- زاد إيران - المحرر
- 744 Views
أعاد قرار البرلمان الإيراني الأخير بشأن الحد القانوني للمهر الجدل القديم الجديد حول علاقة التشريعات بالواقع الاجتماعي والاقتصادي، وحول قدرة المنظومة القانونية على تحقيق التوازن بين حماية حقوق المرأة وبين معالجة ظاهرة السجناء الماليين، فبينما يقدم القرار على أنه خطوة ضرورية للحد من الأحكام الجنائية المرتبطة بالديون، يرى معارضوه أنه يمس جوهر الضمانات القليلة المتبقية للمرأة في إطار الأسرة الإيرانية.
ولم يكن رد الفعل الشعبي والإعلامي أقل حدة، إذ انقسم الشارع الإيراني بين مؤيدين يعتبرون الخطوة ضرورة إصلاحية في ظل الأوضاع الاقتصادية، ومعارضين يرون أنها تفاقم هشاشة النساء وتزيد من اختلال ميزان القوى داخل الأسرة، وفي خضم هذا الجدل، برزت مواقف متعددة لنواب البرلمان، كما صدرت تصريحات حادة من معارضين ونشطاء اجتماعيين وقانونيين وسياسيين، جعلت من القضية واحدة من أكثر الملفات حضورا في النقاش العام خلال الأيام الأخيرة.
القرار البرلماني… الخلفيات والتفاصيل الكاملة
ففي الجلسة العلنية التي عقدت يوم الأربعاء 3 ديسمبر/ كانون الثاني 2025، صوت البرلمان الإيراني على تعديل جوهري في قانون تنفيذ الأحكام المالية والقانون المدني، قضى بخفض سقف المسؤولية الجنائية في مهر الزواج من 110 قطعة ذهبية بهار آزاد، وهي العملة الذهبية المتعارف عليها في السوق الإيراني وتعادل 8.1 جرام من الذهب عيار 22، إلى 14 قطعة فقط. وقد حصل التعديل على تأييد 177 نائبا، ليشكل بذلك أحد أبرز التحولات التشريعية في ملف طالما اعتبر حساسا على المستويين الاجتماعي والفقهي.

وجاء في نصّ التعديل أن المهر، إذا كان عند إبرام العقد حتى 14 قطعة من ذهب بهار آزادي أو ما يعادلها، فإن تحصيلها يتم وفق المادة 2 من قانون تنفيذ الأحكام المالية، أي أن للمرأة حق المطالبة بها مع إجراءات تنفيذية واضحة، أما إذا تجاوز المهر هذا الحد، فإن الجزء الزائد يفقد ضمانته الجنائية، ويصبح تحصيله خاضعا فقط لإثبات ملاءمة الزوج المالية، دون إمكانية اللجوء إلى الحبس أو السوار الإلكتروني، المراقبة الإلكترونية عن طريق وضع سوار في القدم وهو نظام معمول به في عدة دول، كأدوات ضغط.
وبذلك، فقد ألغى البرلمان السقف السابق البالغ 110 قطعة من الذهب، المعمول به وفق قانون حماية الأسرة لعام 2012، وكان هذا السقف يتيح للمرأة الضغط قانونيا في حال عجز الزوج عن الدفع، إذ كان بإمكان القضاء إصدار حكم بالسجن أو حتى الرقابة الإلكترونية على المدين، ومع التعديل الجديد، أصبح السجن ملغى تماما في قضايا المهر، واستعيض عنه بالسوار الإلكتروني فقط في حدود 14 قطعة، بينما لا يخضع ما فوقها لأي عقوبات جنائية.
هذا وقد علل البرلمان هذا التعديل بدافع السعي إلى تقليل عدد المحكومين بالسجن في قضايا مالية لا يقابلها منافع مباشرة، مثل التخلف عن دفع المهر والديات غير العمدية والضمان القهري، حيث تشير التقديرات التي قدمها بعض النواب خلال الجلسة إلى أن نحو 25 ألف سجين مالي في البلاد يندرجون ضمن هذه الملفات، رغم أن أرقام الرسمية تشير إلى أعداد أقل.
کذلك، فقد أكد عباس كودرزي، المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان، خلال تصريحات بهذا الشأن أن القرار لا يحد من مقدار المهر نفسه، إذ لا يزال بإمكان الطرفين الاتفاق على 100 أو 200 قطعة أو أكثر، لكن الضمانة التنفيذية هي التي جرى تقليصها، موضحا أن الهدف هو التفرقة بين الدين الشرعي، والضرورة الاجتماعية، وبين استخدام السجن كأداة عقابية لا تتناسب مع طبيعة هذا النوع من الالتزامات.

