- زاد إيران - المحرر
- 437 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشر موقع سياق الإخباري الإيراني، مساء السبت 27 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا تناول دلالات خطاب الوداع الذي ألقاه ريتشارد مور، السفير البريطاني الأسبق في أنقرة بين عامي 2014 و2017، في إسطنبول، باعتباره عملية استعراضية تكشف عمق النفوذ الاستخباراتي البريطاني في تركيا. كما أوضح كيف وجّه مور رسائل متزامنة للغرب وروسيا وإيران والصين، فيما عكس صمت أنقرة ضعفها البنيوي واعتمادها كأداة في مشاريع الآخرين.
ذكر الموقع أنّ خطاب الوداع الذي ألقاه ريتشارد مور، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6، في مدينة إسطنبول، لا يمكن اعتباره مجرد حدث رمزي أو عاطفي، بل يجب النظر إليه باعتباره تتويجا لمسار ممتد على مدى عقود في العلاقات بين لندن وأنقرة “تركيا” ، وفي الوقت نفسه دلالة واضحة على المكانة التي تحظى بها تركيا داخل المعادلات الاستخباراتية والجيوسياسية للغرب.
وأوضح أن مور، من خلال اختياره إسطنبول لإلقاء كلمته الأخيرة، أغلق دائرة بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي عندما شرع في تعلم اللغة التركية، وانتهت بدور محوري في تحولات حساسة شهدتها تركيا والمنطقة، وكان هذا الاختيار بمثابة رسالة مفادها أن تركيا ليست مجرد حليف إقليمي، بل منصة انطلاق رئيسية لسياسات بريطانيا وعملياتها في الشرق الأوسط وما بعده.
تابع الموقع أنّ القراءة المتأنية لهذا الخطاب تكشف عن عدة مستويات متداخلة، أول هذه المستويات تمثل في إصرار مور على استحضار ذاكرة شخصية ومسار طويل من ارتباطه بتركيا؛ بدءا من إقامته في أسرة تركية لتعلم اللغة، مرورا بعمله في القسم الإعلامي للسفارة البريطانية، ثم توليه منصب السفير في أنقرة، وصولا إلى رئاسته لجهاز الاستخبارات الخارجية.
ورأى أن هذا المسار الحياتي لم يكن مجرد سرد شخصي، بل يعكس منهجية الأجهزة البريطانية في بناء نفوذ عميق وطويل المدى داخل المجتمعات المحورية، وأضاف أنّ مور لم يكن مجرد دبلوماسي تقليدي، بل جزءا من خطة بعيدة المدى تهدف إلى جعل تركيا إحدى العقد الثابتة في شبكة الاستخبارات البريطانية.
وهو ما يفسر اختياره إسطنبول كمكان لإلقاء خطاب الوداع، إذ أدرك أن مسيرته المهنية لا يمكن فهمها بعيدا عن تركيا، وأن هذا البلد يمثل جوهر إرثه المهني.
وأردف الموقع أنّ المستوى الثاني في خطاب مور تمثل في الرسائل المباشرة الموجهة إلى روسيا وإيران والصين، فقد اختار أن يكشف عن برنامج إلكتروني جديد تحت اسم Silent Courier من قلب إسطنبول، وعلى بُعد دقائق قليلة من مقر السفارة الروسية، في خطوة تحمل رمزية شديدة.
هذا الإعلان أوضح أن بريطانيا لا تكتفي بساحات العمل التقليدية، بل تمد نشاطها إلى الفضاء السيبراني وعالم الإنترنت المظلم لاستقطاب العملاء وتنفيذ العمليات، وأشار الموقع إلى أنّ اختيار إسطنبول لهذا الإعلان كان من جهة استعراضا للقوة، ومن جهة أخرى اختبارا لتركيا نفسها.
فإذا كانت الأجهزة التركية على علم بالخطوة وسمحت بها، فهذا يعني أنّ لندن نجحت في تقليص استقلالية القرار الاستخباراتي التركي، أما إذا جرت العملية دون علمها، فإن ذلك يكشف ضعفا كبيرا في قدرات تركيا الأمنية.
