- زاد إيران - المحرر
- 613 Views
أجرت صحيفة “إيران“، الأربعاء 23 يوليو/تموز 2025، حوارا مع بنفشة زهرائي، أستاذة الموارد المائية في جامعة طهران، تناولت فيه التحديات المتفاقمة التي تواجه العاصمة الإيرانية في مجال المياه، مشيرة إلى أن تغيّر المناخ والتوسع العمراني غير المتوازن ساهما في تعميق أزمة المياه، وفي ما يلي نص الحوار:
هل يمكن أن يسهم منح عطلة يوم الأربعاء في خفض استهلاك مياه الشرب بطهران؟
بالنسبة إلى إعلان الأربعاء عطلة– وهو إجراء يُرجّح تكراره حتى نهاية الصيف– يمكن اعتباره خطوة فعّالة، خاصةً أن استهلاك المياه عادةً ما يرتفع في عطلات نهاية الأسبوع بسبب أعمال التنظيف والغسيل وسائر الأنشطة.
وإذا ما غادر السكان المدينة خلال هذه العطل، فإن تراجع الاستهلاك ليس أمرا مستبعدا، غير أن نجاح هذا الإجراء يتوقف على مدى استجابة الناس له.
قد تتكرر هذه العطلات حتى نهاية الصيف، لكنني شخصيا قلقة من قدرة المواطنين ورغبتهم على القيام برحلات متكررة، لقد مررنا مؤخرًا بتجربة الحرب، واضطر كثيرون إلى مغادرة بيوتهم دون أي تخطيط مسبق.
والسفر يتطلب نفقات واستعدادات قد لا تكون متاحة للجميع، ولهذا يبدو أن فعالية هذا الإجراء ستتراجع مع الوقت، نظرا لمحدودية قدرة الناس على مغادرة المدينة بشكل متكرر، ومع ذلك، إذا لقيت الفكرة تجاوبا من سكّان طهران، فإن استهلاك المياه سينخفض.

هل يشكّل تدفّق سكان طهران إلى الشمال ضغطا على موارد المياه هناك؟
خلال هذا العام، شهدت معظم المحافظات معدلات أمطار أقل بكثير من المتوسط طويل الأمد، باستثناء محافظتي جيلان ومازندران، اللتين اقترب معدل أمطارهما من المتوسط.
لكن هذا لا يعني أن هاتين المحافظتين لا تواجهان مشكلات في تأمين المياه، فهما تعانيان من توسع عمراني مفرط، وضعف في أنظمة الإمداد، وتلوث في مصادر المياه السطحية والجوفية، وقد واجهت الجهات المعنية صعوبات حتى في تلبية احتياجات السكان المحليين من مياه الشرب.
ومع ذلك، فإن وضع الموارد المائية فيهما من حيث الأمطار، يُعد هذا العام أفضل من طهران.
ترون أن أزمة شح المياه الراهنة في طهران تعود بالدرجة الأولى إلى تغيّر المناخ، وأشرتم في هذا السياق إلى منطقة أعالي سد لار، حيث لم تحدث توسعات عمرانية كبيرة ولم تُسجّل عمليات سحب مكثفة للمياه.

هل يكفي تغيّر المناخ لتفسير أزمة المياه في طهران، أم أن التوسع العمراني غير المتوازن في المناطق العليا يلعب دورا أيضا؟
مدينة دماوند ومحيطها تعتمد بشكل أساسي على المياه القادمة من الطبقات الجوفية والأنهار المحلية، وهي تعاني بدورها من مشكلات، لكنها تقع ضمن حوض الصرف المغذّي لبحيرة الملح، الذي لا يرتبط بحوض سد لار.
منطقة أعالي سد لار مصنفة كمنطقة محمية، ولا توجد فيها نشاطات تستهلك المياه، أما سد أميركبير الواقع على طريق جالوس، فهو في منطقة جبلية، وتوجد في حوضه القروي بعض القرى قليلة السكان، ولا تُمارس فيه أنشطة كثيفة الاستهلاك كالفلاحة.
سد طالقان كذلك في وضع مشابه، إذ يُنقل جزء من مياهه إلى طهران، وحوضه العلوي أيضا جبلي وضعيف التنمية، وتختلف هذه الأوضاع عن السدود في خوزستان مثل سد كرخه، حيث تنتشر الزراعة الديمية في مناطق أعاليه.
التراجع الكبير في إيرادات المياه الواردة إلى سدود لار وأميركبير وطالقان ناجم أساسا عن الجفاف الشديد وظاهرة تغيّر المناخ.
هل تؤثر الأنشطة العمرانية في دماوند على المياه الجوفية التي تغذّي طهران والمناطق المحيطة بها؟
المياه الجوفية الواقعة تحت مدينة طهران تشمل نطاقا واسعا يمتد إلى كرج وشهريار، والسحب المائي المخصص لمياه الشرب في طهران يتم أساسا من النصف الجنوبي للمدينة، نظرا لأن هذه المنطقة من الخزان الجوفي تتمتع بعمق وجودة أعلى.
