- زاد إيران - المحرر
- 786 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، الأحد 3 أغسطس/آب 2025، حوارا مع علي رضا بهتويي، أستاذ علم الاجتماع، حول إحياء مفهوم الوطن والوطنية في إيران بعد الحرب الأخيرة مع إسرائيل، والتباين بين نمطي القومية الاستبدادية والديمقراطية في التاريخ الإيراني، ودور الثورة الدستورية في ترسيخ مفاهيم مثل حكم القانون والحرية وحقوق الشعب، وفي ما يلي نص الحوار:
كيف تقيّم ظهور تيار وطني جديد خلال الحرب الأخيرة، أتاح للناس والحكومة إعادة النظر في أساليب الحكم بدل الاحتجاج في الشوارع؟
إن العملية التي وُصفت واقعية، وقد أمكن فعلا رصد شعور وطني خلال تلك الفترة، ورغم أنني أتابع المشهد من بعيد، فإنني من خلال تواصلي مع الأقارب والأصدقاء في إيران، أعرف هذا الشعور جيدا، وبرأيي، هذا التحول نابع أولا من نضج فكري لدى المواطن الإيراني، إلى جانب التجارب التي خاضها، فالمواطن اليوم يقول بوضوح: لا يحق لأحد من خارج إيران أن يُسقط القنابل علينا بحجة تحريرنا.

وفي مواجهة هذا العدوان، يقف الإيراني مدافعا عن شعبه ووطنه، وخلال الأزمة التي استمرت 12 يوما، شاهدنا كيف فتح الناس أبواب بيوتهم، وساعد الخبّاز في إيصال الخبز، وتكاتف الجميع بروح تضامن مستندة إلى تجاربهم السابقة.
وما إن تنتهي الأزمة، حتى يعود المواطن الناضج ليؤكد للمسؤولين مطالبته بأن يُعامَل كفرد ناضج، وهذا الوعي يفرض على صانعي القرار أن يتعاملوا مع الناس كما يُعامل المواطن في المجتمعات الناضجة، خصوصا بين الشباب والمثقفين الذين يتمتعون بحس عال من الوعي والاستقلال، ويطالبون بمعاملة ندّية.
وأعتقد أن هذا السؤال عاد مجددا بعد انتهاء الأزمة، حيث يؤكد المواطنون أنهم يطالبون بأن يُعاملوا كبالغين لا كقُصر.

هل تتوقع نشوء قومية جديدة في دول المنطقة، وإن حدث ذلك، هل ستكون ديمقراطية أم استبدادية ومتطرفة؟
من وجهة نظري، تبدأ القصة بانهيار النموذج النيوليبرالي الذي توسّع منذ أوائل التسعينيات، لكنه مع أزمة 2008 وصل إلى طريق مسدود، ومن هناك بدأت شرعيته تتآكل.
ومنذ ذلك الحين، برزت الخطابات القومية كبدائل، ففي الولايات المتحدة ظهرت الترامبية، وفي أوروبا صعدت الأحزاب اليمينية، بينما في بلدان مثل إسبانيا، وتشيلي، وكولومبيا، وأوروغواي، رأينا شكلا آخر من القومية – يمكن تسميته بالقومية الديمقراطية أو السلمية، وهي التي تدين اليوم ممارسات إسرائيل في غزة وتدافع عن السلام.
وهذه القومية تُعلي من شأن الوطن ومصالح الشعب، لكنها في الوقت نفسه تتبنى رؤية سلمية وديمقراطية، ولتوضيح الصورة، أشبّه الأمر بنموذجين من الأسر: الأسرة الأبوية التي يفرض فيها فرد واحد سلطته، ويُميّز بين الأبناء ويفاخر أمام الجيران، مقابل الأسرة الأمومية التي يسودها الاحترام والرعاية المتبادلة، دون تمييز، وبتعامل متزن مع الآخرين.
إن القومية الديمقراطية، في رأيي، أقرب إلى النموذج الأمومي، أما القومية الاستبدادية فتشبه النموذج الأبوي، وعندما نسأل: ماذا سيحدث في الشرق الأوسط؟ أقول إن الأمر يتوقف على عوامل كثيرة، وأهمها قدرة السياسيين في كل بلد على إقناع شعوبهم بالسير في أحد هذين الطريقين.
فنحن، في النهاية، أمام خيار حاسم، إما أن نختار قومية الزعيم السياسي الألماني الأسبق أدولف هتلر والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أو نتمسك بقومية الزعيم السياسي الأسبق في حركة استقلال الهند المهاتما غاندي وأول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال جواهر لال نهرو؛ وإما أن نعيد إنتاج الفاشية، أو نسير على خطى بيت الشعب كما فعلت السويد في مواجهة التطرف، فالمسألة، في جوهرها، مسألة اختيار.
