مستقبل الوقود الأخضر في إيران بين تحديات الطاقة والأمن البيئي

نشرت وكالة أنباء دانشجو، الجمعة 12 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكرت فيه أن العالم اليوم يواجه أزمتين متداخلتين، تغيّر المناخ الناتج عن انبعاث الغازات الدفيئة، وانعدام الأمن الطاقي بسبب الاعتماد الشديد على مصادر الوقود الأحفوري المحدودة والتقلبات الجيوسياسية.

 وأضافت الوكالة أن مفهوم الوقود الأخضر برز كحل محوري ومستدام، وفي ما يلي يجري تناول تحليل شامل لمفهوم الوقود الأخضر وأنواعه، مع التركيز بشكل خاص على الدراسة الفنية لعملية تحويل النفايات الحيوية اليومية، مثل قشور الموز وبقايا الطعام، إلى وقود صالح للاستخدام في المركبات، والغاية من ذلك هي تجاوز الطرح الدعائي الجذاب، والدخول في شرح البنية الهندسية والكيمياء المعقّدة التي تجعل هذا التحول الطاقي ممكنا.

التعريف الشامل والتصنيف الفني للوقود الأخضر

أفادت الوكالة بأن الوقود الأخضر، في أوسع تعريف له، يُطلق على أي نوع من حوامل الطاقة السائلة أو الغازية أو الصلبة التي يكون أصلها الكتلة الحيوية، أو العمليات المتجددة، بحيث يؤدي دورة حياته مقارنة بالوقود الأحفوري إلى انبعاث صاف أقل بكثير من الغازات الدفيئة، وبالأخص ثاني أكسيد الكربون (CO₂). 

وتابعت أن المبدأ الجوهري هنا هو مفهوم الحياد الكربوني، أي أن الكربون المنطلق أثناء احتراق الوقود قد جرى امتصاصه مسبقا من الغلاف الجوي بواسطة النباتات الأولية عبر عملية التمثيل الضوئي.

فنيا، تُقسَّم الوقودات الحيوية، كفرع أساسي من الوقود الأخضر، إلى أربعة أجيال

الجيل الأول: تُستخرج هذه الوقودات مباشرة من المحاصيل الزراعية الغذائية مثل الذرة وقصب السكر (لإنتاج الإيثانول) والبذور الزيتية مثل الصويا والكانولا (لإنتاج الديزل الحيوي)، وأبرز إشكالية فنية وأخلاقية هنا هي منافستها المباشرة لسلسلة إمداد الغذاء وتأثيرها في أسعار المواد الغذائية، وهو ما يُعرف بأزمة الغذاء مقابل الوقود.

الجيل الثاني: جاء لمعالجة عيوب الجيل الأول، ويركّز على الكتلة الحيوية غير الغذائية مثل المخلفات الزراعية (التبن والقش)، فضلات الغابات (نشارة الخشب)، والنباتات غير الصالحة للأكل (مثل نبات العَرْفَج أو الميسكانثوس)، والتحدي الأساسي يكمن في تفكيك البنية المعقدة المقاومة لمركبات اللجنوسليلوز لتحرير السكريات القابلة للتخمير، وهو ما يتطلب تقنيات متقدمة.

الجيل الثالث: يعتمد على الطحالب الدقيقة، وهي جذابة تقنيا لسرعة نموها، وعدم حاجتها إلى أراضٍ زراعية خصبة (إذ يمكن زراعتها في أحواض مفتوحة أو مفاعلات حيوية مغلقة)، إضافة إلى إنتاجيتها العالية من الزيت مقارنة بالبذور الزيتية للجيل الأول.

الجيل الرابع: يمثل الحدّ الأقصى للتطور العلمي، ويشمل النباتات المعدلة وراثيا لامتصاص الكربون بكفاءة أكبر وإنتاج وقود متقدم مثل الهيدروجين الأخضر (الناتج عن تحليل الماء كهربائيا باستخدام طاقة متجددة)، والوقود الاصطناعي حيث يُدمج ثاني أكسيد الكربون الملتقط من الجو مع الهيدروجين الأخضر لإنتاج وقود هيدروكربوني صناعي.