أما المياه الجوفية في شرق طهران ودماوند فهي مستقلة، ولا توجد بينها وبين خزان طهران–كرج–شهريار أي صلة طبيعية أو هيدرولوجية مباشرة، وبالتالي، فإن سحب المياه أو التغيّرات التي تطرأ على مستوى المياه الجوفية في دماوند لا تؤثر على خزان طهران–كرج–شهريار.
هل تلعب المياه الجوفية في مناطق تغذية سدود طهران دورا في تزويد مدن أخرى بالمياه، أم أن استخدامها يقتصر على تغذية السدود؟
عادة لا تُنقل المياه الجوفية من مكان إلى آخر، بل تُستخدم في الموقع نفسه لأغراض الزراعة أو الصناعة أو مياه الشرب، وفي بعض الحالات، قد تُنقل مياه بعض الآبار ذات الجودة العالية إلى المدن.
بشكل عام، إذا تراجعت مستويات المياه الجوفية في حوض سدّ ما، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الجريان السطحي وتراجع الإيرادات المائية إلى السد. لكن في حالة سدود طهران، وبسبب الطبيعة الجبلية والمحمية لأحواضها العليا– مثل طالقان وأميركبير ولار– فإن هذا التأثير يبقى محدودا.

هل تعتبرون أن بناء السدود لتأمين مياه العاصمة كان خيارا صحيحا؟
تغيّر المناخ الناتج عن الاحتباس الحراري أثّر على العالم، وكانت إيران من بين الأكثر تضررا، حيث تغيّر نمط هطول الأمطار، وأذكر أننا كنا نرى الثلوج شتاءً، أما الآن فقد اختفى هذا المشهد منذ سنوات.
أدى ذلك لتراجع المياه الواردة للسدود، بينما التوسع الكبير لطهران زاد احتياجاتها المائية، وتسبب نقل المياه من السدود في هبوط التربة بمناطق مثل هشتجرد وشهريار وورامين وحتى مازندران.
مياه سدود لار، طالقان، أميركبير، لتيان وماملو، التي كانت مخصصة لمناطقها الأصلية، تم تحويلها لطهران، مما ضغط على المياه الجوفية وحرم مناطق من حصصها التاريخية.
حاليا، أصبحت أولوية السدود تأمين مياه الشرب لطهران فقط، مع تخصيص خمسة سدود لهذا الغرض، باستثناء جزء بسيط من طالقان يُستخدم في الزراعة.
يرى البعض أن المشكلة في القطاع الزراعي، لكن حتى لو توقفت الزراعة، لن تُحل أزمة مياه طهران.
الحكومة استثمرت كثيرا في مشاريع نقل المياه وبنت أنظمة عديدة، لكن دون إدارة متوازنة للموارد والسكان، فقط تم التركيز على النقل.
هل لمحافظتي مازندران وكرج نصيب من مياه هذه السدود؟
قبل أن يتمكن سكان مازندران من الاستفادة من مياه سد لار، يتم تحويلها إلى طهران، والأمر نفسه ينطبق على سد كرج، حيث يُنقل الجزء الأكبر من موارده إلى العاصمة.
كيف تُقيَّم الحالة الراهنة لسدود طهران وحجم المياه المخزّنة فيها؟
تشير البيانات إلى أن كميات الأمطار في محافظة طهران خلال العام الجاري انخفضت بنسبة 50% مقارنة بمتوسطها طويل الأمد، أي أن المحافظة تلقّت فقط نصف المعدل المعتاد من هطول الأمطار منذ شهر سبتمبر/أيلول 2024 حتى اليوم.
ويُذكر أن السنوات الأربع الماضية شهدت أيضا مستويات أقل من المعدلات الطبيعية، ما يعني أننا دخلنا فعليا عام الجفاف الخامس على التوالي.
وبالتالي، فإن ما تم تخزينه من مياه خلال الأعوام السابقة قد نُفد بالكامل، ولم يعد هناك ما يمكن نقله من فائض المواسم الماضية إلى هذا العام.
في حال فرغت السدود، لن يتبقى سوى الاعتماد على مياه الآبار، ما وضع المياه الجوفية في طهران؟
تُغطّي المياه الجوفية في طهران، خلال فصول الجفاف مثل هذا العام، ما يقارب 60% من احتياجات المدينة المائية، لكنها اليوم تواجه أزمة حادة بسبب تكرار موجات الجفاف وتراجع منسوب المياه تحت الأرض بشكل ملحوظ.
ويُسجَّل حاليا تدهور شديد في قدرة الآبار على ضخ المياه، ومن المتوقع أن يستمر هذا الانخفاض خلال شهر أغسطس/آب، الذي يُعد من أكثر الفترات طلبا على المياه.
وبذلك، نجد أنفسنا أمام تحديين كبيرين يحدثان بشكل متزامن: تراجع كبير في إنتاجية الآبار، وخروج السدود من الخدمة، وبصورة عامة، فإن مستقبل الموارد المائية في طهران يبدو مقلقا للغاية.
ما الذي حدث للأنهار التي كانت تجري في طهران قديما؟
رغم أن أنهارا مثل دربند ودرکه وكن لم تجف بالكامل، فإن مساراتها الطبيعية تعرضت لاختلالات كبيرة.
