- زاد إيران - المحرر
- 575 Views
كتب: الترجمان
في لحظة سياسية فارقة، اختار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن يكسر الصمت الطويل المحيط بواحدة من أكبر ثغرات الاستنزاف في الاقتصاد الإيراني. لم يكن خطابه الأخير في محافظة “تشهار محال وبختياري” مجرد تصريح عابر، بل كان “إعلان حرب” صريحا ضد شبكات المصالح التي نمت وتغولت في ظلال سياسة “العملة التفضيلية”.
بكلمات اتسمت بالحدة والوضوح، وضع بزشكيان يده على الجرح النازف، كاشفا أن ما يسمى دعما للفقراء لم يكن في الحقيقة إلا جسرا لثراء فئة “المقربين” على حساب موارد الأمة.
العملة التفضيلية.. القناع الإنساني والواقع الفاسد
بدأت قصة “العملة التفضيلية” في عام 2018، في فترة حكومة الرئيس الأسبق حسن روحاني، حين خُصص الدولار بسعر 42000 ريال، ثم استمرت في عهد الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي وبداية عهد بزشكيان بسعر 285000 ريال، بينما يقترب سعر السوق الحرة من أرقام مضاعفة.
كان الهدف المعلن إنسانيا بامتياز وهو استيراد القمح، والدواء، والمدخلات الزراعية بأسعار رخيصة لضمان عدم تأثر موائد الفقراء بالعقوبات. لكن الأرقام التي أوردها الرئيس والتقارير الرقابية ترسم صورة مغايرة تماما.
لكن قد تبخر الدعم، فتشير بيانات البنك المركزي إلى أن 30% فقط من المليارات المنفقة وصلت فعليا إلى السعر النهائي للمستهلك، فبدلا من توفير السلع، أدت هذه السياسة إلى قيام المستوردين بتخزين السلع أو إعادة تصديرها للحصول على العملة الصعبة وبيعها في السوق السوداء.
إضافة إلى تدمير الإنتاج المحلين فلم يعد المزارع الإيراني قادرا على منافسة السلع المستوردة بمدفوعات مدعومة، مما أدى إلى شلل في قطاعات الزراعة وتربية المواشي.
خريطة المستفيدين.. من هم “مديرو الهدر”؟
في كشفه المثير، أشار بزشكيان إلى “مافيا” منظمة تعترض طريق الإصلاح. هؤلاء ليسوا مجرد تجار، بل هم شبكات متغلغلة في مفاصل الدولة والقطاع الخاص وهم عبارة عن:
كبار المستوردين (أباطرة العلف): تسيطر شركات معدودة على استيراد الذرة وفول الصويا. هؤلاء يحصلون على الدولار الرخيص، ثم يبيعون الأعلاف للمربين بأسعار السوق الحرة، مما يتسبب في قفزات جنونية بأسعار اللحوم والدواجن.
كارتيلات الدواء: رغم حساسية هذا القطاع، كشف بزشكيان أن ريع العملة التفضيلية في الدواء يذهب لجيوب شركات استيراد كبرى بدلا من خفض تكلفة العلاج للمرضى.
اللوبيات السياسية: هناك 51 نائبا في البرلمان وقعوا رسائل تعارض إلغاء هذا الدعم بحجة “الخوف من التضخم”، لكن المحللين يرون في هذا التحرك غطاء سياسيا لحماية المصالح التجارية المرتبطة بدوائرهم الانتخابية أو نفوذهم الاقتصادي.

الجراحة القيصرية.. إلغاء سعر 285000 ريال
أعلن بزشكيان بوضوح أن حكومته تتجه لإلغاء سعر الصرف المدعوم وتوجيه الدعم مباشرة إلى “حلقة الاستهلاك النهائية”. هذه الخطوة تعني توفير 10 مليارات دولار سنويا، هذا المبلغ الضخم، الذي كان يذهب كأرباح للمهربين والمستوردين، سيعود لخزينة الدولة أو يُوزع كدعم نقدي مباشر.
إضافة إلى العدالة التوزيعية، فبدل أن يستفيد الغني (الذي يستهلك أكثر) من دعم السلع، سيحصل الفقير على حصة نقدية متساوية تساعده على مواجهة تقلبات الأسعار. وتحفيز الإنتاج، فعندما يتوحد سعر الصرف، يصبح المنتج المحلي منافسا قوياً، وتتوقف عمليات التهريب العكسي للسلع المدعومة إلى خارج الحدود.
هل تحتمل الجبهة الداخلية تبعات الجراحة القيصرية؟
على الرغم من الجدوى الاقتصادية النظرية التي يبشر بها فريق بزشكيان، إلا أن المسار نحو الإصلاح يظل محفوفا بالألغام السياسية والاجتماعية التي قد تنفجر في أي لحظة. تبرز الصدمة السعرية كأكبر التهديدات المباشرة، حيث تشير التقديرات إلى قفزة فورية في أسعار البروتينات والأدوية الأساسية بنسبة قد تتجاوز 50%، وهو أمر قد يتحول في بلد يئن تحت وطأة التضخم المزمن إلى وقود لاحتجاجات شعبية يصعب التنبؤ بمدى اتساعها.
