- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 382 Views
تعود الدبلوماسية النووية إلى واجهة المشهد الدولي في لحظة تتقاطع فيها حسابات السياسة مع رهانات الأمن، ويختلط فيها خطاب التهدئة برسائل الردع. ففي ظل بيئة إقليمية مشحونة وتصاعد في الحراك العسكري، تتحرك العواصم المعنية على خط موازٍ لإبقاء باب التفاهم مفتوحا، ولو بقدر محدود. الجولة الجديدة المنتظرة لا تقرأ بوصفها محطة تفاوضية عادية، بل باعتبارها اختبارا لإرادة الأطراف في إدارة الخلاف بدلاً من تأجيجه. وبين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج، يقف المسار الدبلوماسي أمام مفترق طرق قد يرسم ملامح المرحلة المقبلة.
عراقجي في جنيف… امتداد مسار مسقط تحت رعاية عمانية
فتتجه الأنظار مجددا إلى جنيف مع سفر عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، إليها على رأس وفد دبلوماسي وتقني، مساء الأحد 15 فبراير/ شباط 2026، للمشاركة في الجولة الثانية من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، الجولة التي تأتي تمثل استكمالا لمسار انطلق قبل أسابيع في مسقط، حين استضافت سلطنة عمان الجولة الأولى من الحوار، في خطوة أعادت فتح قناة التواصل بين الطرفين بعد فترة من التوترات السياسية والعسكرية.

هذا وكان المتحدث باسم الخارجية السويسرية، بيير غوبيه، قد أعلن قبلها أن بلاده ترحب باستضافة جنيف للجولة المقبلة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة برعاية سلطنة عمان، مؤكدا استعداد بلاده لتسهيل الحوار في أي وقت، موضحا أن المفاوضات ستكون حول الملف النووي الإيراني.
هذا وقد رأى خبراء، أن الإعلان السويسري عن استضافة المفاوضات، مع تأكيد استمرار الوساطة العمانية، عكس توافقا ضمنيا على الحفاظ على صيغة التفاوض غير المباشر، وهي الصيغة التي أثبتت نجاحها في إدارة الملفات الحساسة بعيدا عن ضغوط المواجهة الإعلامية المباشرة على حد قولهم، فسويسرا وفرت المكان، لكن مسقط ظلت الجسر الذي تعبر من خلاله الرسائل والمقترحات.

جديرا بالذكر أن الجولة الأولى في مسقط، والتي عقدت في 6 نوفمبر/ شباط 2026، كان قد وصفت من قبل عراقجي بأنها بداية جيدة، لكنها لم تتجاوز إطار استكشاف النوايا وبحث الخطوط العامة، فيما لم تطرح تفاصيل تقنية دقيقة للرأي العام، غير أن المؤشرات أوحت بوجود استعداد متبادل لاختبار إمكانية البناء على أرضية مشتركة تتعلق بالبرنامج النووي ورفع العقوبات.
ومن الناحية العملية، فتعكس هذه الجولة الثانية انتقال المفاوضات من مرحلة اختبار الجدية إلى مرحلة اختبار التفاصيل، فمجرد عقد جولة ثانية يعني أن الطرفين وجدا في الجولة الأولى ما يكفي لمواصلة المسار، حتى وإن ظلت الفجوات واسعة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الدبلوماسية، رغم كل الضغوط، ما زالت قائمة.
من مسقط إلى جنيف… دلالات التغيير وأبعاده
حول تغيير مكان المفاوضات من مسقط إلى جنيف، فيرى محللون أنه ليس مجرد تحول جغرافي، بل خطوة تحمل أبعادا سياسية ورمزية، فجنيف تعد إحدى عواصم الدبلوماسية العالمية، وتستضيف المقر الأوروبي للأمم المتحدة، ما يجعلها منصة طبيعية لأي حوار متعدد الأبعاد.
أحد التفسيرات الممكنة يتمثل في رغبة واشنطن في إدراج الجولة الجديدة ضمن سياق أوسع من التحركات الدولية، خصوصا في ظل تزامنها مع اجتماعات تتعلق بملفات أخرى، مثل الحرب في أوكرانيا، كما ـن وجود شخصيات أمريكية فاعلة في جنيف قد يكون عاملا عمليا في اختيار الموقع.

