- زاد إيران - المحرر
- 1271 Views
كتب: برهان محمودي
في التقويم الإيراني، يصادف الثامن عشر من سبتمبر/أيلول ذكرى رحيل الشاعر الكبير محمد حسين شهريار، وقد خُصّص هذا اليوم ليكون “اليوم الوطني للشعر والأدب الفارسي”.
محمد حسين بهجت تبريزي، الذي اشتهر بلقب شهريار، يُعَدّ واحدا من أبرز أعلام الشعر المعاصر في إيران، كتب قصائده باللغتين الفارسية والتركية الآذرية، وترك في كل منهما إرثا أدبيا باهرا.
ورغم أنّ شهرته ارتبطت أساسا بشعره الفارسي المتدفّق بالعاطفة، فإن ملحمته التركية ” حيدر بابا سلام” كانت جواز عبوره إلى العالمية، إذ تُرجمت إلى عشرات اللغات، لتجعل من صوته صدى يتردّد في مختلف أرجاء العالم.
حياة شهريار.. رحلة مليئة بالمنعطفات العاطفية والفكرية
حياة شهريار كانت حافلة بالتقلبات الروحية والفكرية؛ فمن طفولته في تبريز إبّان الاضطرابات التي رافقت الثورة الدستورية، إلى دراسته في طهران، مرورا بعشق لم يكتمل، وتركه دراسة الطب، وصولا إلى إبداعاته الأدبية الخالدة، ثم سنوات الشيخوخة الخصبة التي توّجتها محبة الناس وتقديرهم له.
وُلد محمد حسين بهجت تبريزي في الثاني من يناير عام 1907 بمدينة تبريز، في أسرة أصيلة عُرفت بثقافتها، كان والده إسماعيل بهجت خشكنابي محاميا مرموقا ومن أدباء تبريز المولعين بالمعرفة.
تزامن ميلاد شهريار مع أيام مضطربة عاشتها إيران في خضمّ الثورة الدستورية؛ ذلك الحراك الشعبي الذي سعى لتقييد سلطة الشاه المطلقة وتأسيس مجلس الشورى الوطني بغية إرساء القانون والعدالة والمشاركة السياسية، وكانت تبريز من أهم معاقل الحركة الدستورية، حيث شهدت تضحيات جسامًا ومعارك مصيرية، وكان والد شهريار من أبرز أنصارها.
ويروي الباحث الأذري حميد أحمد زادة أنّ مير إسماعيل خشكنابي، لصِداقته الوثيقة مع القائد الدستوري ستارخان، حوّل منزله إلى ملاذ للمجاهدين الدستوريين، وبسبب هذه المواقف، اضطر إلى نقل عائلته من أجواء تبريز الملتهبة إلى قرية خشكناب طلبا للأمان.
في تلك المرحلة، ترعرع الطفل محمد حسين في أجواء ريفية هادئة بين طبيعة القرى وعادات أهل أذربيجان، فاكتسب عن قرب معرفة بطرائق العيش الريفي وتقاليده، وقد تركت هذه التجربة المبكرة في كنف الطبيعة والمجتمع التقليدي أثرا عميقا على شعره، فغدت العناصر الفولكلورية سمة بارزة في إبداعه الشعري.
بدأ شهريار دراسته الأولى في الكتاتيب القروية، حيث تلقى تعليمه وفق المناهج السائدة آنذاك؛ فتعلّم قراءة كتاب نصاب الصبيان التعليمي المنظوم وكتاب الروضة لـ سعدي الشيرازي، وبذلك نشأ منذ نعومة أظفاره على صحبة روائع الأدب الكلاسيكي الفارسي.
ويُروى أنّه في تلك السن المبكرة وقعت بين يديه نسخة من ديوان حافظ، فانبهر بغزليات شاعر شيراز الخالد، وولع بها ولعا رافقه حتى آخر أيام حياته.