وفي محاولة لامتصاص هذا الغضب، تراهن الحكومة على اختبار “البطاقة الإلكترونية” والتموين الرقمي كآلية لتعويض الفئات الهشة، غير أن نجاح هذا الرهان يظل رهينا بمدى دقة البيانات اللوجستية والقدرة الفعلية على كبح جماح السوق السوداء التي تقتات على ندرة السلع.
علاوة على ذلك، تسود مخاوف جدية من أن يؤدي إلغاء السعر المدعوم إلى فقدان السيطرة على سعر الصرف في السوق الحرة، مع توقعات تشير إلى إمكانية وصول الدولار إلى عتبة قياسية.
إن حدوث مثل هذا السيناريو قد يدفع الاقتصاد الإيراني للدخول في حلقة مفرغة من التضخم الحلزوني، حيث تلتهم زيادات الأسعار أي دعم نقدي تقدمه الدولة، مما يضع الجبهة الداخلية أمام اختبار قاص لم يسبق له مثيل في ظل الظروف الراهنة.
رسالة سياسية لإعادة صياغة السردية الوطنية
تتجاوز تصريحات بزشكيان الجريئة الأرقام الاقتصادية لتشكل رسالة سياسية عميقة موجهة للداخل والخارج على حد سواء. فمن خلال إلقاء اللوم في الأزمات المعيشية على “الداخل” وتصريحه الشهير “لا تبحثوا عن أمريكا؛ المقصرون هم المديرون الداخليون”، يسعى الرئيس إلى تفكيك السردية التقليدية التي دأبت لسنوات على تعليق كافة الإخفاقات على شماعة العقوبات الخارجية.
هذا الطرح يمثل محاولة جادة لبناء “شرعية إنجاز” جديدة تقوم على مكافحة الفساد البنيوي وتطهير الإدارة من “مديري الهدر”، مراهناً على أن الشفافية والمكاشفة هما الطريق الوحيد المتبقي لاستعادة ثقة الشارع المتآكلة وإعادة ترتيب البيت الداخلي قبل فوات الأوان.

لا تبدو معركة بزشكيان ضد “دولة الريع” مجرد ملف اقتصادي تقني بقدر ما هي اختبار بنيوي لطبيعة السلطة ذاتها في إيران. فسياسة العملة التفضيلية، كما يكشف هذا السجال، لم تكن خطأً في التقدير بقدر ما تحولت عبر الزمن إلى نظام مصالح متكامل، أعاد إنتاج نفسه داخل مؤسسات الدولة، وربط بين المال والسياسة والبيروقراطية في شبكة يصعب تفكيكها دون تكلفة باهظة.
الرهان الحقيقي هنا لا يكمن في إلغاء سعر صرف أو إعادة توجيه دعم، بل في قدرة الدولة على الانتقال من اقتصاد قائم على الامتياز إلى اقتصاد قائم على القواعد. وهذا انتقال لا يُقاس بنجاح قرار واحد، بل بمدى استمرارية الإرادة السياسية أمام أول موجة ضغط مثل: تضخم، أو احتجاج، أو ابتزاز برلماني. فالتاريخ الاقتصادي الإيراني — كما في دول ريعية أخرى — يُظهر أن كل محاولة لكسر منظومة الدعم المشوهة اصطدمت في النهاية إما بخوف السلطة من الشارع، أو بقدرة شبكات المصالح على الالتفاف على الإصلاح.
وفي هذا السياق، يصبح خطاب بزشكيان عن “المديرين الداخليين” سيفا ذا حدين. فمن جهة، هو كسرٌ نادر للمحرّم السياسي المتمثل في الاعتراف بالفساد الداخلي كعامل أساسي للأزمة، وليس مجرد نتيجة للعقوبات. ومن جهة أخرى، يضع الرئيس في مواجهة مباشرة مع طبقة إدارية–اقتصادية تمتلك من الأدوات ما يكفي لتعطيل الإصلاح أو تفريغه من مضمونه، عبر السوق السوداء، أو الإعلام، أو حتى الشارع.
السيناريو الأخطر لا يتمثل فقط في ارتفاع الأسعار، بل في فقدان التوازن بين المكاشفة والقدرة التنفيذية. فإذا سبقت الصراحةُ القدرةَ على الحماية الاجتماعية، تحولت الجرأة إلى عبء سياسي، وقد يُعاد إنتاج الخطاب الشعبوي القديم، لكن هذه المرة ضد الإصلاح نفسه. أما إذا نجحت الحكومة في بناء شبكة أمان حقيقية، وضبط السوق، وتقديم نموذج ملموس للعدالة التوزيعية، فإن بزشكيان قد يكون بصدد إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن بعد سنوات من فقدان الثقة.
في النهاية، نحن أمام لحظة فاصلة، إما أن تُفتح ثغرة حقيقية في جدار “دولة الريع” تسمح بتراكم إصلاحي تدريجي، أو أن تتحول هذه المواجهة إلى مجرد فصل عابر في تاريخ طويل من محاولات الإصلاح المؤجلة.
لكن المؤكد أن بزشكيان — بخطابه ومكاشفته — قد نقل الصراع من الكواليس إلى العلن، وجعل السؤال مطروحا على الجميع: من يحكم الاقتصاد الإيراني فعليا… الدولة أم شبكات الريع؟
والإجابة على هذا السؤال لن تُكتب في الخطابات، بل في الشهور القليلة القادمة، حين تُختبر الإرادة السياسية تحت ضغط الشارع، والسوق، و”مديري الهدر” معا.