التحليل الفني لعملية تحويل نفايات الطعام إلى وقود للسيارات

أكَّدت الوكالة أن تشغيل السيارة بقشور الموز يُعد مثالا عمليا ومتاحا على أحد أكثر فروع الجيل الثاني من الوقود الأخضر قابلية للتطبيق، وهو استخدام النفايات العضوية الحضرية عبر عملية تُسمى الهضم اللاهوائي.

طبيعة المادة الأولية: النفايات الغذائية
أبرزت الوكالة أن قشور الموز، وبقايا الخضروات، وسائر فضلات الطعام تُعد مزيجا غنيا بالكربوهيدرات والبروتينات والدهون.

وأردفت أن هذه المواد ذات رطوبة عالية وتحتوي على طاقة كامنة كبيرة، وعند التخلص منها في مكبات النفايات، فإنها تتحلل لاهوائيا بشكل غير مراقب، مما يؤدي إلى انبعاث غاز الميثان (CH₄) في الغلاف الجوي، وهو غاز دفيء أقوى بأكثر من 25 مرة من ثاني أكسيد الكربون (CO₂)، لكن من خلال الهضم اللاهوائي، يتحول هذا التهديد البيئي إلى فرصة لإنتاج طاقة نظيفة.

قلب العملية هو المفاعل اللاهوائي للهضم

بيَّنت الوكالة أن هذه العملية تجرى داخل خزان كبير خال من الأكسجين يُسمى مفاعل الهضم (Digester)، حيث تعمل تجمعات ميكروبية متعاونة على تفكيك المواد العضوية عبر أربع مراحل بيوكيميائية معقّدة:

  1. التحلّل المائي (Hydrolysis): في هذه المرحلة الأولية، تفرز البكتيريا المحلِّلة إنزيمات تكسر البوليمرات العضوية الكبيرة وغير القابلة للذوبان (الكربوهيدرات، والبروتينات) إلى جزيئات صغيرة قابلة للذوبان (سكريات بسيطة، وأحماض أمينية).
  2. تكوّن الأحماض (Acidogenesis): تقوم البكتيريا المُنتِجة للأحماض باستهلاك نواتج المرحلة السابقة وتحويلها إلى مركبات وسيطة مثل الأحماض الدهنية الطيّارة، والكحوليات، وثاني أكسيد الكربون، والهيدروجين.
  3. الأستوجينيس (Acetogenesis): في هذه المرحلة، تقوم البكتيريا الأستوجينية بتحويل الأحماض الدهنية الطيّارة إلى أستات (حمض الأسيتيك)، وثاني أكسيد الكربون، وكميات إضافية من الهيدروجين، ما يمهّد الطريق للمرحلة النهائية.

  4. الميثانوجينيس (Methanogenesis): وهي مرحلة محورية تنفذها الكائنات القديمة المنتجة للميثان، حيث تستهلك الأستات، والهيدروجين، وثاني أكسيد الكربون لتوليد المنتج النهائي وهو البيوغاز (Biogas)، الذي يتكون أساسا من الميثان (CH₄ بنسبة نحو 55–75٪) وثاني أكسيد الكربون (CO₂ بنسبة نحو 25–45٪)، إضافة إلى آثار من كبريتيد الهيدروجين (H₂S)، وبخار الماء، وبعض المركبات الأخرى.

وذكرت أن الناتج الثانوي القيّم لهذه العملية هو مادة غنية بالعناصر الغذائية تُسمى الديجستات (Digestate)، وتُستخدم كسماد عضوي ممتاز للزراعة، مما يسهم في بناء اقتصاد دائري مستدام.

من الغاز الحيوي الخام إلى وقود السيارات، عملية الارتقاء (التنقية والتطوير)

أوردت الوكالة أن الغاز الحيوي الخام الناتج في مفاعل الهضم، بسبب انخفاض تركيز الميثان واحتوائه على شوائب مسببة للتآكل مثل كبريتيد الهيدروجين (H₂S) وثاني أكسيد الكربون (CO₂)، لا يصلح مباشرة للاستخدام في محركات السيارات، ولتحويله إلى وقود قياسي، تُجرى عملية تُعرف باسم ترقية الغاز الحيوي (Biogas Upgrading)، وهدفها رفع تركيز الميثان إلى أكثر من 97٪ ليصبح بجودة تعادل الغاز الطبيعي الأحفوري. 