من زاوية أخرى، قد يقرا الانتقال إلى أوروبا، حسب خبراء، كإشارة إلى دخول المفاوضات مرحلة أكثر رسمية، بعد أن أدت مسقط دور المنصة الهادئة في الجولة الأولى، فجنيف تمنح المفاوضات بعدا دوليا أوسع، وتعيد إلى الأذهان تجارب تفاوضية سابقة شهدت اتفاقات مرحلية مهمة.
مع ذلك، فإن استمرار الوساطة العمانية يعني أن تغيير المكان لا يعكس تحولا في بنية التفاوض، فمسقط ما زالت تنقل الرسائل بين الوفدين، وتحافظ على الطابع غير المباشر للحوار. وبالتالي، فإن التغيير يعكس توازنا بين الحاجة إلى بيئة دبلوماسية أوسع والحفاظ على قناة الوساطة المجربة.

ثمة قراءة أخرى ترى في الانتقال إلى جنيف محاولة لفصل المسار التفاوضي عن البيئة الإقليمية المباشرة، خاصة في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حيث تقدم أوروبا كمساحة محايدة نسبيا، يمكن من خلالها إدارة التوتر بعيداً عن حساسيات الجغرافيا الإقليمية.
البيئة الإقليمية والدولية… مفاوضات تحت ظل الردع
تنعقد الجولة الجديدة في سياق إقليمي شديد التعقيد، فقد عززت الولايات المتحدة وجودها العسكري في غرب آسيا، وأرسلت حاملة طائرات إضافية إلى المنطقة، في خطوة فسرتها طهران كرسالة ردع موازية للمسار الدبلوماسي. هذا التزامن بين التفاوض والتصعيد يعكس استراتيجية تقوم على الجمع بين الضغط والحوار.
من جانبه، أكد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب في تصريحات متكررة أن هدف المفاوضات هو منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنه في الوقت ذاته تحدث عن عواقب ثقيلة في حال فشل الدبلوماسية. هذا الخطاب المزدوج يعكس ما يمكن تسميته دبلوماسية الإكراه، على حد وصف المحللين الإيرانيين، حيث يستخدم الضغط العسكري لتحسين شروط التفاوض.

على الصعيد الدولي، تتقاطع هذه الجولة مع تحولات أوسع في النظام الدولي، من الحرب في أوكرانيا إلى التوترات في الشرق الأوسط، بعض التحليلات ترى أن واشنطن تسعى إلى ضبط جبهات متعددة، وأن التوصل إلى تفاهم مع طهران قد يخفف عبئا استراتيجيا عنها.
أما أوروبا، فاستضافة جنيف للمفاوضات تعيدها إلى المشهد، ولو بصورة غير مباشرة، فالقارة التي لعبت دورا محوريا في المفاوضات السابقة تجد نفسها اليوم أمام فرصة لاستعادة جزء من حضورها، وإن كان الدور الأساسي يبقى في يد الوساطة العمانية، غير أن تلك الصورة غير متماشية مع المشهد الحالي، خصوصا مع عدم دعوة إيران لمؤتمر ميونخ للأمن.