البدايات الشعرية والعاطفية في حياة شهريار
أبدى محمد حسين موهبته الشعرية منذ نعومة أظفاره، فقد نظم أول بيت شعري في الرابعة من عمره، وباللغة التركية الآذرية، مخاطبا خادمة البيت في قول طفولي موزون:
“أيتها الأخت، أنت تاج رأسي، أعطِ الكلب قليلا من الحساء، وأعطيني بعض الأرز المطبوخ”.
أدهش هذا الإبداع الباكر الأسرة والأقارب، فكان دعمهم، ولا سيما والده المحب للأدب والثقافة، سببا في تنمية ذائقته الأدبية، ومع انحسار اضطرابات الثورة الدستورية وعودة الاستقرار النسبي إلى تبريز، رجع محمد حسين إلى المدينة لمتابعة دراسته، مستعدا للالتحاق بالمدارس الحديثة.
تلقى شهريار تعليمه النظامي أولا في مدارس تبريز العصرية؛ فأكمل المرحلة الابتدائية ثم درس في مدرستَي المتحدة والفردوسي، حيث اجتاز المراحل الأولى من العلوم الحديثة.
وفي عام 1921، وكان قد بلغ الخامسة عشرة تقريبا، شدّ رحاله إلى طهران ليتابع دراسته في مدرسة دار الفنون، أول مؤسسة تعليمية عليا ذات طابع أوروبي في إيران، أسّست أواخر العهد القاجاري، وجمعت نخبة الطلاب من مختلف أنحاء البلاد.
أتمّ شهريار دراسته الثانوية هناك، ثم التحق عام 1924 بكلية الطب في طهران، مدفوعا برغبة أسرته في بلوغ مراتب التعليم العليا، غير أن القدر كان يعدّ له مستقبلا آخر في فضاءات الشعر لا في قاعات الجراحة.
وخلال سنواته الجامعية، انصرف شهريار إلى جانب دراسته إلى النشاطات الأدبية، فاختلط بأعلام الشعر في طهران، إلا أن الحدث الأهم في حياته آنذاك لم يكن أكاديميا، بل عاطفيا: فقد وقع في حب فتاة تُدعى ثريا، ابنة القائد العسكري البارز عبدالله خان أمير طهماسبی، أحد كبار ضباط الحرس الملكي في عهد أحمد شاه القاجار. دام هذا الحب المتبادل عدة أعوام، بل انتهى إلى خطوبة رسمية، وكان شهريار مفعما بالأمل في أن تتحقق أمنيته بالارتباط بحبيبته.
لكن مسار الحياة لم يوافق أمنياته؛ إذ رفضت أسرة ثريا هذه الزيجة لأسباب اجتماعية، وفي النهاية زُفّت إلى جراغ علي خان سالار حشمت، الملقب بـ «أمير أكرم»، أحد المقربين من بلاط رضا شاه.
ترك هذا الانكسار العاطفي جرحا عميقا في نفس شهريار. فبعد أن كان على وشك إنهاء دراسته الطبية، فقد حماسه للعلم والطب، وتخلّى عنه قبل ستة أشهر فقط من نيل شهادة الدكتوراه، وبذلك طُويت صفحة الطبيب المرتقب، لتُولد على أنقاضها هوية الشاعر المتفرد، الذي كرّس عمره كلّه للشعر والأدب.
من الطبيب الموعود إلى شاعر العاشقين
بعد أن ترك شهريار الجامعة، اضطر إلى الالتحاق بالوظائف الحكومية ليؤمّن معيشته، ورغم محاولات أصدقائه المتكررة لإعادته إلى كلية الطب، فقد ظل قلبه الجريح يرفض العودة، وآثر أن يغادر أجواء طهران الخانقة. عمل فترة في مدينتَي مشهد ونيسابور، شمال شرق إيران، موظفا في دائرة تسجيل العقارات، ثم عاد في حدود عام 1936 إلى العاصمة ليعمل في البنك الزراعي.