وتابع أنه في كلا الحالين، فإن الرسالة واضحة: أنقرة تبدو وكأنها فاقدة السيطرة على ما يجري فوق أراضيها، وهذا ما دفع بعض المحللين الأتراك، إلى القول إن بلادهم تُعامل كما لو كانت “قبيلة” وليست دولة حديثة ذات سيادة كاملة.
وأكد الموقع أنّ المستوى الثالث لخطاب مور كان استدعاء تجربة أوكرانيا وتسليط الضوء على دور بريطانيا في دعم الهوية الوطنية الأوكرانية في مواجهة روسيا وتابع أنّ لهذه الإشارة مغزى خاص في إسطنبول؛ فتركيا نفسها مثال على سياسة لندن في صناعة الهويات المتعارضة، حيث تشكلت هويتها الوطنية الحديثة في جزء كبير منها من خلال التنافس التاريخي مع اليونان.
وبإثارة ملف أوكرانيا من الأراضي التركية، بعث مور برسالتين: الأولى مباشرة إلى موسكو بأن بريطانيا لاعب رئيسي في الملف الأوكراني، والثانية غير مباشرة إلى النخبة التركية بأن لندن تملك القدرة على توظيف نفس النموذج في شرق المتوسط والشرق الأوسط، وهذه الرسالة بالنسبة لتركيا، التي تتسم بيئتها الإقليمية بتوترات وصراعات متشابكة، بمثابة تحذير بأن بريطانيا ما زالت قادرة على استغلال التناقضات المجتمعية والجيوسياسية فيها.

وأوضح الموقع أن المستوى الرابع من القضية ارتبط بالملف السوري؛ حيث كشف “مور” بشكل صريح عن اتصالاته مع أحمد الشرع” الرئيس السوري الحالي” وفصائل معارضة للنظام السوري، وذلك قبل عامين من سقوط حكومة بشار الأسد في دمشق. هذا الاعتراف المباشر شكّل تحديا للرواية الرسمية لكل من تركيا والولايات المتحدة، اللتين حرصتا على تضخيم دورهما في مسار الأحداث السورية.
وبمعنى أوضح، فإن “مور” أعلن من داخل الأراضي التركية أن بريطانيا كانت العقل المدبّر لمشروع إسقاط دمشق، أما بالنسبة لأنقرة، التي دفعت منذ عام 2011 أثمانا سياسية واقتصادية وأمنية باهظة في الساحة السورية، فإن هذا التصريح لم يحمل سوى معنى واحد: أنها لم تكن سوى أداة في مخطط أوسع.
وعند الربط بين محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو/تموز 2016 ـ التي استهدفت الإطاحة بحكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وما تبعها من حملة تطهير واسعة داخل الجيش التركي ـ إلى جانب دخول القوات التركية لاحقا إلى سوري، تتضح معالم التنسيق عبر الأطلسي، وهو ما أقرّه “مور” بشكل غير مباشر من خلال خطابه
وتابع الموقع أنّ خلف هذه المستويات يبرز البعد الأهم، وهو موقع تركيا في المنظومة الأمنية والاستخباراتية الغربية، فمن منظور لندن، تركيا ليست شريكا متكافئا، بل دولة تابعة يمكن توظيفها في مشاريع أوسع.
واستدل على ذلك بتصريحات بعض الجنرالات الأتراك المتقاعدين بعد محاولة الانقلاب، الذين أشاروا إلى الدور البريطاني في ملف قبرص وفي العمليات السرية ضد الجيش التركي.
ومن هنا، أكد الموقع أن كلمات مور في إسطنبول أعادت التذكير بأن بريطانيا ما زالت تحتفظ بنفوذها البنيوي داخل الدولة التركية، معتبرا تركيا جسرا يصل أوروبا بالشرق الأوسط وآسيا الوسطى، جسرا يجب أن يبقى مفتوحا وتحت السيطرة، وبذلك، كان خطاب الوداع بمثابة إعلان من مور بأن مهمته في تثبيت هذا الجسر قد اكتملت.