ورغم تمرير القانون في البرلمان، فإنه لا يصبح نافذا إلا بعد موافقة مجلس صيانة الدستور، وفقا للصلاحيات المعطاة للمجلس في الدستور الإيراني، ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة، نظرا لأن اعتراضا فقهيا قد يوقف سريان التعديل، خاصة أن المهر هو أحد الحقوق الشرعية التي توضع تحت بند عند المطالبة في الفقه الإسلامي الشيعي الإثنى عشري.
هذا وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد القى صباح اليوم نفسه، وذلك خلال لقائه مجموعة من النساء والفتيات، خطابا أكد فيه أن حقوق المرأة والرجل داخل الأسرة متساوية، وأن المرأة ليست عاملة في البيت بل مديرة له، وشدد على أن الإسلام يمنح المرأة والرجل قدرات متكافئة في المجالين الروحي والإنساني، ويحث المرأة على المشاركة في مختلف الأنشطة العلمية والسياسية والاجتماعية، كما انتقد النماذج الغربية التي تستغل قضايا المرأة لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية، داعيا إلى ترسيخ ميثاق الإسلام حول المرأة في المجتمع وتعزيز مكانة الأسرة كوحدة أساسية في البناء الإنساني.

مواقف النواب… تبريرات، هجمات، وتحذيرات حادّة
أثار القرار موجة واسعة من التصريحات داخل البرلمان، تراوحت بين الدفاع القوي عنه وتقديم التبريرات الاقتصادية والفقهية، وبين الهجوم اللاذع عليه واتهامه بتقويض الأسرة وتمييع حقوق النساء، فقد قال كودرزي أن بعض وسائل الإعلام قد حرفت القرار، مؤكدا أن البرلمان لم يحدد قيمة المهرية بـ 14 قطعة ذهب، بل حد من السقف الجنائي فقط، كما أوضح أن السجن ليس مكان المدين غير العمدي الذي لم يحصل على مقابل مالي، معتبرا أن الاكتفاء بالسوار الإلكتروني هو حل وسط يحقق العدالة ويقلل أعباء السجون.

وأضاف أن تعديل القانون يتماشى مع مبادئ رفع الضرر في الشريعة، موضحا أن العقوبة الجنائية للمهور التي تتجاوز 110 قطعة كانت في كثير من الأحيان تدخل رجالا غير قادرين على السداد إلى السجن، مما يؤدي إلى انهيار الأسر بدل حمايتها.
أما النائب علي آذري، صاحب المقترح الأصلي والمتحدث باسم اللجنة القانونية والقضائية في البرلمان، فقد اعتبر أن القانون الجديد ينسجم مع الالتزامات الدولية لإيران، خاصة المادة 11 من الميثاق الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحظر سجن الأفراد بسبب ديون مالية، وأكد آذري أن الهدف ليس سلب حقوق النساء، بل وضع حد لمعاناة الآلاف من السجناء الذين لم يقابلوا الدين بأي منفعة شخصية، مضيفا أن المرأة ما تزال تملك حقها الكامل فيما فوق 14 قطعة إذا ثبتت قدرة الزوج.

وفي الاتجاه نفسه، حاولت زهرا خداداي، رئيسة تكتل النساء في البرلمان، تهدئة المخاوف، مؤكدة أن القانون لا يغير الحقوق المالية للمرأة على الإطلاق، بل ينظم آليات التنفيذ فقط، لكنها في الوقت نفسه اعترفت بأن جزءا مهما من القانون استهدف منع فرار الدين، أي لجوء بعض الرجال إلى نقل ممتلكاتهم لأقاربهم قبل صدور الحكم، مؤكدة أن هذا الطريق سيتم إغلاقه بموجب التعديلات الجديدة.

لكن هذه التبريرات لم تمنع بروز انتقادات قوية داخل قاعة البرلمان، فقد كانت النائبة سارا فلاحی من أشد المعارضين لهذا التعديل، موجهة خطابا لاذعا إلى الحكومة والبرلمان، متسائلة” ألم يكن من الأجدر بدل إنقاذ 1800 سجين مهر أن نحاسب المدينين بالعملات الأجنبية ومن دمروا اقتصاد البلاد؟”، فيما صرحت فلاحی أن القرار يفتح الباب أمام الرجال الميسورين لإقامة حياة سرية والتهرب من مسؤولياتهم، فيما تزداد هشاشة النساء.