وأبلغت أن المنتج النهائي يُسمى البيوميثان (Biomethane) أو الغاز الطبيعي المتجدد (RNG).

التقنيات الرئيسية لترقية الغاز الحيوي هي:

الغسل بالماء: يُضغط الغاز الحيوي ليمر عبر عمود يجري فيه ماء، حيث يذوب كلّ من CO₂ وH₂S بدرجة أعلى في الماء، فيُحتجزان بينما يخرج الميثان نقيا.

الامتزاز بالضغط المتأرجح (PSA): يُمرَّر الغاز عبر وسط ممتزّ (مثل الكربون النشط أو الزيوليت) يمتصّ CO₂ بشكل انتقائي عند الضغط العالي، وعند خفض الضغط، يتحرر CO₂ ويُعاد تنشيط الوسط لدورة جديدة.

الفصل بالغشاء: تستخدم أغشية بوليمرية ذات نفاذية مختلفة، حيث تعبر الجزيئات الصغيرة مثل CO₂ وH₂O بسرعة أكبر، بينما يبقى الميثان (الأكبر حجما) في الجهة الأخرى، وبعد ذلك، يُضغط البيوميثان المنتج ليُستخدم تماما مثل الغاز الطبيعي المضغوط (CNG) في السيارات القياسية العاملة بالغاز.

الأبعاد الفنية، والتحديات، وآفاق المستقبل

أشارت الوكالة إلى أنه رغم عملية تحويل النفايات إلى وقود مثبتَة تقنيا، إلا أنها ما زالت تواجه تحديات هندسية متعددة:

تباين المواد الأولية: التركيب الكيميائي لمخلفات الطعام شديد التغير، ما قد يؤثر في استقرار عملية الهضم ومعدل إنتاج الغاز الحيوي، لذا فإن التحكم الدقيق بنسبة الكربون إلى النيتروجين (C/N ratio) ضروري لأداء ميكروبي مثالي.

حساسية العملية: الكائنات الدقيقة المسؤولة عن الهضم اللاهوائي حساسة جدا للظروف البيئية مثل درجة الحرارة، والأس الهيدروجيني (pH)، ووجود المواد السامة، والحفاظ على هذه المعايير يتطلب أنظمة متقدمة للرصد والتحكم.

التكاليف الاستثمارية والتشغيلية: إنشاء المفاعلات، ولا سيما أنظمة ترقية الغاز الحيوي، يتطلب استثمارات ضخمة، كما أن جمع النفايات الرطبة الضخمة ونقلها يضيف أعباء لوجستية ملحوظة.

قابلية التوسع: لتأمين وقود لجزء مهم من أسطول النقل في مدينة ما، هناك حاجة إلى منشآت هضم لاهوائي ضخمة، وشبكة شديدة الكفاءة لجمع النفايات، ومع ذلك، فإن مزاياه الفنية والبيئية قوية، وتشمل: الإدارة المستدامة للنفايات، وإنتاج طاقة نظيفة ومحلية، وخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وإنتاج سماد حيوي.

ونوَّهت إلى أن فكرة تشغيل السيارات بقشور الموز وبقايا الطعام ليست مجرد تصور خيالي، بل هي واقع هندسي قائم على عمليات بيوكيميائية مضبوطة، ويُعد الهضم اللاهوائي مثالا بارزا لتقنيات الوقود الأخضر، إذ يحوّل مشكلة بيئية (النفايات العضوية) إلى موارد ثمينة (طاقة وسماد)، محققا بذلك مبادئ الاقتصاد الدائري.

وفي الختام لفتت الوكالة إلى أنه رغم استمرار التحديات التقنية في مجالات استقرار العملية، والخدمات اللوجستية، والتكاليف، فإن التقدم في تكنولوجيا المفاعلات وأنظمة ترقية الغاز الحيوي يمهّد الطريق أكثر فأكثر أمام اعتمادها كإحدى الاستراتيجيات الأساسية لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري وبناء مستقبل أكثر استدامة، وفي النهاية، لا يمثل الوقود الأخضر مجرد بديل، بل ضرورة للانتقال نحو حضارة محايدة كربونيا.