- زاد إيران - المحرر
- 749 Views
كتب: سيد نيما موسوي
ترجمة: الترجمان
تُعدّ عملية كسر الحصار عن مدينة عبادان في سبتمبر/أيلول 1981 واحدة من أبرز محطات السنة الثانية للحرب الإيرانية العراقية. هذه العملية، المعروفة في إيران باسم “ثامن الأئمة”، شكّلت أول انتصار عسكري كبير لإيران بعد عام كامل من الهزائم المتتالية في بدايات الحرب.
وقد مثّل فكّ حصار عبادان في الذكرى السنوية الأولى لاندلاع الحرب نقطةَ تحوّل مفصلية، إذ مهّد الطريق أمام سلسلة من الانتصارات اللاحقة، كان أبرزها استعادة مدينة خرمشهر عام 1982.
التحولات الدولية عام 1981… كيف تغيّر ميزان القوى لصالح إيران؟
ما جعل الأجواء الدولية عام 1981 تميل لصالح إيران كان وقوعَ عدد من الأحداث البارزة على الساحة العالمية، فقد خسر جيمي كارتر، الذي كانت علاقته بالنظام الثوري الإيراني متوترة للغاية، الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 1980، ليحلّ مكانه رونالد ريغان.
وكان فريق السياسة الخارجية لريغان يتمتّع بعلاقات وثيقة مع هنري كيسنجر ويتبنّى موقفا أكثر مرونة تجاه إيران، ومع رحيل كارتر توقّف مشروع “نقاب” الذي كان يهدف إلى إعادة شابور بختيار، آخر رئيس وزراء في العهد البهلوي، إلى السلطة في طهران، فيما بدأ كيسنجر وفريقه المقرب يسعون إلى بناء تواصل مع التيار المعتدل في إيران بزعامة هاشمي رفسنجاني، وإقصاء العناصر الراديكالية، هذا التحوّل أفقد صدام حسين أحد أبرز داعميه في الغرب بعد أشهر قليلة فقط من اندلاع الحرب.
في المقابل، كانت الأوضاع في موسكو تتجه نحو الضعف؛ إذ غرق الاتحاد السوفيتي في مستنقع الحرب الأفغانية، ولم يعد قادرا على تقديم دعم شامل للعراق. كما كانت الأزمة الاقتصادية تتفاقم، ومع وفاة أليكسي كوسيغين، رئيس الوزراء المخضرم وأحد مهندسي معاهدة الصداقة الاستراتيجية بين موسكو وبغداد، تولّى نيكولاي تيخونوف المنصب وسط مشاكل اقتصادية متراكمة، لتتراجع أولوية الملف العراقي في أجندة السياسة السوفيتية.
في الوقت نفسه، عملت إيران على توسيع نفوذها عبر دعم الجماعات المتحالفة معها في العالم الإسلامي، ما أتاح لها كسب أوراق ضغط جديدة على القوى العظمى وتعديل مواقفها تجاه الحرب العراقية الإيرانية. فقد بلغ دعم طهران لـ المجاهدين الأفغان الذين يقاتلون السوفيت حدا جعلهم يفتحون مكتبا رسميا في شارع “وحدت إسلامي” بطهران.
كما أسّست إيران في مطلع ثمانينيات القرن الماضي حزب الله في لبنان كقوة قريبة منها، لتستخدمه كورقة ضغط ضد الدول المتحالفة مع صدام، وقد ساهم ذلك تدريجيا في تخفيف الموقفين الأمريكي والسوفيتي من دعم النظام العراقي. وكان خطف الرهائن الأمريكيين في لبنان على يد حزب الله من بين الأسباب التي أدّت لاحقًا إلى انطلاق مفاوضات “إيران – كونترا” في ثمانينيات القرن الماضي.

عامل آخر في تغيّر مسار الحرب
كان من بين العوامل البارزة التي ساهمت في تغيّر موازين الحرب عزل أبو الحسن بني صدر، أول رئيس للجمهورية في إيران بعد الثورة.
فعلى الرغم من دوره الكبير في الحفاظ على ما تبقّى من الجيش الإيراني بعد الثورة، إلا أنّه تعرّض لانتقادات واسعة بسبب عدم إيمانه بدور الحرس الثوري في إدارة الحرب، كما أن وجوده على رأس السلطة أدّى إلى توتر شديد في المشهد السياسي بطهران، بلغ ذروته في يونيو/حزيران 1981 حين اندلعت مواجهات مسلحة بين الأحزاب داخل العاصمة.
وبعد عزله وتوحّد مراكز القوة في طهران، ومع تنسيق الحرس الثوري والجيش للمرة الأولى، انطلقت أول عملية عسكرية مشتركة بين المؤسستين، وكان لها دور حاسم في تغيير مجريات الحرب بين أكتوبر/تشرين الأول 1981 ومايو/أيار 1982، وصولا إلى تحرير مدينة خرمشهر.
كانت مدينة عبادان أول محطة في هذا التحوّل، فهذه المدينة حوصرت منذ الأسابيع الأولى للحرب في أكتوبر/تشرين الأول 1980، لكونها منطقة استراتيجية بالغة الأهمية.
وتُعرف جزيرة عبادان منذ القدم بأنها مركز عسكري رئيسي في شمال الخليج العربي، ويُرجع بعض الباحثين اسمها إلى الكلمة البهلوية “أوباتان” التي تعني “القاعدة البحرية”، فيما يرى آخرون أن الاسم مشتق من “عباد بن حبطی”، أحد قادة جيش مصعب بن الزبير في العقود الأولى بعد الهجرة، والذي كان رئيس شرطة البصرة وامتلك قلعة عسكرية في المنطقة؛ ومن ثمّ يُعتقد أنّ اسم عبادان مستمد من اسمه.

وقبل اكتشاف النفط في خوزستان، كانت عبادان مركزا للنقل العسكري والتجارة، وخصوصا تجارة التمور والعبيد القادمين من أفريقيا، ومع اكتشاف النفط، ازدادت أهميتها وأصبحت أحد المراكز الأساسية لخبراء النفط الغربيين في إيران قبل الثورة، وكانت السيطرة على هذه المدينة هدفا قديما للعراق منذ عهد عبد الكريم قاسم، وقد سعى صدام حسين إلى تحقيق هذا الهدف عمليا.
في الموجة الأولى من الهجوم العراقي على إيران، وبعد أسابيع قليلة من اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 1980، نجحت القوات العراقية في السيطرة على طريقي عبادان–الأهواز وعبادان–ماهشهر، لتقطع بذلك طرق الإمداد المؤدية إلى المدينة، وتُحكم حصارها الكامل بعد سقوط خرمشهر، لتتحول عبادان إلى جزيرة استراتيجية معزولة.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1980، شدّد الإمام الخميني على ضرورة كسر حصار عبادان، بينما قدّم الحرس الثوري الإيراني إلى المجلس الأعلى للدفاع خطةً تحت اسم “حمزة” لتحرير الضفة الشرقية من نهر كارون، لكنّ هذه الخطة، وغيرها من العمليات اللاحقة، فشلت بسبب معارضة بني صدر.
وخلال تلك المرحلة، شنّ الجيش الإيراني أربع عمليات متتالية لكسر حصار عبادان — عملية جسر نادري، عملية الرابع من آبان، عملية نصر، وعملية توكل — غير أنّها جميعا باءت بالفشل، وقد كان فشل هذه العمليات الأربع سببا مباشرا في تراجع مكانة بني صدر في الصراع الداخلي على السلطة، وانتهى الأمر إلى عزله من منصبه.

ولادة أول نصر إيراني منسّق في حرب الخليج الأولى
بعد إقالة أبي الحسن بني صدر والتحوّلات السياسية التي شهدها صيف عام 1981، بدأت منذ سبتمبر/أيلول من العام نفسه مرحلة جديدة من توحيد القرار السياسي والعسكري في طهران، وفي هذا السياق، وُضع خطة فكّ حصار عبادان، التي شكّلت نقطة تحوّل كبرى في مجريات الحرب، إذ نُفّذت للمرة الأولى عملية عسكرية مشتركة اعتمدت استراتيجية مزدوجة جمعت بين تكتيكات القتال الكلاسيكي للجيش وأسلوب الحرب غير النظامية للحرس الثوري.
