوقت نفسه من مغبة الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، مشيرا إلى أن أي تصعيد قد يدفع المنطقة إلى أزمة شاملة تتجاوز حدودها، داعيا إلى تجنب الوقوع في فخاخ قد تنصبها أطراف لا ترغب في استقرار إيران أو في دورها الإقليمي، مؤكدا أن السلام والتقدم هما الخيار العقلاني في هذه المرحلة.

غير أن هذه التصريحات لم تمر في فراغ إعلامي هادئ، بل تزامنت مع موجة شائعات انتشرت بسرعة عبر قنوات على تطبيق تلجرام ومنصات أخرى، زعمت أن خاتمي غادر البلاد لتلقي العلاج، بل ذهبت بعض الروايات إلى القول إنه توجه إلى إنجلترا، وسرعان ما خرج مقربون منه لينفوا الخبر بشكل قاطع، مؤكدين أنه لا أساس له من الصحة.

Image

ووفق ما نقلته تقارير إعلامية، فإن الشائعة بدأت عبر قنوات مجهولة الهوية، قبل أن يعاد تدويرها على نطاق أوسع، ما أعطى الانطباع بوجود حملة منظمة، وجاء النفي سريعا، سواء عبر تصريحات مباشرة أو عبر نشر صور ومعلومات تؤكد وجود خاتمي داخل البلاد ومواصلة نشاطه السياسي.

هذا التزامن بين خطاب سياسي يدعو إلى التهدئة وموجة أخبار تتحدث عن خروج صاحبه من البلاد فتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة المشهد الإعلامي، وحول ما إذا كانت هذه الظواهر تعكس صراعا سياسيا داخليا تقليديا أم تدخل ضمن إطار أوسع من الحرب النفسية.

حرب تيارات أم دعاية حرب؟ الشائعات كسلاح نفسي في معركة السرد

لم تكن شائعة خروج خاتمي الحدث الوحيد في الأيام الأخيرة، إذ سبقتها أو تزامنت معها تقارير تحدثت عن تحركات داخلية تخص شخصيات سياسية بارزة، بينها الرئيس الأسبق حسن روحاني، في روايات تحدثت عن محاولات انقلاب أو إقامة جبرية أو إعادة توزيع للصلاحيات التنفيذية، وقد تناولت صحيفة سازندجي، في عددها الصادر الثلاثاء 24 فبراير/ شباط 2026 هذه الظاهرة بوصفها موجة استهدفت التيار الإصلاحي في لحظة حساسة.

Image

وبحسب ما جاء في تحليلها، فإن الشائعات لم تكن معزولة أو عفوية، بل اتسمت بسمات متكررة، من بينها استهداف شخصيات محددة، واستخدام عناوين مثيرة، وترويج معلومات غير موثقة عبر قنوات رقمية واسعة الانتشار، ورغم صدور تكذيبات متلاحقة، فإن حجم التداول خلق أثرا نفسيا تجاوز حدود التصحيح الرسمي.

في السياق ذاته، أشارت تقارير أخرى، بينها ما نشره خبر أونلاين، في اليوم نفسه، إلى أن بعض وسائل الإعلام الغربية تناولت المشهد الإيراني بروايات تتحدث عن صراعات داخلية وتهميش للرئاسة وازدواجية في مراكز القرار، ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك كان الإيحاء بوجود اضطراب عميق في بنية الحكم.

Image

ويرى مراقبون أن هذا النمط من التغطية يندرج ضمن ما يعرف بالحرب النفسية أو إدارة الإدراك، حيث لا يكون الهدف بالضرورة إقناع الجمهور بحقيقة محددة، بل خلق مناخ من الشك وعدم اليقين، فحين تتكرر أخبار عن خروج قيادات أو إقصاء شخصيات أو صراعات على السلطة، حتى وإن جرى نفيها، فإنها تترك أثرا في الوعي الجمعي.