هل تتوقع وجود أفق أو مستقبل للقومية الديمقراطية في إيران، خاصة بعد تجربتي تأميم النفط في عهد مصدق والثورة الدستورية؟
أعود هنا إلى مذكّرات الباحث الإيراني البارز حسن كامشاد، حيث يستعيد لقاءه بنهرو، إذ قال له بحماسة إنّ إيران بحاجة إلى شخص مثله، فردّ عليه نهرو بانفعال، لكنّكم كان لديكم مصدق، فماذا فعلتم به؟ فهذه العبارة تختصر الفارق العميق بين التجربتين الهندية والإيرانية في بناء الاستقلال والديمقراطية.
فرغم تشابه الظروف من حيث الفقر، والأمية، والاستعمار، فإن الهند نجحت في إقامة دولة ديمقراطية مستقرة، بينما تعثّرت إيران، والسبب الأساسي يعود إلى أن حزب المؤتمر الوطني الهندي كان تنظيما شعبيا واسعا ومتجذرا، تأسس قبل الاستقلال بثلاثين عاما، في حين كانت حركة تأميم النفط في إيران تحالفا نخبويا هشّا يفتقر إلى قاعدة شعبية.
كما أن الطبقة الوسطى والصناعة في الهند كانتا في حالة أكثر تطورا، والبيروقراطية هناك كانت أقوى، على عكس الوضع في إيران، والأهم، أن الجيش في الهند كان خاضعا لحكم مدني، بينما بقي الجيش الإيراني أداة بيد البلاط الملكي، لا الشعب.
والجدير بالذكر أن الزعماء الدينيون في الهند، مثل غاندي، آمنوا بالعلمانية ورفضوا المشاركة في الحكم، بخلاف رجل الدين أبو القاسم الكاشاني الذي عارض إصلاحات مثل تصويت النساء.
ورغم تلك الفروقات، فإن التحولات الديمقراطية في إيران، وارتفاع مستوى التعليم والتحضر، والتجربة التاريخية منذ الستينيات، جعلت المجتمع أكثر نضجا، وأقرب من أي وقت مضى إلى القومية الديمقراطية، خاصة مع رفضه للتدخلات الأجنبية واعتماده على الذات.
هل هناك خطر من أن تقود الطبقة المتوسطة المنحدرة، بفعل فقدان مكانتها وكرامتها، إلى بروز قومية متطرفة عبر حركات شعبوية؟
لا أتفق تماما مع الطرح القائل إن الفقر وحده يفسر التحولات السياسية، فمثلا المعلمون، رغم تراجع أوضاعهم داخل الطبقة المتوسطة، ما زالوا من أبرز الداعمين لفكرة القومية الديمقراطية في إيران، وهو ما لا يمكن تفسيره بعوامل اقتصادية فقط.
وبرأيي، إن صعود خطاب أنصار الملكية بدأ مع تعثّر مسار الإصلاح في إيران، إذ شعرت الطبقة المتوسطة — التي تشمل فئات واسعة من العمال وأصحاب الأجور — بأن المشروع الإصلاحي، الذي كان من الممكن أن يحسّن الاقتصاد والبيئة والحريات، قد وصل إلى طريق مسدود بفعل سياسات الإقصاء، وعندها لجأ البعض إلى بديل جاهز، يتمثل في الحنين إلى الحضارة العظمى.
والمشكلة، في نظري، أن تغييب التيار الإصلاحي أفسح المجال لتمدد التيارات الملكية، ومع ذلك، فإننا نرى اليوم طيفا واسعا من المثقفين، من معلمين ومهندسين وأطباء، يطالبون بتغيير جذري يتناول القضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية بعمق أكبر من الطروحات الإصلاحية السابقة.
هل يمكن أن تسهم العودة إلى التقاليد والأساطير الوطنية في ترسيخ قومية ديمقراطية، وهوية وطنية إيجابية، أم أنها مجرد توظيف سياسي للهويات القومية؟
في ظل الأوضاع الحالية، على صُنّاع القرار أن يختاروا بين نهجين، إما الاعتراف بنضج ووعي الشعب والدخول في حوار حقيقي معه حول القضايا الداخلية والخارجية، أو الاستمرار في فرض القرارات دون مشاركته، فالاعتراف بالمواطنين كشركاء ناضجين يمكن أن يردم الفجوة بين الدولة والمجتمع، ويؤسس لنحن مشتركة. 
أما التوجه إلى استخدام الرموز الوطنية دون نية حقيقية للحوار والمشاركة، فسيُنظر إليه كاستغلال سطحي وفارغ، وربما مثير للسخرية، فنجاح هذا المسار مرهون بوجود نية صادقة وإجراءات ملموسة تعكس احتراما حقيقيا للناس.
