- زاد إيران - المحرر
- 369 Views
كتب: الترجمان
بينما كانت أصوات الانفجارات لا تزال تتردد صداها في أرجاء المنطقة، وتحت ظلال توتر عسكري هو الأعنف منذ عقود، احتضنت العاصمة الباكستانية إسلام آباد يومي الأحد 29 مارس آذار 2026 حراكا دبلوماسيا استثنائيا وصفه مراقبون بأنه “الفرصة الأخيرة” لمنع انزلاق الشرق الأوسط نحو حرب شاملة لا تبقي ولا تذر.
هذا الاجتماع الرباعي الذي ضم وزراء خارجية باكستان والسعودية وتركيا ومصر، جاء في توقيت قاتم، حيث دخلت المواجهة العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أسبوعها الخامس، مخلفة وراءها شللا شبه تام في حركة الطاقة العالمية وتهديدا مباشرا للأمن القومي لعدة دول إقليمية.
لم يكن الاجتماع مجرد بروتوكول دبلوماسي معتاد، بل كان محاولة جادة لصياغة “ميكانيكا” دولية لخفض التصعيد، وسط تعقيدات ميدانية تمثلت في وصول آلاف المارينز الأمريكيين إلى المنطقة ودخول أطراف أخرى مثل الحوثيين على خط الصراع المباشر.
دبلوماسية الضرورة: السياق والتحركات المكوكية
انطلق الاجتماع الرباعي في إسلام آباد بدعوة واستضافة من محمد إسحاق دار، وزير الخارجية الباكستاني، وبحضور وزراء الخارجية: الأمير فيصل بن فرحان (السعودية)، وهاكان فيدان (تركيا)، وبدر عبد العاطي (مصر). وتكشف كواليس اللقاء أن اختيار إسلام آباد لم يكن وليد الصدفة، بل جاء تتويجا لأسابيع من الرسائل السرية التي تبادلتها باكستان مع كل من طهران وواشنطن.
وقد بدأت ملامح هذا التحرك تتبلور عقب اتصال هاتفي مطول تجاوز الساعة بين رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حيث أكد شريف خلاله تضامن بلاده مع الشعب الإيراني وإدانته الشديدة للهجمات التي استهدفت البنى التحتية المدنية الإيرانية.
هذا الموقف الباكستاني المتوازن، الذي يجمع بين إدانة العدوان وبين الحفاظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن، هو ما منح إسلام آباد “التفويض الضمني” للعب دور الوسيط في هذه الأزمة الوجودية.

تصريحات الحسم: هدوء الدبلوماسيين مقابل نيران الميدان
شهدت أروقة الاجتماع تصريحات عكست حجم القلق الدولي من استمرار النزاع. فقد صرح وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، قبيل انطلاق الجلسات، بأن الهدف الرئيس هو تحديد “اتجاه المفاوضات الحربية” وتقييم الوضع الميداني لمنع اتساع رقعة الدمار التي بدأت تؤثر فعلياً على سلاسل التوريد العالمية وأسعار الطاقة.
ومن جانبه، أوضح الوزير الباكستاني إسحاق دار أن المشاركين انخرطوا في “حوارات عميقة ومفصلة” حول سبل الوصول إلى نهاية مبكرة ومستدامة للحرب. ومع ذلك، لم تكن هذه النبرة الدبلوماسية الهادئة تعكس بالضرورة الواقع على جبهة طهران، إذ نُشر أن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، خرج بتصريح ناري في نفس توقيت الاجتماع، واصفا هذه التحركات بأنها “غطاء” للأهداف الأمريكية الحقيقية، ومؤكدا أن إيران لا تزال تنتظر أي محاولة لهجوم بري “لتلقين الأعداء درسا لن ينسوه”، وهو ما عكس وجود تيار متشدد داخل طهران لا يثق في المبادرات التي قد تراها واشنطن فرصة لفرض شروطها.

