إيران والولايات المتحدة: هل تفتح بغداد نافذة جديدة على مسار التفاوض؟

Image

كتب: الترجمان

في وقت تبدو فيه قنوات التواصل بين إيران والولايات المتحدة شبه مجمّدة، وتخيّم أجواء الشك وانعدام الثقة على أي حديث عن عودة قريبة إلى طاولة المفاوضات، برزت بغداد مجددا كفاعل إقليمي يسعى لكسر الجمود وفتح نافذة دبلوماسية جديدة بين خصمين لدودين. 

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني عن بذل «جهد مهم» لترتيب لقاء ثنائي بين طهران وواشنطن في بغداد، في خطوة أعادت إلى الواجهة سيناريو الوساطة الإقليمية بوصفه أحد المخارج القليلة المتاحة في ظل انسداد الأفق السياسي.

هذا التحرك العراقي لا يأتي من فراغ، بل يعكس إدراكا متزايدا لدى بغداد بأن استمرار التوتر الإيراني–الأمريكي يضعها في قلب العاصفة، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ويهدد بتحويل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية، كما حدث مرارا خلال السنوات الماضية.

بغداد… الوسيط الذي يعرف ثمن الصراع

بحسب تحليل أستاذ الجيوسياسة والسفير الإيراني السابق عبد الرضا فرجي راد، فإن العراق سبق له أن لعب أدوار وساطة مماثلة، سواء بين إيران والولايات المتحدة أو بين طهران والرياض. إلا أن ما يميز الظرف الحالي، وفق فرجي راد، هو أن الحكومة العراقية باتت تشعر بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من قدرتها على الاحتمال، لا سيما في ظل ملف «الحشد الشعبي» والضغوط الأمريكية المتزايدة المرتبطة به.

ويرى فرجي راد أن بغداد خلصت إلى قناعة مفادها أن معالجة جزء من أزماتها الداخلية يمر عبر تخفيف التوتر بين واشنطن وطهران، بدل الاكتفاء بمحاولة امتصاص الضغوط الناتجة عن هذا الصراع. ورغم تشكيكه في فرص نجاح أي مبادرة منفردة، إلا أنه يفتح الباب أمام سيناريو أوسع يقوم على «مثلث وساطة» يضم العراق وتركيا وقطر، على غرار النموذج الذي برز في إدارة ملف غزة.

Image

إقليم يتحرك خلف الكواليس

الحديث عن زيارة مرتقبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إيران، وعلاقته الجيدة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يضيف بعدا جديدا لهذا الحراك. فوفق القراءة الإيرانية، يمكن لدول الجوار، إذا ما نجحت في إقناع واشنطن بقبول استمرار تخصيب اليورانيوم الإيراني تحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن تطرح مبادرات مرحلية تفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع.

ويشير مراقبون إلى أن مجرد تداول فكرة الوساطة علنا من قبل مسؤولين رفيعي المستوى يعني أن اتصالات ما تُدار خلف الستار، وأن الإقليم، المنهك من الأزمات المتلاحقة، بات أكثر استعدادا لدعم أي مسار يخفف من احتمالات الانفجار.

العقوبات… الواقع الذي لا يمكن إنكاره

في قلب هذا النقاش، تبرز مسألة العقوبات بوصفها العامل الأكثر إلحاحا. فبينما أثارت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول «عدم فاعلية العقوبات» جدلا واسعا في الداخل الإيراني، يؤكد فرجي راد أن الواقع الاقتصادي لا يسمح بتجاهل آثارها. ارتفاع التضخم، تراجع العملة، وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، كلها عوامل تضغط بقوة على صناع القرار.

ويرى محللون أن الرهان على «التعايش مع العقوبات» أثبت محدوديته، وأن البحث عن مبادرات جديدة بات ضرورة لا خيارًا، حتى لو كانت هذه المبادرات مكلفة سياسيًا. فالكلفة الدبلوماسية، وفق هذا المنطق، تظل أقل بكثير من كلفة استمرار الاستنزاف الاقتصادي أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية.

العراق بين الجغرافيا والضرورة السياسية

صحيفة «دنيای اقتصاد» ربطت بين التحرك العراقي وموقع بغداد الجيوسياسي الفريد، الذي يجعلها في آنٍ واحد متضررة من الصراع ومؤهلة للوساطة. فالعراق، بحكم علاقاته السياسية والدينية مع إيران، وشراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، يملك قنوات اتصال نادرة في لحظة شحّ القنوات.

وتستحضر الذاكرة العراقية محطات سابقة، من لقاء عام 2007 بين السفيرين الأمريكي والإيراني في بغداد، إلى جولات الحوار الإيراني–السعودي عام 2021، التي مهدت لاحقا لاتفاق بكين. هذه السوابق تمنح المبادرة الحالية قدرًا من المصداقية، حتى وإن بقيت محفوفة بالشكوك.

Image

توقيت حساس ورسائل متقاطعة

يتزامن هذا الحراك مع ترقب إقليمي ودولي لاجتماعات وقرارات قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، لا سيما في ظل استمرار الحرب في غزة والتوتر على الجبهة اللبنانية. وفي هذا السياق، تراقب طهران وواشنطن بدقة مواقف بعضهما البعض، بينما تحاول بغداد أن تطرح نفسها كـ«جسر دبلوماسي» يمنع الانزلاق إلى سيناريوهات أكثر خطورة.

تصريحات السوداني حول علاقات بلاده مع إيران وأمريكا تعكس هذا التوازن الدقيق؛ فهو يؤكد دعم طهران للعراق دون وصاية، وفي الوقت نفسه يشدد على الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن، في محاولة لترسيخ صورة العراق كطرف مستقل لا تابع.

هل تنجح الوساطة؟

الخبير الدبلوماسي قاسم محب علي يلفت إلى أن نجاح أي حوار محتمل مرهون بإرادة سياسية حقيقية لدى الطرفين. فالمفاوضات غير المباشرة، برأيه، فقدت فاعليتها، ولم تعد قادرة على إنتاج اختراقات. كما أن الداخل الإيراني لم يصل بعد إلى إجماع كامل حول كلفة وفوائد العودة إلى مسار تفاوضي مباشر.

ومع ذلك، فإن استمرار الوضع الراهن يحمل مخاطر متزايدة. فالتجارب الإقليمية القريبة، من غزة إلى لبنان، أظهرت أن كلفة الصراع المفتوح تتجاوز بكثير كلفة التسويات المؤلمة.

تبدو المبادرة العراقية محاولة واقعية لالتقاط لحظة سياسية شديدة الهشاشة، في إقليم أنهكته الصراعات وملّ من إدارة الأزمات بدل حلّها. صحيح أن الطريق إلى مفاوضات جدية بين إيران والولايات المتحدة لا يزال طويلا ومليئا بالعقبات، لكن مجرد عودة الحديث عن الوساطة والحوار يعكس إدراكا متزايدا لدى جميع الأطراف بأن منطق التصعيد المفتوح لم يعد قابلًا للاستدامة.

قد لا تنجح بغداد في نزع فتيل الأزمة بالكامل، لكنها على الأقل تذكّر بأن البديل عن الدبلوماسية ليس سوى مزيد من الفوضى، وأن نافذة الحوار، مهما بدت ضيقة، تظل أفضل من باب المواجهة المفتوح على المجهول.