الإنفاق العسكري والأمني في إيران… قلب الموازنة وأولويات الدولة الفعلية

Image

عند الانتقال من العناوين العامة للموازنة الجديدة إلى تفاصيلها الدقيقة، يتبين سريعا أن الإنفاق العسكري والأمني لا يشكل مجرد بند من بنود الموازنة، بل يمثل العمود الفقري الحقيقي لها، والمرآة الأكثر صدقا لأولويات الدولة الإيرانية في هذه المرحلة، فبعيدا عن الخطاب الرسمي الذي يضع المعيشة والعدالة الاجتماعية في الواجهة، تكشف الأرقام أن الأمن والدفاع لا يزالان في صدارة هرم الإنفاق، بوصفهما شرط البقاء السياسي والاستراتيجي للنظام.

فوفق الجداول الرسمية، يبلغ إجمالي الموازنة المخصصة للجهات الأمنية والعسكرية نحو 8 آلاف و720 تريليون ريال، أي ما يعادل تقريبا 6.27مليار دولار أميركي، هذا الرقم، عند النظر إليه بمعزل عن السياق، قد يبدو متواضعا مقارنة بموازنات دول إقليمية أو عالمية، إلا أن دلالته الحقيقية تظهر عند وضعه ضمن بنية الموازنة الإيرانية، حيث يشكل هذا المبلغ نسبة معتبرة من الموازنة العامة القابلة للإنفاق المباشر، ويأتي في وقت تعاني فيه قطاعات اجتماعية أساسية من ضغوط تمويلية واضحة.

Image

غير أن هذا الرقم لا يعكس بالكامل حجم الإنفاق العسكري الفعلي، إذ يضم في داخله موازنات جهات أمنية ذات مهام غير قتالية بحتة، مثل وزارة الاستخبارات، وقوى الأمن الداخلي، والمجلس الأعلى للأمن القومي. وعند استبعاد هذه الجهات والتركيز فقط على المؤسسات العسكرية الصرفة، أي وزارة الدفاع، والحرس الثوري، والجيش، وهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، يتقلص الرقم إلى 6 آلاف و730 تريليون ريال، أي ما يعادل حوالي 4.84 مليار دولار، ورغم هذا التخفيض في المجمع الكلي، يبقى الرقم كبيرا في سياق اقتصاد يعاني من تضخم مرتفع، ونمو محدود، وضغط اجتماعي متصاعد.

وبشيء من التفصيل، فتتصدر وزارة الدفاع ودعم القوات المسلحة قائمة الجهات من حيث حجم الموازنة، بحصولها على 3 آلاف و20 تريليون ريال، أي ما يعادل نحو 2.17 مليار دولار، هذه الحصة تعكس الدور المركزي للوزارة في إدارة منظومة التسليح، والصيانة، والتطوير، والدعم اللوجستي للقوات المسلحة، فضلا عن ارتباطها بالصناعات الدفاعية التي تعد أحد الأعمدة الاستراتيجية للدولة، كما يلاحظ أن هذه الموازنة لا تقتصر على النفقات العسكرية التقليدية، بل تشمل أيضا أنشطة صناعية وتقنية ذات طابع مزدوج، عسكري اقتصادي، ما يمنح وزارة الدفاع نفوذا يتجاوز الطابع الأمني الصرف.

Image

بعد ذلك يأتي الحرس الثوري الإيراني في المرتبة الثانية، بموازنة تبلغ آلفان و440 تريليون ريال، أي ما يعادل نحو 1.75 مليار دولار. ورغم أن هذا الرقم أقل من موازنة وزارة الدفاع، إلا أن دلالته السياسية تفوق قيمته المالية، فالحرس الثوري ليس مجرد قوة عسكرية، بل مؤسسة متعددة الأذرع، تجمع بين الدور الأمني، والعسكري، والاقتصادي، والأيديولوجي. وتشمل موازنته، وفق البيانات الرسمية، نفقات مرتبطة بأنشطة غير قتالية، أبرزها مقر خاتم الأنبياء” للإعمار، الذي يتولى تنفيذ مشاريع بنية تحتية كبرى بميزانيات ضخمة، ما يجعل جزءا من الإنفاق العسكري ممتزجا بالتنمية، ولكن ضمن منطق مؤسساتي مغلق.

