- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 46 Views
كتب: الترجمان
تعيش المنظومة التعليمية في إيران اليوم حالة من “التعليق القسري” التي تجاوزت حدود الإجراءات الاحترازية المؤقتة لتتحول إلى ما يشبه السياسة الممنهجة. منذ أواخر عام 2025 وحتى منتصف عام 2026، بقيت ساحات المدارس وممرات الجامعات خالية من ضجيج طلابها، وانتقل التعليم إلى خلف شاشات باردة تفتقر لروح التفاعل الإنساني.
هذا التحول ليس مجرد استجابة لظروف طارئة كالحرب أو الأزمات الاقتصادية، بل هو مؤشر خطير على تراجع أولويات التعليم في أجندة الدولة. فبينما تفتح الإدارات الحكومية أبوابها بنسبة 100% للموظفين، تظل بوابات العلم مغلقة، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل جيل كامل يواجه “فقرا تعليميا” مزمنا، وسط تحذيرات الخبراء من أن “طبل الركود” الذي يُدق اليوم، سيُسمع صوته المزعج في مستقبل البلاد القريب.
تطبيع التعطيل: التعليم كخيار أخير في أجندة الدولة
يشير الخبراء التربويون، وعلى رأسهم محمد رضا نيك نجاد، إلى أن التعليم في إيران خرج عمليا من قائمة الأولويات الوطنية. لم يعد إغلاق المدارس مرتبطا فقط بجائحة أو خطر أمني داهم، بل أصبح الحل الأسهل والأقل تكلفة للحكومة لمواجهة أي أزمة، سواء كانت تلوثاً في الهواء، أو نقصا في الطاقة، أو اضطرابات سياسية.
هذا “الاستسهال” في نقل التعليم إلى الفضاء المجازي يعكس رغبة حكومية في خفض الإنفاق وتخفيف الضغط اللوجستي، حتى لو كان الثمن هو تدمير الجودة التعليمية. إن الدولة التي كانت تضع التعليم في المرتبة الثانية بعد الأمن الجاني، تبدو اليوم وكأنها استسلمت لفكرة أن التعليم يمكن تأجيله أو تقديمه بالحد الأدنى من الكفاءة، مما يخلق فجوة معرفية ستصعب معالجتها في العقود القادمة.

وهم التعلم الافتراضي: 80% من التعليم “خارج الخدمة”
الأرقام التي يطرحها المتخصصون تبدو صادمة؛ حيث يُقدّر أن نحو 80% من التعليم الافتراضي في إيران هو “تعطيل مقنع”. الطالب في هذا النظام يسجل حضوره الرقمي فقط، بينما يقضي وقته في النوم أو الانشغال بأمور أخرى بعيدة كل البعد عن المنهج الدراسي.
غياب الرقابة المباشرة وضعف التفاعل بين المعلم والطالب حوّل العملية التعليمية إلى مجرد إجراء شكلي. وفي ظل بنية تحتية متهالكة ومنصات محلية مثل “شاد” (SHAD) التي لا تقارن بالمعايير العالمية، يجد الطالب نفسه في بيئة مشتتة تقضي على ما تبقى من تركيزه.
هذا الانحدار ليس مجرد انطباع شخصي، بل تدعمه تقارير دولية تشير إلى تراجع مهارات القراءة والكتابة والحساب الأساسية بنسبة تفوق 60% حتى في الدول المتقدمة، فكيف هو الحال في دولة تعاني من قيود على الإنترنت وضعف في التجهيزات التقنية؟

تعميق الطبقية: التعليم “لمن يدفع أكثر”
لقد كشف التعليم الافتراضي عن وجه قبيح آخر يتمثل في تعميق الفوارق الطبقية بشكل غير مسبوق. فبينما تنص المادة 30 من الدستور الإيراني على مجانية التعليم، نجد أن التعليم اليوم أصبح سلعة تباع وتُشترى. المدارس الخاصة الميسورة توفر منصات متطورة ومعلمين خصوصيين لتعويض الفاقد التعليمي، بينما يصارع طلاب المدارس الحكومية في المناطق النائية والفقيرة للحصول على إشارة إنترنت ضعيفة أو جهاز لوحي بسيط.
وحتى منصة “شاد” التي يُفترض أنها مجانية، تتطلب تكاليف مخفية للاستفادة من كامل خدماتها. هذا الواقع خلق “يتما تعليميا” لفقراء البلاد، حيث يُترك ملايين الأطفال لمصيرهم، مما يؤدي بالضرورة إلى تسرب دراسي واسع النطاق وانخراط مبكر في سوق العمل غير المؤهل، وهو ما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي المستقبلي.