كانت تلك المرحلة من حياته زمنَ انعزال نسبي عن الأوساط الأدبية، غير أن تجاربه القاسية والحلوة فيها صارت زادا خاما صاغ منه قصائد أكثر نضجا في سنوات لاحقة. وفي هذه الفترة صدر أول ديوان له، مزدانا بمقدمة مديحية كتبها ثلاثة من أعلام الأدب الإيراني: ملك الشعراء محمد تقي بهار، وسعيد نفیسي، وبُجمان بختياري. وقد كشف الديوان الأول أنّ شهريار، وإن أعرض رسميا عن مهنة الطب، فقد قُدّر له أن يكون بلسما للقلوب في ثوب شاعر ملهِم.
كان الانكسار العاطفي الذي مُني به نقطة تحوّل مفصلية في حياته، إذ أطلق بداخله عواصف داخلية هائلة، فذلك العشق الخائب جرح روحه الحساسة، وأغرقه في فترات من العزلة والكآبة. ويُروى أنّه عانى أيضا وهنا جسديا واعتلالا صحيا عقب انفصاله عن ثريا، حتى اضطر للإقامة حينا في مدن خراسان طلبا لتغيير المناخ واستعادة العافية.
وذات مرة، حين كان نزيلا في أحد مستشفيات طهران، قصدته ثريا لعيادته. كان ذلك اللقاء كفيلا بإحياء جرح الحب القديم في أعماقه، وفي غمرة ألمه كتب قصيدته الشهيرة التي مطلعها:
“جئتِ روحي فداكِ، ولكن الآن لماذا؟ / أواه يا جافية، لمَ الآن وقد خارت قواي؟”
هذا الغزل، الذي استهلّه على غرار مطلع لإحدى غزليات حافظ، ذاع لاحقا بعنوان “حالا چرا” (لماذا الآن) وصار من عيون الشعر العاطفي المعاصر، خالِدا في ذاكرة الإيرانيين.
ولم ينسَ شهريار هذا الحب طوال حياته؛ إذ ظلّ يذكره في أشعاره بين الحين والآخر، مستعيدا بتنهيدات شعرية حرقة تلك الأيام، ليبرهن أنّ نار ذلك العشق بقيت تتقد في صدره حتى آخر العمر.
شهريار بين العشق والعرفان
لم تقتصر التحولات الداخلية في حياة شهريار على التجارب العاطفية فحسب؛ فقد نشأ منذ صباه في بيئة دينية تحت رعاية والده، ومع مرور السنوات وعبور محن الشباب، ازداد ميلا إلى الروحانيات والسلوك العرفاني. كان شاعرا مسلما متجذرا في إيمانه الشيعي، وقد انعكس هذا الاعتقاد في سلوكه الفردي والاجتماعي على حد سواء؛ فوُصف بالتواضع والزهد، وكان كريم اليد، مضيافا محبا للعطاء.
في شبابه برع في عزف آلة السه تار، حتى أن الموسيقي الكبير أبو الحسن صبا تأثر حدّ البكاء عندما استمع لعزفه، غير أنّ شهريار، بعد تحوّل روحي عميق، ترك الموسيقى نهائيا ليُكرّس جهده لتنمية قلمه وطاقته الشعرية.
ويُجمع كثيرون على أنّ هذه التجربة الروحية هي التي أنجبت رائعته العرفانية الشهيرة: غزل “علي يا ظل رحمة”، حيث يخاطب الإمام علي بن أبي طالب، إمام الشيعة الأول، بلغة عاشقة متدفقة:
“إن كان في قلبك معرفة بالله فانظرها في وجه علي،
وعليا به عرفتُ الله، وأقسمت بالله أني عرفت الله بعلي”.
هذا الغزل بلغ من الشعبية حدًّا جعله أشبه بنشيد روحي غير رسمي يتداوله الناس، حتى نُسجت حوله روايات أسطورية عن أنّه أُلهم للشاعر في رؤيا، أو أنّ علماء دين سمعوه في المنام.
وعلى الضفة الأخرى من شخصيته، ظلّ شهريار ابنا مخلصا لأرض أذربيجان وثقافتها، ورأى أنّ الهوية الإيرانية والآذربيجانية ليست متعارضة بل متكاملة. غير أنّ سياسات الحكم المركزي في عهد رضا شاه بهلوي، القائمة على التركيز المفرط وأحيانا التمييز، آلمته بشدة، فأثار فيه حسّه العادل ودفعه للاعتراض.