فبسبب التوسع العمراني العشوائي وارتفاع نسبة المساحات المعبدة بالإسفلت والخرسانة، لم تعد مياه الأمطار تتسرّب إلى باطن الأرض كما في السابق، بل أصبحت تتحول إلى جريان سطحي يُحوَّل عبر قنوات المدينة بدلا من تغذية المياه الجوفية.
وبسبب تدخلات بلدية طهران، تغيّر شكل مجاري الأنهار عبر عمليات التبليط والتسوية، مما أضر بدورة المياه الطبيعية وساهم في حرمان المياه الجوفية من أهم مصادر تغذيتها.
وما أثر ذلك على المياه الجوفية التي تعتمد عليها المدينة الآن؟
هذه التدخلات أدت إلى تدهور خطير في وضع المياه الجوفية التي تؤمّن نحو 60% من حاجة طهران، فمستوى المياه تحت الأرض انخفض بشكل حاد، وأصبحت إنتاجية الآبار في تراجع مستمر، مما زاد من حدة أزمة المياه.
ويُعزى هذا التدهور بشكل أساسي إلى نقص تغذية الخزانات الجوفية، بعد أن غطّت الخرسانة معظم سطح المدينة، وحُرم الماء من اختراق التربة.
ما وضع الأنهار التي كانت تمرّ بطهران في السابق مثل جلابدره ودرکه ودربند وكن؟
هذه الأنهار لم تجف، إنما تعطّل مجراها الطبيعي، والسؤال الأهم الآن: إلى أين تذهب هذه المياه؟ بسبب التمدد الكبير في المساحات المعبدة بالأسفلت، والتوسع العشوائي في البناء، لم تعد مياه الأمطار قادرة على التسرّب إلى التربة.
وبدلا من تغذية الخزانات الجوفية، أصبحت هذه المياه تجري سطحيا عبر القنوات التي أُنشئت داخل المدينة.
هل هذا يعني أن إدارة المدينة منعت عمليا تغذية الخزان الجوفي الذي تعتمد عليه طهران اليوم في مياه الشرب؟ وما وضع هذا الخزان حاليا؟
نعم. الخزان الجوفي في طهران يوفّر نحو 60% من احتياجات المدينة من المياه، لكنه تضرّر بشدّة، ومستوى المياه الجوفية انخفض بشكل حاد، ما أدى إلى تراجع إنتاجية الآبار وفاقم أزمة المياه.
في السنوات الأخيرة، تسارعت وتيرة استنزاف الخزان الجوفي، ومن أبرز الأسباب، تراجع تغذيته الطبيعية، بسبب تغطية سطح الأرض بالإسمنت والأسفلت، وهو ما قلّل نفاذية التربة.
الأنهار التي كانت تُعد مصدرا طبيعيا لتغذية الخزان، أصبحت مبلطة ومُغطاة بالإسمنت، ففقدت قدرتها على تسريب المياه إلى الطبقات الجوفية.
هل نشهد اتساعا في ظاهرة الهبوط الأرضي بطهران؟
نعم، أحد النتائج المباشرة لانخفاض منسوب المياه الجوفية هو الهبوط الأرضي في جنوب وجنوب غرب طهران.
إذا وصلت طهران إلى وضع يشبه أزمة المياه في همدان، فهل من الممكن تزويدها مؤقتا بالمياه عبر الصهاريج؟
الإجابة معقّدة، طهران مدينة ضخمة من حيث عدد السكان والاستهلاك، لذا فإن التوزيع بالصهاريج قد يكون ممكنًا فقط بشكل محدود وفي مناطق حساسةـ كحلّ شامل، لا يمكن الاعتماد عليه؛ بسبب صعوبات البنية التحتية والتكلفة والزحام.
لذلك، يجب أن نركّز على حلول طويلة الأمد مثل ترشيد الاستهلاك، تحسين الكفاءة، استخدام المياه المعالجة، وضبط التوسع العمراني.
بجانب توزيع المياه بالصهاريج، نُفّذ في همدان مشروع نقل مياه. هل هناك مصادر جديدة يمكن نقل المياه منها إلى طهران؟
يوجد حاليا مشروعان كبيران قيد التنفيذ، الأول هو خط نقل المياه الثاني من سد طالقان، والذي كان مخططا له أن يُنفّذ كـ نفق، لكن بسبب الظروف الطارئة، يجري تنفيذه كخط أنابيب، المشروع الثاني هو نفق لنقل المياه من سد لار إلى أعلى سد لتيان.
نظرا للظروف الراهنة، ما هي البرامج والإجراءات قصيرة المدى لإدارة الموارد المائية في مواجهة الصيف؟
التركيز الرئيسي الآن ينصب على الحلول قصيرة الأمد لتجاوز الصيف، ونأمل أن تكون أمطار الخريف مساعدة، لكن على المدى الطويل، وبالنظر إلى استمرار الجفاف وازدياد حرارة المناخ في المنطقة، ينبغي إعداد وتنفيذ برامج أكثر جوهرية واستدامة.