Image

أما الجيش الإيراني، فيحصل على 870 تريليون ريال، أي ما يعادل نحو 626 مليون دولار، وهو رقم أدنى بكثير من موازنة الحرس الثوري، وغالبا ما يثير هذا الفارق نقاشا داخليا حول عدم التوازن بين المؤسستين، إلا أن السلطات تبرر هذا التفاوت باختلاف طبيعة المهام، إذ يتولى الجيش الأدوار الدفاعية الكلاسيكية، فيما يتحمل الحرس أعباء إضافية تشمل الردع غير التقليدي، والانتشار الإقليمي، والدعم اللوجستي الواسع.

في أسفل الهرم العسكري من حيث الموازنة، تأتي هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة بحصة تبلغ 340 تريليون ريال، أي ما يعادل قرابة 245 مليون دولار، ورغم تواضع هذا الرقم نسبيا، إلا أن الهيئة تمثل العقل التنسيقي الأعلى للقوات المسلحة، وتضطلع بدور محوري في التخطيط الاستراتيجي، والتنسيق العملياتي، ما يجعل تأثيرها الفعلي أكبر من وزنها المالي.

Image

إلى جانب هذه المؤسسات العسكرية الصرفة، تحتل الجهات الأمنية موقعا متقدما في خريطة الإنفاق. فقد خصصت نحو 680 تريليون ريال لوزارة الاستخبارات، أي ما يعادل نحو 489 مليون دولار، في حين حصلت قوى الأمن الداخلي على ألف و300 تريليون ريال، أي ما يقارب 935 مليون دولار، ويعكس هذا التوزيع إدراك الدولة أن التهديدات لم تعد خارجية فقط، بل باتت داخلية أيضًا، مرتبطة بالاحتجاجات الاجتماعية، والأزمات الاقتصادية، والتوترات المجتمعية.

أما المجلس الأعلى للأمن القومي، فقد خصصت له 30 تريليون ريال فقط، أي نحو 21.6 مليون دولار، وهي موازنة رمزية نسبيا تعكس طبيعته كمؤسسة تخطيطية واستراتيجية لا تنفيذية، وينطبق الأمر نفسه على مقر خاتم الأنبياء المركزي في جانبه الاستراتيجي، الذي حصل على 40 تريليون ريال، أي ما يعادل 28.8 مليون دولار، مخصصة لدراسة وتصميم الاستراتيجيات العسكرية.

Image

وعند النظر إلى هذه الأرقام مجتمعة، يتضح أن الإنفاق العسكري والأمني لا يقاس فقط بحجمه المطلق، بل بمكانته داخل منطق الدولة، فالحكومة، رغم حديثها عن الانضباط المالي وتقليص النفقات، لم تمس جوهر هذا القطاع، بل حافظت عليه شبه محصن من سياسات التقشف، ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنة هذه الموازنات بقطاعات مثل الصحة أو التعليم أو الرعاية الاجتماعية، التي لم تشهد زيادات حقيقية تواكب التضخم.

اللافت أيضا أن الحكومة، في تبريرها لهذا المستوى من الإنفاق العسكري، تؤكد أن إيران تتبنى نهجا دفاعيا لا هجوميا، وتستند في ذلك إلى أن نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الموازنة لا تتجاوز حدودا طبيعية، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن الوظيفة السياسية للإنفاق العسكري في إيران تتجاوز الردع الخارجي، لتشمل ربما تثبيت النظام داخليا، وضمان السيطرة على الفضاء العام، وموازنة الضغوط الاجتماعية المتصاعدة.

تزداد دلالة هذا الإنفاق عند وضعه في سياق الحرب التي شهدتها إيران في العام 2025، والتي استمرت 12 يوما، فبينما حرصت الدولة على عدم الانزلاق إلى سباق تسلح مكلف على غرار ما شهدته قوى كبرى تاريخيا، إلا أنها في الوقت نفسه لم تتراجع عن الاستثمار في أدوات القوة منخفضة الكلفة نسبيا، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعكس، حسب خبراء، عقلية عسكرية براغماتية تسعى لتحقيق أقصى تأثير بأدنى كلفة مالية.

تكشف موازنة 2026 أن الأمن ليس بندا من بنود الموازنة، بل هو الإطار الذي تبنى داخله بقية البنود، فالدولة الإيرانية، وهي تواجه بيئة إقليمية مضطربة وضغوطا داخلية متراكمة، اختارت أن تبقي قلب الموازنة نابضا بالإنفاق العسكري والأمني، حتى وإن جاء ذلك على حساب تحسين نوعية حياة المواطن، ومن هنا، فإن قراءة هذا المحور لا تنفصل عن المحاور اللاحقة، خصوصا عند الانتقال إلى الإنفاق الثقافي والإعلامي، الذي يشكل الوجه الآخر، الناعم، للأولوية الأمنية نفسها.