وبعد اغتيال الشاعر الحر مير زادة عشقي على يد عملاء حكومة رضا شاه في يوليو 1924، كتب شهريار أبياتا مؤثرة قال فيها:
“لن يموت أبدا من أحياه العشق،
فعشقي لم يمت، بل الذي مات هو خصمه في ساحة النزال”.
بهذا الخلود الشعري أبقى ذكرى رفيق دربه الثائر حيّة في الضمائر. ويرى بعض الباحثين أنّ انسحاب شهريار من الجامعة ورحيله إلى خراسان كان أيضا نوعا من الابتعاد عن بطش السلطة، وحمايةً لنفسه من خطرها.
وهكذا، إلى جانب رهافة إحساسه العاطفي، جسّد شهريار في أشعاره روحًا مناصرة للحق، منحازة للناس، ليظهر في هيئة شاعر عاشق ومتصوّف ومناضل في آن واحد.
شهريار: شاعر الحب والإيمان والوطن
من يقترب من عالم الشاعر محمد حسين بهجت تبريزي (شهريار)يكتشف سريعا أن سرّ خلوده لم يكن في جمالية الشعر وحدها، بل في توازن نادر جمع بين العاطفة الصادقة، والإيمان العميق، والوفاء للوطن. لقد أحب الفن بكل تجلياته، من الشعر والموسيقى إلى فنون الخط العربي، حتى نسخ القرآن الكريم بيده في عمل يعكس روحانيته وإيمانه. وفي نظره، كان الشعر أفقا رحبا لبثّ القيم الإنسانية، ومجالا لإيصال الحكم والمواعظ التي لا يحدها زمن ولا مكان.
كان يؤمن بأن الشعر رسالة موجهة إلى الإنسانية جمعاء، لا إلى أبناء عصر بعينه، وهو ما منح قصائده بعداً فلسفياً وحكمياً جعله في مصاف الشعراء الحكماء الكبار. وقد جسّد دور المعلم الروحي عبر قصائده المليئة بالقيم الأخلاقية والتربوية، سواء في الرباعيات أو المثنويات أو المقاطع القصيرة. ومع نضجه الفكري في سنوات عمره الوسطى، تبلورت تجربته في أشعار عاطفية، وصوفية، ووطنية واجتماعية، رسّخت صورته شاعرا شاملا في سجل الأدب المعاصر.
أما في مجال الشعر الفارسي، فقد برع شهريار في القوالب الكلاسيكية، خصوصا الغزل، متأثرا بالأسلوب العراقي الذي تميّز به كبار الغزليين مثل حافظ وسعدي، غزلياته متينة البناء، عذبة المعنى، تحمل أصالة التراث وفي الوقت نفسه تعكس هموم عصره وقضاياه. لم يتردد في إدخال صور ومفردات جديدة، وجَرَّب حتى الشعر الحر على نهج نيما يوشيج، غير أن براعته الكبرى بقيت في الأوزان التقليدية التي منحت اسمه مكانة بارزة. ففي قصيدته المطوّلة “تخت جمشيد” عبّر عن اعتزازه بالتراث الإيراني، وفي قصيدته عن الفردوسي أشاد بالشاهنامه باعتبارها رافعة الروح القومية الإيرانية. أما غزليته الشهيرة “جئت، روحي فداء لك” فقد تحولت إلى أيقونة في الوجدان الشعبي، في حين أن “علي يا ظل الرحمة” تمثل ذروة التقاء الشعر العاطفي بالنَفَس العرفاني. وهكذا غدا شعره الفارسي جسراً يصل الماضي بالحاضر، محتفظاً بفصاحة الكلاسيك، ومقترباً في الوقت ذاته من هموم الإنسان المعاصر.
لكن عبقرية شهريار لم تُحصر في الفارسية وحدها. فقد قدّم للأدب التركي الأذربيجاني ملحمته الخالدة “حيدر بابا سلام”، التي خاطب فيها جبل الطفولة والذاكرة، مستحضرا بساطة الريف الأذري ودفء الحياة الشعبية. كتبها نزولا عند رغبة أمه التي أرادت أن تسمع شعر ابنها بلغتها الأم، فكانت النتيجة تحفة أدبية عالمية، لامست وجدان الناس وحققت انتشارا غير مسبوق، حتى تُرجمت إلى عشرات اللغات، وأصبحت موضوعا للدراسات الجامعية في أرقى الجامعات العالمية.
لقد استلهم شهريار في شعره التركي الفولكلور الأذربيجاني بكل ما فيه من أساطير وحكايات شعبية، فغدت قصائده صوتا صادقا للذاكرة الجمعية، وحافظت على مكانتها في القلوب عبر الأجيال. وهكذا يظلّ شهريار شاعر الحب والروح والهوية، شاهدا على أن الشعر حين يتصل بجذور الإنسان ووجدانه يصبح لغة خالدة تتجاوز الأزمنة والحدود.
شهريار: حافظُ الزمان وجسرُ التلاقي
أثبت شهريار من خلال أشعاره أنّ الأدب التركي الآذري قادر على تجاوز حدود الجغرافيا ليغدو جسرا ثقافيا يصل بين أبناء اللغة التركية في مختلف أنحاء العالم. لقد تميّز أسلوبه الشعري بمزيجٍ من البساطة والفصاحة، فكان يلجأ إلى لغة رشيقة مفهومة لعامة الناس، بعيدة عن التكلّف والتصنّع، وهو ما جعل قصائده تحظى بقبول واسع بين مختلف طبقات المجتمع. حتى إنّ كثيرا من أبياته تحوّل إلى أمثال سائرة أو عبارات مأثورة على ألسنة الناس، فضلا عن أن بعضها صيغ في ألحان وأناشيد، مثل “لماذا الآن؟” التي تغنّى بها كبار المطربين، وبات مطلعها: « آمدی جانم به قربانت “جئت روحي فداء لك“ عبارة مألوفة لكل فارسيّ اللسان.
كذلك، ظلّت قصيدته العرفانية الخالدة “علي يا ظل الرحمة“ تتردّد في المناسبات الدينية على ألسنة المدّاحين ومحبي أهل البيت، فيما حملت أشعاره التركية نبض الأرض والذاكرة الشعبية، فأنشدها المغنون الشعبيون في أذربيجان على ألحانهم الفولكلورية. كلّ ذلك يبرهن أنّ إبداع شهريار لم يبقَ حبيس الدواوين، بل تسلّل إلى نسيج الحياة اليومية، وصار جزءا من وجدان الناس.
كان شهريار بحقّ حلقة وصل بين التقليد والتجديد في الشعر الفارسي المعاصر، ففي الوقت الذي كان تيار الحداثة بقيادة نيما يوشيج يسعى إلى هدم القوالب الكلاسيكية، أثبت شهريار أنّ بالإمكان ضخّ روح جديدة في تلك الأطر القديمة دون التخلّي عنها.
لقد كان آخر كبار الغزليين الكلاسيكيين، وأحيا قالب الغزل في القرن الرابع عشر الهجري/العشرين الميلادي، جامعا بين رهافة حافظ وسعدي من جهة، وبين مضامين اجتماعية ووطنية وسياسية تعبّر عن قلق العصر من جهة أخرى. ومن هنا لقّبه كثيرون بـ “حافظ زمانه”، لأنه ـ مثل حافظ ـ جمع بين الحكمة والعاطفة في لغة عذبة موسيقية خاطبت القلوب والعقول معاً.