وتشير التحليلات إلى أن هذا النوع من العمليات يستند إلى مبدأ بسيط في زمن الأزمات، حيث يكون المجتمع أكثر حساسية للأخبار غير المؤكدة، ومن هنا، تصبح الشائعة أداة فعالة لتوليد القلق وإضعاف الثقة بالمؤسسات. وفي مثل هذه البيئة، قد يصعب التمييز بين الخبر الموثوق والرواية المفبركة، خصوصا مع سرعة التداول عبر وسائل التواصل.

كما أن الحديث المتكرر عن انقسامات أو انهيار داخلي قد يخدم سردية أوسع تسعى إلى تصوير البلاد على أنها في حالة هشاشة دائمة، ووفق بعض القراءات، فإن تضخيم التباينات السياسية الطبيعية وتحويلها إلى صراع وجودي يندرج ضمن محاولة إعادة تعريف التهديد، بحيث يبدو الخطر داخليا قبل أن يكون خارجيا.

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ظل الحديث عن مفاوضات أو احتمالات تصعيد عسكري، حيث يمكن أن يستخدم مناخ الشك لإضعاف الموقف التفاوضي أو لرفع كلفة أي قرار مستقل، في حين يشعر الرأي العام بأن الاستقرار مهدد من الداخل، قد يصبح أكثر قابلية لتقبل ضغوط خارجية تحت شعار الحل العاجل.

وفي هذا الإطار، فلا يمكن فصل شائعة خروج خاتمي عن السياق الأوسع الذي شمل أخبارا عن إغلاق مدارس، أو تحذيرات مزعومة لسفارات، أو أصوات انفجارات جرى تفسيرها على أنها تطورات عسكرية، قبل أن يتبين أن معظمها لا أساس له من الصحة، فيذكر موقع مشرق خلال تحليله لتلك النوعية من الأخبار أن تكرار هذا النمط يوحي بوجود بيئة إعلامية مشبعة بالتوتر، حيث تصبح الأخبار المثيرة أكثر قابلية للانتشار.

Image

ويشير بعض المحللين إلى أن استهداف شخصيات معتدلة أو إصلاحية تحديدا قد يحمل دلالة إضافية، إذ إن هذه الشخصيات غالبًا ما تقدم بوصفها جسورا محتملة للحوار الداخلي أو الخارجي. وبالتالي، فإن التشكيك في موقعها أو الإيحاء بخروجها من المشهد قد يسهم في إضعاف أي سردية تقوم على الاستقرار عبر الإصلاح.

على أن هذا الوضع لا يعني ذلك غياب التنافس السياسي الطبيعي بين التيارات المختلفة، فالمجتمعات السياسية بطبيعتها تشهد اختلافات في الرؤى والمقاربات، غير أن الفارق يكمن، من خلال التقارير المذكورة، في الطريقة التي تعرض بها هذه الاختلافات إعلاميا، وفيما إذا كانت تقدم بوصفها تنوعا مشروعا أم بوصفها صراعا مدمرا.

إن قراءة ما جرى في الأيام الماضية تكشف أن المعركة لم تعد تدور فقط في ميدان السياسة التقليدي، بل أيضا في فضاء المعلومات، فالكلمة والصورة والعنوان أصبحت أدوات تأثير لا تقل أهمية عن أي قرار سياسي. وفي هذا السياق، تتحول مسؤولية التحقق والتدقيق إلى جزء من الأمن المجتمعي، بقدر ما هي مسألة مهنية.

وهكذا، فإن تصريحات خاتمي، بما حملته من دعوة إلى الشفافية والتهدئة، تكتسب بعدا إضافيا في ظل هذا المشهد، فهي لا تقرا فقط كخطاب سياسي، بل أيضًا كمحاولة لإعادة توجيه البوصلة نحو الاستقرار الداخلي في مواجهة عواصف الأخبار المتلاحقة. وبين واقع سياسي معقد وفضاء إعلامي سريع الاشتعال، تبقى الحقيقة، بكل وجوهها، التحدي الأكبر في زمن الشائعات.

كلمات مفتاحية: