دبلوماسي بارز: إيران تستفيد من تفعيل آلية الزناد لتعزيز علاقاتها مع الشرق السياسي

أجرت صحيفة فرهيختكان الأصولية، الاثنين 29 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع محسن باك آیین، الدبلوماسي المخضرم وخبير الشؤون الدولية، حول فرص إيران الدبلوماسية في ضوء تفعيل آلية الزناد، وفي ما يلي نص الحوار:

ما تأثير تفعيل آلية الزناد على تعاملات إيران مع الدول خارج كتلة الغرب؟

إن تفعيل آلية الزناد خلق فضاء جديدا للدبلوماسية الإيرانية وفرصا أوسع للأنشطة الدبلوماسية، وهذا الفضاء ذو أهمية خاصة لتعزيز العلاقات مع الدول الصديقة والحلفاء الذين وقفوا إلى جانب إيران ودعموها خلال عقوبات الغرب، وهذه الدول تمثل إمكانات كبيرة للتعاون المستقبلي مع إيران يمكن الاستفادة منها بشكل فعال.

ويمكن لهذه الظروف أن تساعد إيران على استغلال الفرص المتاحة وتقوية علاقاتها مع الشرق، والذي لا يعني فقط شرق آسيا جغرافيا، بل الشرق السياسي، أي الدول التي لها خلافات أساسية مع الغرب، وفي الواقع، ربما يكون التعبير الأنسب هو الجنوب العالمي، وضمن هذا الإطار، تمتلك إيران إمكانات واسعة للتعاون مع هذه الدول.

الذي لا يقتصر على شرق آسيا جغرافيا، بل يشمل الشرق السياسي، أي الدول التي لها خلافات أساسية مع الغرب، وضمن هذا الإطار، تمتلك إيران إمكانات واسعة للتعاون مع هذه الدول ضمن ما يمكن تسميته بالجنوب السياسي.

ولقد تحررنا من الوضع الخاص الذي كنا فيه، أي مفاوضات الملف النووي التي استهلكت منا وقتا وجهدا كبيرين، ولم نعد نتفاعل مباشرة مع الدول الأوروبية الثلاث، ألمانيا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وإذا رغبنا في التواصل مع أوروبا، سيكون ذلك مع دول غير هذه الثلاث، أما مع الولايات المتحدة، فلم يكن هناك أي تواصل مباشر منذ البداية.

وعندما نستبعد هؤلاء الفاعلين من دائرة سياستنا الخارجية، ندرك أن هناك عالما واسعا من الفرص والإمكانات أمامنا ربما تجاهلناه سابقا أو لم نولِه الاهتمام الكافي، وأعتقد أنه لا ينبغي حتى الرد على اتصالات بعض الدول الأوروبية التي تصرفت بعد سنوات من العداء والخيانة في الدبلوماسية تجاه إيران، وبهذا يمكننا تجاوز هذه المرحلة، واستغلال الإمكانات المتاحة لتعزيز مكانتنا في النظام العالمي الجديد.

وبهذا النهج، ستتمكن إيران من الاستفادة القصوى من هذه الفرص، وأعتقد أن الإجراءات الأخيرة لأوروبا والولايات المتحدة في تفعيل آلية الزناد تجعل من الضروري خروج هذه الدول بالكامل من دائرة التعاونات والعلاقات الدولية الإيرانية.

كيف تُفعّل مسارات فتح نافذة في جدار العقوبات المفروضة على إيران؟

يجب أن تركز الدبلوماسية الإيرانية من الآن فصاعدا على تعزيز العلاقات مع الدول الصديقة والمتفقة مع سياساتها، وفي هذا الإطار، تحتل الصين مكانة خاصة باعتبارها أكبر شريك اقتصادي لإيران، والتي دعمتها منذ انتصار الثورة في المجالات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وتعد من الشركاء الرئيسيين لطهران.

وبعد الصين، تأتي روسيا كثاني شريك مهم لإيران على الساحة الدولية، لا سيما في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما أن روسيا، بوصفها أكبر جارة لإيران، تشترك مع إيران في العديد من القضايا، وكلا البلدين يتعرضان لضغوط العقوبات الغربية الجائرة، ولهما مواقف مشتركة في العديد من القضايا الإقليمية والدولية، ما يهيئ الأرضية لتعاون واسع في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وإلى جانب تعزيز العلاقات مع الصين وروسيا، تكتسب العلاقات مع جيران إيران أهمية خاصة، وحاليا، تتمتع إيران بأفضل مستويات التعاون مع دول الجوار، بما في ذلك الدول العربية في الخليج، التي أظهرت رغبة متزايدة في التعاون مع إيران نتيجة للتفاعلات الدبلوماسية الإيجابية، وأيضا بسبب سياسات النظام الإسرائيلي ومشاريع مثل فكرة إسرائيل الكبرى.

أما الدول غير العربية في المنطقة، مثل جيران إيران في القوقاز وجنوب آسيا، إضافة إلى باكستان وأفغانستان، فتتمتع بإمكانات كبيرة للتعاون، ويمكن اعتبارها شركاء رئيسيين ضمن الدبلوماسية الإقليمية الإيرانية لتعزيز مكانة إيران في المنطقة والعالم، وحاليا، تدعم إيران دولا إسلامية يمكن أن تتحوّل إلى شركاء فاعلين، مثل مصر وتركيا والسعودية، التي تشكل مع إيران أربع قوى رئيسية في العالم الإسلامي. 

كما تضم منطقة شمال إفريقيا ودول صديقة في الولايات المتحدة اللاتينية وأفريقيا مجموعة واسعة من الدول التي يمكنها التعاون مع إيران في هذه المرحلة.

على رغم العقبات الغربية ومحاولات الولايات المتحدة لقطع تعاون الدول مع إيران، ما المؤشرات على قدرة إيران على مواجهة الضغوط وتعزيز علاقاتها؟

بالطبع، هذا لا يعني أنه يجب التغاضي تماما عن معوقات الغرب، إذ إن الدول الغربية لم تتبنَّ موقفا إيجابيا تجاه إيران منذ انتصار الثورة، ولم تكن يوما شريكا موثوقا لنا، ومع ذلك، يمكن لإيران أن تعزز علاقاتها بالاعتماد على الدول الصديقة والقريبة، إضافة إلى الاستفادة من قدرات بعض الاتحادات والمؤسسات الدولية والإقليمية. 

ومن الأمثلة على ذلك، منظمة شنغهاي للتعاون، ومجموعة بريكس، ومنظمة التعاون الاقتصادي إيكو، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وحركة عدم الانحياز، التي توفر إمكانات كبيرة للتعاون.

وفي ظل الظروف العالمية الحالية، يتشكل تدريجيا نظام جديد يقوم على التعددية، حيث ستفشل الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية في فرض سيطرتها الأحادية، ولن تستطيع فرض أفكارها على الآخرين، بينما ستتعاون الدول المؤيدة للتعددية مع بعضها لدعم مصالحها المشتركة.

ولأن إيران تتمتع بموقع جيوسياسي فريد، كونها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وبين المسيحية والإسلام، وبين آسيا وأوروبا وأفريقيا، فهي تحظى بأهمية خاصة، وهذا الموقع يجعل إيران محور اهتمام الدول الصديقة في مجالات متعددة، بما فيها التجارة والطاقة، وباعتقاد الخبير، فإن آلية الزناد توفر فرصة لإيران لاستغلال الإمكانات التي أهملت خلال العقد الماضي بسبب التركيز المفرط على ملف الاتفاق النووي. 

ومن الآن فصاعدا، تقع على عاتق الدبلوماسية الإيرانية مسؤولية تفعيل هذه الإمكانات بذكاء، ضمن إطار المبادئ والحفاظ على استقلال النظام، ومواصلة تحقيق الأهداف الوطنية.

ما العلامات التي تدل على قدرة إيران على تنويع شركائها النفطيين وتعزيز موقعها عالميا، وتأثير ذلك على مواجهة الدول لضغوط الغرب ومسار التحول نحو التعددية؟

نشهد مؤشرات جديدة بعيدا عن الصين وروسيا، فعلى سبيل المثال، أعادت الهند، التي أوقفت مؤقتا مشروعها المشترك مع إيران في ميناء تشابهار تحت ضغوط الولايات المتحدة، مؤخرا بعد ثماني سنوات استئناف شراء النفط الإيراني، وهذا يعكس إمكانية تنويع عملاء النفط الإيراني، وهو أحد أهم اهتمامات إيران.

وتظهر هذه التحولات أن قدرة هذه الدول على مقاومة ضغوط الغرب تمنح إيران مجالا أكبر للتحرك الدبلوماسي والاقتصادي، مع العلم أن هذه التحديات قد تكون مؤقتة أحيانا، حيث تتعاون بعض الدول مع إيران أحيانا وتتوقف أحيانا أخرى.

وفي سياق التحول العالمي من أحادية الجانب إلى التعددية، نشهد تعزيز الحوكمة الوطنية والسيادة حتى في الدول الصغيرة، ما يجعل احترام السيادة ووحدة الأراضي أصيلا في سياسات الدول. 

فعلى سبيل المثال، قاومت بنما العقوبات الأمريكية الأولية، ولم تستطع الولايات المتحدة تنفيذ تهديداتها، كما أن دولا صغيرة أخرى مثل كومنولث دومينيكا وكوستاريكا والسلفادور، التي قطعت علاقاتها مع الصين سابقا لصالح تايوان تحت ضغط واشنطن، عادت مجددا للتعاون مع الصين.

أما بالنسبة للدول الكبرى، فهي أيضا لم تعد خاضعة لفرضيات القوى الكبرى، خصوصا الولايات المتحدة، كما تتزايد الخلافات داخل الغرب نفسه؛ ففي حلف الناتو هناك اختلافات بين الولايات المتحدة وبقية الأعضاء حول عضوية الدول وقضية أوكرانيا، وفي الاتحاد الأوروبي تمتنع معظم الدول عن قبول نفوذ القوى المتطرفة في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، كما أن الغرب يفتقر إلى الوحدة بشأن قضايا عالمية مثل فلسطين وغرب آسيا.

وهذا التشتت والانقسام في معسكر الغرب، إلى جانب زيادة استعداد الدول للدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها، يشكل عقبة أمام نجاح الأحادية، ويتيح لإيران الاستفادة من هذه التحولات لتعزيز موقعها في النظام العالمي الجديد.