عقدة مضيق هرمز: الاقتصاد كسلاح للمفاوضات
لم يغب ملف مضيق هرمز عن طاولة النقاش، بل كان المحرك الرئيس للمخاوف الاقتصادية للدول المجتمعة. فمنذ بدء الهجمات الجوية الأمريكية والإسرائيلية في أواخر فبراير/شباط 2026، فرضت إيران قيودا مشددة على حركة السفن في المضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز المسال في العالم.
وفي هذا السياق، كشف التقرير أن الوسطاء في إسلام آباد ناقشوا مقترحا تقنيا لتدوين “مدونة سلوك” لإدارة حركة المرور في المضيق، تشبه في جوهرها نموذج رسوم العبور في قناة السويس، وذلك لضمان تدفق الطاقة مقابل ضمانات أمنية وسيادية لإيران.
وقد بدت بوادر نجاح الوساطة الباكستانية واضحة عندما وافقت طهران، كبادرة حسن نية، على السماح لـ 20 سفينة تجارية ترفع العلم الباكستاني بالمرور عبر المضيق، مما أعطى إشارة إيجابية إلى أن طهران مستعدة لتقديم تنازلات تكتيكية للدول التي تعتبرها “صديقة” وموثوقة.
صراع القوائم: الـ 15 بندا الأمريكية مقابل الشروط الإيرانية الـ 5
تتمثل العقدة الكبرى في المفاوضات في التباين الجذري بين ما تقدمه واشنطن وما تشترطه طهران. فوفقا لمصادر دبلوماسية، قدمت الولايات المتحدة قائمة تضم 15 بنداً كإطار لصلح محتمل، وهي القائمة التي وصفها قاليباف بأنها مجرد “أمنيات أمريكية” لم تتحقق في ميدان الحرب فجاءت واشنطن تبحث عنها في أروقة الدبلوماسية.
في المقابل، صاغت طهران شروطها الخمسة غير القابلة للتفاوض، والتي تتمحور حول وقف فوري وشامل لعمليات الاغتيال واستهداف المسؤولين، والحصول على ضمانات “عينية” تمنع تكرار العدوان مستقبلا، بالإضافة إلى بند شائك يتعلق بدفع تعويضات وغرامات عن خسائر الحرب.
والشرط الأكثر تعقيدا كان المطالبة بإنهاء الحرب في كافة الجبهات الإقليمية بما يشمل حلفاءها في “محور المقاومة”، وهو ما يضع الوسطاء أمام تحدي ربط الملفات الإقليمية المعقدة في سلة واحدة.
باكستان والمهمة المستحيلة: استعادة الثقة مع البيت الأبيض
يمثل هذا الحراك عودة دراماتيكية لباكستان إلى مسرح الأحداث العالمي كلاعب محوري، بعد سنوات من العزلة النسبية. فقد استطاع الثنائي (شهباز شريف وعاصم منير) بناء جسور ثقة غير متوقعة مع إدارة دونالد ترامب في ولايته الثانية. فبعد أن وصف ترامب باكستان سابقاً بأنها دولة “مخادعة”، عاد ليشيد بـ “المارشال المحبوب” عاصم منير، وذلك نتيجة تعاون استراتيجي خلف الكواليس شمل ملفات أمنية واقتصادية، وحتى صفقات في قطاع العملات الرقمية والمعادن.
هذا التحول سمح لباكستان بأن تكون القناة الرسمية الوحيدة لنقل “قائمة الـ 15” من واشنطن إلى طهران، مما عزز مكانتها كطرف “تسهيلي” يمتلك مفاتيح الحديث مع الصقور في البيت الأبيض والقيادة في طهران على حد سواء، وهو دور لا تمتلكه حتى قوى إقليمية كبرى أخرى في الوقت الحالي.

البيان الختامي: البحث عن “ميكانيكا” للتنفيذ
في ختام الاجتماع، أصدر الوزراء بيانا مشتركا أكدوا فيه أن “الدبلوماسية والحوار” هما المساران الوحيدان لإنهاء الأزمة وتحقيق سلام مستدام. وأعلن الوزير إسحاق دار عن اتفاق الرباعية على تشكيل لجنة مشتركة من كبار المسؤولين لوضع “أطر إجرائية” لتنفيذ التفاهمات.
اللافت في البيان كان الإشارة الصريحة إلى “وحدة الأمة الإسلامية” في مواجهة التحديات، وهو مصطلح يحمل دلالات سياسية قوية تهدف إلى الضغط على واشنطن وإسرائيل لإدراك أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى اصطفاف إقليمي واسع.
كما أشار دار إلى تواصله مع وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، الذي أعرب عن دعم بكين الكامل للمبادرة الباكستانية، مما يمنح هذا الحراك غطاءً دولياً من القوى العظمى المنافسة لواشنطن، ويضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط دولية متزايدة لقبول التسوية.
مستقبل الصراع: بين التفاؤل الحذر وطبول الحرب البرية
رغم الأجواء الإيجابية النسبية التي سادت في إسلام آباد، إلا أن المشهد لا يزال محفوفا بالمخاطر. فبينما يتحدث الوزراء عن السلام، تستمر الولايات المتحدة في حشد قواتها المظلية وتجهيز تفويضات للتدخل البري المحتمل.
يرى المحللون أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة؛ فإما أن تتحول “منصة إسلام آباد” إلى مقر لمفاوضات مباشرة بين ممثلين رفيعي المستوى (يُشاع أنهم جي دي فانس من الجانب الأمريكي ومحمد باقر قاليباف من الجانب الإيراني)، أو أن الشروط التعجيزية المتبادلة ستؤدي إلى انهيار المساعي الدبلوماسية وانتقال الصراع إلى مرحلة “الالتحام البري”.
إن رهان باكستان اليوم ليس فقط على إنهاء الحرب، بل على إثبات قدرتها كدولة نووية وإقليمية على صياغة توازنات القوى في منطقة لا تعترف إلا بلغة القوة، وفي صراع تجاوزت أبعاده الحدود الجغرافية ليصبح صراعا على شكل النظام العالمي الجديد.