هذا الدمج بين الأسلوبين جعل القوات العراقية عاجزة عن صدّ الهجوم، إذ تشير التقارير إلى مقتل نحو ثلاثة آلاف جندي عراقي، فيما كان تقدّم القوات الإيرانية سريعا جدا إلى درجة أن بعض الوحدات كانت تنتظر زملاءها في المحاور الأخرى للحاق بهم إلى النقاط المحددة.
نُفّذت العملية على أربعة محاور رئيسية وهي: دارخوين، وفياضية، وطريق عبادان – ماهشهر، وحيّ ذو الفقاري.
وفي غضون ساعتين فقط من بدء العملية، تمكّنت القوات الإيرانية من فتح طريق عبادان – ماهشهر، أمّا في محور فياضية، فقد واجهت القوات الإيرانية اللواء السادس المدرع من الفرقة الثالثة العراقية، واستمرّ القتال هناك فترة أطول من المتوقع.
وفي جبهة ذو الفقاري، تشكّلت أولى خطوط الدفاع الإيرانية، في حين كانت الجبهة الحاسمة في دارخوين شرق آبادان، وهي المنطقة التي استخدمها العراق كنقطة انطلاق للتقدّم نحو خوزستان والسيطرة على طريق الأهواز – عبادان الحيوي.
لكن التقدّم السريع للقوات الإيرانية وكثافة النيران المدفعية أدّيا إلى استعادة دارخوين والطريق الاستراتيجي. ومن اللافت في هذه المعركة الاعتماد على المقاتلين المشاة في هذا المحور، وهو ما عُدّ ابتكارًا عسكريًا جديدًا في الحرب.

تميّزت عملية “ثامن الأئمة” خصوصًا بـ قوة القصف المدفعي الإيراني، حتى أن القائدين العراقيين خالد حسن النقيب ومحمد وتوت وصفا هذا العامل بأنه نقطة التفوق الإيراني في المعركة. كما أقرّ علي حسين العكاوي، قائد اللواء الثامن من الفرقة الثالثة العراقية، بفعالية الحصار الذي فرضته القوات الإيرانية، ويُروى أنه فرّ من الجبهة بعد اشتداد القصف في محور دارخوين.
كانت عملية “ثامن الأئمة” الأولى ضمن سلسلة من أربع عمليات كبرى نفّذتها القوات الإيرانية حتى أواخر مايو/أيار 1982، وأسهمت مجتمعةً في استعادة معظم الأراضي التي احتلها العراق خلال العام الأول من الحرب.
وشكّلت العملية أيضا منعطفا في تطور الحرس الثوري، إذ انتقل من كونه جهازا ذا طابع ثقافي واستخباري إلى قوة قتالية منظمة، فقد أدّت نتائج العملية إلى نمو قدرات الحرس بسرعة، حيث ضمّ بعد نحو تسعة أشهر 144 كتيبة قتالية تضمّ نحو 60 ألف متطوع، ليصبح قوة عسكرية موازية إلى جانب الجيش النظامي.
وشاركت في هذه العملية من جانب الجيش الإيراني الفرقة 77 خراسان، واللواء 37 المدرع من شيراز، والفرقة 16 المدرعة من قزوين، إلى جانب عدة كتائب مشاة من الحرس الثوري ووحدات من الدرك الإيراني.
أما على الصعيد الدولي، فقد ساعدت الانتصارات الإيرانية المتتالية في دفع بعض الدول العربية للعب دور الوسيط لإنهاء الحرب، في ظل تراجع الدعم العالمي للعراق بعد هزيمة جيمي كارتر في انتخابات الرئاسة الأمريكية وانشغال الاتحاد السوفيتي بحرب أفغانستان، وهو ما أسهم بدوره في تغيّر ميزان القوى لصالح إيران في العام الثاني من الحرب.