إقليميا، يظل العامل الإسرائيلي حاضرا بقوة، فتل أبيب تبدي تحفظا واضحا على أي اتفاق لا يلبي شروطها الأمنية، وتكثف اتصالاتها بواشنطن. هذا الضغط يمكن أن يحد من هامش المناورة الأمريكي، ويجعل الإدارة مضطرة إلى التوفيق بين رغبتها في إنجاز دبلوماسي ومخاوف حليفها.
الداخل الإيراني والأمريكي… حسابات السياسة والشرعية
في طهران، تؤكد التصريحات الرسمية أن المفاوضات تركز حصرا على الملف النووي ورفع العقوبات.، حيث أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي، علي لاريجاني، إلى أن نجاح الجولة الحالية قد يفتح الباب لتوسيع الحوار، لكنه شدد على عدم رفع سقف التوقعات.

عراقجي بدوره أكد أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف، مع التحذير من أن إدخال قضايا أخرى، مثل الصواريخ أو الملفات الإقليمية، قد يعقد المسار. هذا الموقف يعكس حرصا على حصر التفاوض في إطار يمكن الدفاع عنه داخلياً.
اما في واشنطن، فقد صرح ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي وخلال مشاركته في مؤتمر ميونخ للأمن، بأن الخيار المفضل لترامب هو التوصل إلى اتفاق، لكنه وصف الطريق بأنه صعب للغاية، هذا التوصيف يعكس إدراكاً للتحديات السياسية الداخلية، سواء داخل الحزب الجمهوري أو في أوساط الرأي العام.

ومن هنا تتضح المعادلة التي سيجلس أطرافها على طاولة عمان في جنيف، ففي كلا البلدين تتداخل الحسابات الاستراتيجية مع الاعتبارات الداخلية، فيما يتطلب نجاح الجولة صياغة مخرج يحفظ ماء الوجه للطرفين، ويقدم مكاسب يمكن تسويقها داخليا من دون إثارة انقسامات حادة.
السيناريوهات المحتملة… بين اختراق تدريجي ومأزق جديد
تفيد التحليلات الإيرانية والدولية على حد سواء أن المستقبل القريب للمفاوضات يتوقف على قدرة الجولة الثانية على تحقيق تقدم ملموس. أحد السيناريوهات يتمثل في اتفاق مرحلي يجمد بعض الأنشطة النووية مقابل تخفيف محدود للعقوبات، بما يمنح الطرفين وقتاً إضافياً لبناء الثقة.

سيناريو آخر يتمثل في التوصل إلى إطار أوسع يعيد إحياء تفاهمات سابقة بصيغة معدلة، مع ترتيبات أكثر صرامة في آليات الرقابة والجداول الزمنية. غير أن هذا الخيار يتطلب تنازلات متبادلة قد تكون مكلفة سياسيا.
السيناريو الثالث هو تعثر المفاوضات، ما قد يدفع نحو مزيد من التصعيد، خصوصا أن تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يظهر أن خيار الردع ما زال حاضرا بقوة، وأن واشنطن تسعى إلى الحفاظ على أوراق ضغطها.
مع ذلك، فإن استمرار الوساطة العمانية وتبادل الرسائل المكتوبة يشيران إلى أن الدبلوماسية لم تستنفد بعد، فدخول المفاوضات مرحلة تبادل النصوص يعني أن النقاش انتقل من المبادئ العامة إلى التفاصيل التنفيذية، حيث تكمن فرص النجاح ومخاطر الفشل.

في نهاية المطاف، تمثل جنيف اختبارا لقدرة الطرفين على تجاوز ثنائية الاتفاق أو المواجهة، فإذا غلب منطق إدارة النزاع على منطق القوة، فقد تفتح نافذة لتخفيف التوتر. أما إذا طغى التصعيد، فإن الجولة قد تتحول إلى محطة عابرة في مسار أكثر تعقيدا، وبين هذين الاحتمالين، تبقى الدبلوماسية رهنا بإرادة سياسية قادرة على تحويل التوازن الهش بين الردع والتفاوض إلى تسوية قابلة للحياة. وجنيف، بكل رمزيتها، ليست سوى المسرح الذي سيكشف أي من هذين المنطلقين سيحظى بالكلمة الأخيرة.