وأشار إلى أن ما يجعل الحدث أكثر خطورة هو غياب رد فعل واضح من الدولة التركية، فلم يصدر عن وزارة الخارجية أو جهاز الاستخبارات موقف يتناسب مع حجم الواقعة، كما أن وسائل الإعلام الرئيسية اكتفت بالتركيز على الجوانب الشخصية من حياة مور مثل دعمه لفريق بيشكتاش أو إجادته اللغة التركية.
ورأى أنّ هذا التبسيط يعكس إما عجزا لدى النخبة السياسية والإعلامية عن استيعاب أبعاد المشهد الجيوسياسي، أو رغبة في تفادي مواجهة مكلفة مع لندن وفي كلتا الحالتين، أوصل هذا الصمت رسالة إلى العواصم الغربية مفادها أن تركيا أرض مفتوحة للمناورات الاستخباراتية دون أن يترتب على ذلك كلفة سياسية حقيقية.

أشار الموقع إلى أنّ وضع خطاب “مور” في سياق أشمل يكشف عن شبكة واسعة من التداخلات السياسية، ففي الأسبوع نفسه الذي صرّح فيه دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية التركي، بضرورة تعزيز التعاون مع روسيا والصين، اختارت بريطانيا أن تكشف من إسطنبول عن برنامج موجه ضد موسكو. وفي الوقت ذاته، حرصت الولايات المتحدة على إبقاء أنقرة ضمن فلكها عبر توجيه دعوة رسمية إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إلى جانب صفقة ضخمة لشراء طائرات “بوينغ”.
وبينما تبدو تركيا ظاهريا كأنها تمارس سياسة موازنة بين القوى الكبرى، إلا أنها في الواقع تواجه ضغوطا متناقضة من جميع الأطراف، ومن منظور الموقع، فإن خطاب ريتشارد مور، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطانية (MI6)، أكد أن لندن هي “المهندس الخفي” الذي يدير هذا التوازن، مستندا إلى خبراتها التاريخية وشبكاتها القديمة، وهو ما يجعل تركيا تظل في موقع الأداة.
وأوضح الموقع كذلك أنّ كشف مور العلني عن أسلوب تجنيد العملاء عبر الإنترنت المظلم لم يكن مجرد دعاية حديثة لـMI6، بل اختيار المكان له دلالاته الأعمق، فإسطنبول تحولت إلى مختبر تجارب للأدوات الإلكترونية البريطانية، وهو ما ستكون له تداعيات كبيرة على علاقات أنقرة مع روسيا وإيران والصين، إذ ينظر هؤلاء إلى تركيا الآن باعتبارها منصة لعمليات بريطانية موجهة ضدهم، الأمر الذي سيؤدي إلى تقويض الثقة بها كشريك استراتيجي.
واختتم تحليله بتأكيد أن خطاب وداع ريتشارد مور في إسطنبول لم يكن مجرد كلمة شخصية أو لقاء بروتوكولي، بل عملية استعراضية متكاملة الأركان، فقد سعى من خلالها إلى تثبيت إرثه الشخصي وإرسال رسائل متعددة: إلى الغرب بأن بريطانيا لا تزال في طليعة إدارة الأزمات؛ إلى روسيا وإيران والصين بأن لندن تملك أدوات اختراق جديدة؛ وإلى تركيا بأن دورها لا يزال تابعا وأداتيا.
غير أن أخطر ما كشفه هذا المشهد هو صمت أنقرة وعجزها عن التعامل مع هذه الإشارات، وهو ما يعكس ضعفا بنيويا في السياسة الخارجية وأجهزة الاستخبارات التركية، وبذلك، فإن ما جرى في إسطنبول لم يكن نهاية مسيرة دبلوماسي بارز فحسب، بل كشفا صريحا لصورة تركيا كما تُرى من الخارج: دولة قابلة للاستغلال، عاجزة عن ضبط محيطها، وتابعة لإدارة خارجية.