الآثار النفسية والاجتماعية: جيل خلف الشاشات
المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعلومات، بل هي المختبر الأول للنمو الاجتماعي والعاطفي. غياب التفاعل الجسدي واللعب الجماعي والمنافسة الصحية أدى إلى ظهور أعراض نفسية مقلقة لدى الطلاب، تتراوح بين الاكتئاب، والعزلة، والخمول الجسدي.
تروي الأمهات قصصا مؤلمة عن أطفال فقدوا شغف التعلم وأصبحوا يعانون من آلام جسدية نتيجة الجلوس الطويل أمام الأجهزة. المنزل، الذي كان يُفترض أن يكون ملاذاً للراحة، تحول إلى ساحة ضغط وتوتر حيث تضطر الأمهات للعب دور المعلم دون امتلاك الأدوات اللازمة، مما خلق حالة من الصراع المنزلي المستمر. هذا الجيل الذي ينظر إلى العلم عبر شاشة صغيرة، يفتقد للارتباط الإنساني الذي يبني الشخصية القيادية والمبدعة.

التناقض الإداري: المكاتب ممتلئة والفصول خاوية
يثير قرار عودة الموظفين إلى أعمالهم بنسبة 100% مع استمرار إغلاق المدارس والجامعات موجة من الغضب والارتباك. يرى المحللون أن هذا التناقض يكشف عن نية السلطة في السيطرة على الفضاءات العامة؛ فالمدارس والجامعات ليست مجرد أماكن للدراسة، بل هي مراكز للتجمع والتفاعل الاجتماعي الذي قد يثير القلق الأمني لدى السلطات.
لذا، فإن استمرار التعليم الافتراضي يخدم أهدافا سياسية وأمنية تتمثل في إبقاء الشباب في منازلهم وتفتيت الكتل الطلابية، بعيداً عن أي دوافع تربوية حقيقية. هذا التمييز بين “أمن الموظف” و”أمن الطالب” يعزز شعور انعدام الثقة بين المجتمع والدولة، ويجعل من التعليم كبش فداء للاستقرار الأمني الهش.
أزمة التقييم والامتحانات: شهادات بلا كفاءة
مع اقتراب نهاية العام الدراسي، تبرز معضلة الامتحانات والتقييم ككابوس يؤرق الطلاب وعائلاتهم. التصريحات المتضاربة من المسؤولين حول كون الامتحانات حضورية أو افتراضية تضع الجميع في حالة من عدم اليقين. التوجه نحو الامتحانات الافتراضية، رغم سهولته، يهدد بنسف معايير النزاهة العلمية ويؤدي إلى تضخم في العلامات لا يقابله نمو في المعرفة.
هذا التساهل في التقييم قد يُرضي البعض مؤقتاً، لكنه في الحقيقة يغش الطالب والمجتمع معا، حيث سيخرج إلى سوق العمل جيل يحمل شهادات ورقية خاوية من المهارات الحقيقية، مما يضعف القدرة التنافسية للبلاد على المستوى الدولي في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

غياب الرؤية الحكومية: الهروب إلى الأمام
بدلا من وضع خطط استراتيجية لـ “التعليم في ظل الأزمات“، تكتفي وزارة التربية والتعليم والجهات المعنية بإصدار تعميمات تبرر الوضع الراهن. لا توجد برامج دعم نفسي للطلاب، ولا مبادرات لتقليص المناهج بما يتناسب مع التعليم الافتراضي، ولا حلول جذرية لمشكلة الإنترنت في المناطق المحرومة.
الصمت الحكومي تجاه تدهور الكفاءة العلمية يُفسر على أنه رغبة في “الهروب إلى الأمام”، حيث يتم إغراق المنظومة في تفاصيل تقنية وإدارية ثانوية، متجاهلين الجوهر الذي ينهار يوما بعد يوم. إن المسؤولية تقع على عاتق الدولة لتكون أول القلقين على مستقبل أبنائها، لكن الواقع يظهر فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني المرير.
صرخة قبل فوات الأوان
إن ما يحدث في إيران اليوم هو “جريمة ناعمة” ترتكب بحق المستقبل. التعليم ليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه أو تحويله إلى نشاط هامشي، بل هو العمود الفقري لأي أمة تطمح للنمو والبقاء. إذا استمرت سياسة “تطبيع التعطيل” والاعتماد على تعليم افتراضي فاشل تقنيا وتربويا، فإن الثمن سيكون باهظا جدا: جيل مهزوز المعرفة، وفجوات طبقية لا يمكن ردمها، واقتصاد منهك بسبب نقص الكفاءات.
إن العودة إلى التعليم الحضوري ليست مجرد خيار تربوي، بل هي ضرورة وطنية وأخلاقية تتطلب شجاعة سياسية ورؤية واضحة تضع الإنسان وعقله فوق كل الاعتبارات المادية والأمنية المؤقتة. لقد حان الوقت لفتح الأبواب، قبل أن تنغلق العقول إلى الأبد.