أما إسهامه الأبرز، فكان في إبراز الأدب التركي الآذري على المستويين الوطني والدولي. فقبل شهريار لم يستطع أي شاعر أن يفرض الشعر التركي بهذا الاتساع والعمق داخل إيران وخارجها. وكانت ملحمته “حيدر بابا سلام“ نقطة تحوّل كبرى في مسيرة الأدب التركي الإيراني، إذ فتحت الباب أمام شعراء آخرين للكتابة بلغتهم الأم بجرأة واعتزاز. وقد أكد شهريار نفسه أنّ الانتماء إلى أذربيجان لا يتعارض مع الحبّ لإيران، مجسّدا هذا المعنى في بيته الشهير:
“تركي ما بس عزیز است و زبان مادری
لیک اگر ایران نگوید، لال باد از وی زبان”
التركية عزيزة علينا وهي لغة الأم،
لكن إن لم تنطق باسم إيران، فليصمت إلى الأبد اللسان”
وبهذا الموقف جسّد شهريار صورة الشاعر الذي وحّد بين الهوية المحلية والانتماء الوطني، فجعل من شعره مرآة تعكس وجوه العاطفة والروح والإيمان والوطن معا.
شهریار.. جسر بين الكلاسيكية والحداثة
هذا الأفق الواسع جعل من شهريار شخصية فريدة، حاز تقدير القوميين الإيرانيين ومحبة أنصار الهويات القومية في آن معا. فقد كان يمدّ جسور الانتماء بالتساوي بين الفارسية والتركية الآذرية، ليغدو جسرا نابضا يصل بين الثقافتين. ومن هنا، لم يكن غريبا أن يُختار يوم رحيله ليحمل اسم اليوم الوطني للشعر والأدب الفارسي، رمزا لارتباطه الوثيق بالتراث الثقافي لإيران.
أما من حيث التأثير الأدبي، فقد كان شهريار مصدر إلهام للعديد من الشعراء الذين جاؤوا بعده. أسلوبه في نظم الغزل – المتمثل في الجمع بين لغة كلاسيكية رصينة ومضامين حديثة – غدا نموذجا يحتذى في العقود التالية. كما أن توظيفه المكثّف للمفردات والتعابير والإشارات الشعبية التركية في شعره، مهّد الطريق لاحقا لتيار الشعر المحلي في الأدب الإيراني المعاصر، حيث وجد شعراء من قوميات أخرى حافزا لتطعيم الشعر الفارسي بروح لهجاتهم وثقافاتهم. فقد لجأ أحمد شاملو – مثلًا – إلى استلهام الفولكلور الخراساني في شعره الحر، فيما مزج شعراء أحدث مثل شهريار بين الشعر الفارسي والنكهة الكردية.
ورغم أن شهريار لم يكن “ثورويّا” على مستوى كسر الأوزان والأنماط، إلا أنّ وجوده في ساحة الشعر المعاصر كان ضمانة لاستمرار صلة الأدب الفارسي بتراثه الكلاسيكي، وهو ما يُعدّ في ذاته إسهاما بالغ القيمة.
وقد قال فيه ملك الشعراء بهار: “شهريار ليس فخر إيران وحدها، بل فخر الشرق بأسره”. مثل هذا الإطراء من شاعر بحجم بهار أرسى مكانته بين معاصريه، حتى أن نيما يوشيج – رائد الشعر الحر – رغم اختلاف المسار الشعري بينهما، كان يكنّ له تقديرا خاصا، وظلّت بينهما صلة ودّ ومكاتبات متبادلة.
كان شهريار منفتحا على التجديد، يرحّب بالابتكار الأدبي، ولا يسمح لنفسه أن تُسجن في قوالب القدماء، وكان يؤمن بأن الشعر لا يحيا إلا بالتجدد، وهذا الإيمان تجلّى في أعماله، وربما كانت هذه المرونة الفكرية هي ما أبقت اسمه حاضرًا إلى جانب أكثر شعراء عصره تجديدا.
ولم يكن شهريار شاعرا منزوِيا يكتب لنفسه وحسب، بل كان شديد الارتباط بمجتمعه، ينطق بلسان الناس ويعكس في شعره مشاعرهم وتطلعاتهم. وفي موطنه، أذربيجان الإيرانية، بلغ منزلة استثنائية حتى غدا “صوت الثقافة والهوية الآذرية”.