وفي سياق مشابه، جاءت مداخلة سمیه رفیعی، التي اعتبرت أن القرار يخالف توجيهات قائد الثورة بشأن حماية الأسرة، وصرحت بأن محدودية المهر عند 14 قطعة وطرح مبدأ عند الاستطاعة بدل عند المطالبة يهددان بنسف مؤسسة الأسرة من أساسها”، كذلك طالبت رفیعی رئيس البرلمان، محمد باقر قالیباف بالتدخل، مشيرة إلى أن الثقة بالبرلمان تتلاشى مع مثل هذه القوانين، داعية إلى إعادة النظر في المشروع قبل وصوله إلى مجلس صيانة الدستور.

المعارضة خارج البرلمان… القلق من إضعاف آخر خطوط الدفاع النسائي
لم تقتصر موجة الرفض على النواب، بل امتدت إلى خبراء القانون، والنشطاء الاجتماعيين، والباحثين في شؤون المرأة، الذين اعتبروا أن القرار يشكل انقلابا على حقوق النساء في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وفوارق هيكلية في سوق العمل والدخل والإرث.
حيث وصفت الدكتورة سيمين كاظمي، عالمة الاجتماع، القرار بغير الشرعي، ذلك أنه يمس أحد الحقوق التي يضمنها الشرع للمرأة منذ قرون، وأوضحت أن المهر في المجتمع الإيراني ليست مجرد التزام مالي، بل وسيلة دفاعية للنساء اللواتي يعانين من ضعف الفرص الاقتصادية وقلة الدخل المستقل، مضيفة أن محدودية المهر ستدفع آلاف النساء إلى مواجهة الطلاق أو النزاعات الأسرية دون أي سند مالي.

وترى كاظمي أن المشكلة ليست في وجود رجال يدخلون السجن بسبب العجز عن الدفع، بل في غياب إصلاح شامل لقوانين الأسرة التي تمنح الرجال ميزات واسعة في الطلاق، الحضانة، والإرث، فيما لا تمنح المرأة سوى بضعة أدوات حماية، أبرزها المهر، ومع إضعاف هذا السلاح، يصبح وضع المرأة أقرب إلى الكارثة، لا سيما في ظل غياب دعم حكومي حقيقي.
كما أكدت كاظمي أن النساء في إيران يعانين من فجوة اقتصادية كبيرة بالفعل، فمعظمهن بلا عمل ثابت، ودخولهن أقل، وحصتهن من الإرث نصف الرجل، وفي كثير من المناطق يجبرن على التنازل عنه، وفي مثل هذه الظروف، فإن حرمان المرأة من ضمانات تنفيذ المهر يعني دفعها نحو الفقر، وبالتالي زيادة الظواهر الاجتماعية الخطيرة مثل العنف، والتشرد، واستغلال المرأة.

من جانب آخر، رأت آذر منصوري، رئيس جبهة الإصلاحات الإيراني، أن قانون المهر الجديد لن يحل أي أزمة، بل يكشف عن عجز النظام التشريعي عن فهم جذور المشكلات التي تواجه النساء»، وأضافت أن المهر ليست سبب المشكلة، وإنما هي انعكاس لبنية اجتماعية غير عادلة، معتبرة أن البرلمان تجاهل التجارب الناجحة لدول مسلمة مثل تونس، التي أصلحت قوانين الأسرة بطريقة متوازنة تحفظ حقوق الطرفين.

أما إحسان صالحی، الناشط الإعلامي، فقد تساءل” كيف يتوافق تحديد حق المرأة في استيفاء مهر بـ 14 قطعة من الذهب مع العدالة التي تحدث عنها قائد الثورة اليوم؟ واعتبر أن المهر واحدة من أساسيات الحماية القليلة المتبقية للمرأة، في وقت ما يزال قانون أمن النساء معلقا منذ سنوات.

أعاد خفض السقف القانوني للمهريّة الجدل إلى الواجهة حول العلاقة بين التشريع والعدالة الاجتماعية، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وتفاوتات بنيوية تؤثر بشكل مباشر في أوضاع النساء. وبينما يرى المؤيدون أن القرار يخفّف الضغط عن السجون ويمنع العقوبات غير المبررة، يعتبر المعارضون أنه يضعف أحد آخر خطوط الدفاع المتاحة للنساء في مجتمع لا تزال فيه الفوارق القانونية والاقتصادية قائمة. ومع انتظار قرار مجلس صيانة الدستور، يبقى السؤال الأهم: هل يمثل التعديل خطوة إصلاحية، أم بداية أزمة اجتماعية جديدة ستتضح ملامحها في السنوات المقبلة؟