ألا تعتقدون أن الطرح القائل بأن الدولة-الأمة امتداد للهوية القومية والثقافية قد عاد للظهور في المجتمع الإيراني؟
إن التصور الجوهري للتاريخ والهوية الوطنية عاد للظهور في إيران، وأرى أن سبب ذلك هو فشل الخطاب السابق وغياب بديل ديمقراطي ووطني ينتقد الفكر الإيرانشهري لكونه لا يختلف كثيرا عن الخطاب الملكي أو الدستوري، إذ يعتمد جميعها على رؤية مركزية فارسية من الأعلى.
وعلى سبيل المثال، يشير الباحث التاريخ البارز جواد طباطبائي إلى من يقلّلون من قيمة الأدب التركي، معتبرا ذلك تحقيرا للقوميات غير الفارسية في إيران، كالأكراد، والبلوش، والترك، ويصف هذه النظرة بأنها استبدادية.
كما يلفت إلى أن التاريخ سردية انتقائية، حيث يمكن تضخيم شخصيات مثل عالم الدين فضل الله نوري أو القائد العسكري الأسبق ستارخان، ومثله في تأميم النفط بين كاشاني أو مصدق، ويعارض ما يزعمه أنصار الإيرانشهري بوجود جوهر تاريخي ثابت، معتبرا ذلك غير علمي.
ما السياق الذي يتشكل فيه مفهوم القومية الديمقراطية الذي تطرحونه؟ وما سماته مقابل فكر الإيرانشهري؟
إن من أبرز دروس تجربة استقلال الهند أن المؤتمر الوطني رفض إعلان ديانة أو لغة رسمية، احتراما لتعدديّة المجتمع، رغم أن غالبية السكان كانوا من الهندوس، وهذا النموذج يُبرز أهمية احتواء التنوع وعدم إقصاء المكوّنات الأخرى، وفي المقابل، اعتمدت إيران في عهد رضا شاه الفارسية كلغة رسمية، رغم أن ثلثي المجندين آنذاك لم يكونوا يتقنونها، ما يفتح باب النقاش حول سياسات اللغة والهوية الوطنية.
وكذلك، ترى القومية الوطنية الديمقراطية أن قضايا مثل مساواة المرأة والتفاعل البنّاء مع الجوار والعالم، مؤشرات على نضج المجتمع، وهي ضرورية في المرحلة الحالية من تاريخ إيران.
كيف تفسّرون توظيف العناصر القومية في عهد الرئيس الإيراني الأسبق أحمدي نجاد، ضمن مسار النَّاسِيُونَالِيَّة الديمقراطية الذي تتبعتماه منذ عهد المشروطة وحتى تلك المرحلة؟
حاول أحمدي نجاد استقطاب الطبقة الوسطى من خلال الترويج لرموز قومية مثل كوروش وتخت جمشيد، بعدما ركّز بداية على كسب الفئات الفقيرة بمشاريع دعم مثل مسكن مهر، لكنه فشل في إقناع الطبقة الوسطى المتعلّمة، إذ لم تكن خلفيته السياسية منسجمة مع تلك الرموز، مما أفشل محاولته في توسيع شعبيته عبر الخطاب القومي.
أليس مسار تعاطي الاتحاد السوفييتي مع القومية، بتقلّباته بين تبنّيها وإنكارها لصالح الطبقة البروليتارية، يشبه إلى حدّ ما، المسار التاريخي الذي مررنا به نحن أيضا؟
إن الفكرة الأساسية هي أن عالم الدين مرتضى مطهري كان يتأرجح بين القومية والأممية الإسلامية، وهي إشكالية ظهرت أيضا في التجربة السوفييتية؛ حيث انتقل البلشفيون من فكرة الثورة العالمية إلى تبنّي القومية البلشفية.
ومع إعلان أن الاتحاد السوفييتي هو بيت الكادحين في العالم، أصبحت الأحزاب الشيوعية مجرّد أدوات تابعة له، ما أدى إلى تقلبات سياسية أضرت بالكثير من المناضلين، خاصة في أوروبا، وهذه التجربة أظهرت أن الأممية المرتبطة بمركز سلطوي مثل موسكو، والتي تُملي أوامرها على الآخرين، كانت مدمّرة في كثير من الحالات، وهي إشكالية رأينا أثرها أيضا في السياق الإيراني.
هل يمكنكم توضيح دلالة استخدام مصطلح إيران الإسلامية في عهد الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني، حيث تم الجمع بين الهوية الوطنية والدينية؟
قام رفسنجاني بخطوتين مهمتين، أولا زار برسبوليس بعد الحرب، وهو أمر غير معتاد وقتها، وثانيا حاول بناء علاقات مع جيران إيران والعالم مثل السعودية، والغرب، وروسيا، والصين، لكنه فشل بسبب معارضة من حوله، وفيما بعد، اقترح الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي فكرة حوار الحضارات التي كان يمكن أن تكون ذروة القومية الديمقراطية، لكنها تعرّضت لعرقلة وفشل.