وفي سنوات أواخر حكم البهلويين، ثم بعد ثورة 1979، نظم قصائد تُجسّد مشاعر الوطنية والدين لدى الجماهير. هذا التلاقي بين شاعر عاشق وشعب ثائر، ضاعف من شعبيته بين جيل جديد وجد فيه صوتا صادقا للجماهير.
لكن أثره الاجتماعي الأوسع تجلّى في تغلغل شعره في الثقافة الشعبية، حتى تحوّل كثير من أبياته إلى أمثال سائرة. فإذا تأخر أحدهم عن موعده، يمازحه صديقه بمطلع بيته الشهير”أتيتَ فداء لروحي، لكن لماذا الآن؟”. وإذا جرى الحديث عن جفاء الحبيب وقسوته، جرت على الألسن عبارته “ابقَ أنت لغيري، وويلٌ لأولئك الآخرين”.
شهريار بين طهران وباكو
في الثقافة الإيرانية ما زالت أبيات حافظ وسعدي تُستَعمل في الأحاديث اليومية بعد قرون طويلة؛ وربما يمكن اعتبار شهريار آخر شاعر بلغ شعرُه هذا العمق في الذاكرة الجمعية للناس. فقد كان جسرا يربط الجيل المعاصر بلغة الشعر الرفيعة، وأتاح للأجيال التي ارتبطت بالشعر الجديد أن تظل على صلة بالقصيدة العمودية والأشكال الكلاسيكية من خلال أشعاره.
ومن جوانب التأثير الاجتماعي لشهريار أيضا، تعزيز الوحدة الوطنية عبر الأدب؛ إذ قدّم نموذجاً لوحدةٍ في إطار التعددية الثقافية، من خلال نظمه الشعر بالفارسية والتركية معاً، وإظهاره حبَّه لإيران إلى جانب اعتزازه بمسقط رأسه. فقد كان يرى نفسه ابن إيران، وفي الوقت نفسه يعتبر تركيّته نعمة عزيزة. بمعنى أن الانتماء القومي لا يقوم على أحادية اللغة، بل يمكن لأبناء القوميات المختلفة أن يتعايشوا بلغات متعدّدة في إطار وطن واحد.
هذه الرؤية، في زمن كانت تُسمَع فيه أصداء النزعات الانفصالية أو التمييز القومي، كانت ذات قيمة كبيرة وأثارت اهتمام الأدباء والمفكرين. وهكذا صار شهريار شخصية ثقافية اعتزّت به الدولة المركزية كما افتخر به أبناء القوميات، حتى أنّ المشيعين في جنازته بتبريز هتفوا: “شهريار كان أوّل وأقوى مدافع عن لغتنا الأم”. وفي المقابل، خُلِّد اسمه في التقويم الرسمي للبلاد بإطلاق يوم الشعر والأدب الفارسي على ذكرى رحيله، تكريما لإسهامه في نهضة الأدب الوطني.
كما ترك شهريار أثرا ثقافيا واسعا في أدب أذربيجان وتركيا، حيث يُكرَّم في جمهورية أذربيجان باعتباره رمزاً للصلة الثقافية مع إيران، وتحظى قصائده ـ ولا سيما حيدر بابا سلام ـ بمكانة مرموقة في الكتب المدرسية والمحافل الأدبية هناك. وتجاوزت شهرته حدود إيران حتى غدا من أبرز الشعراء الإيرانيين المعروفين في العراق، وتركيا، وجمهوريات آسيا الوسطى، وروسيا، بل وحتى بين الناطقين بالتركية في البلقان. وهذا الامتداد جعل من حضوره رصيدا في الدبلوماسية الثقافية الإيرانية، بحيث يُعَدّ شهريار ليس فقط شاعر إيران الوطني، بل أيضا سفيرها الثقافي لدى الشعوب الناطقة بالتركية.
ومنذ مطلع شبابه، كان شهريار جزءا من صميم الوسط الأدبي في عصره، فكوّن صداقات وروابط مع نخبة بارزة من الأدباء والمفكرين. وإقامته في طهران أفسحت له المجال لمجالسة كبار أهل الأدب والفن، فشارك في الندوات الأدبية بالعاصمة مع شعراء وأعلام مثل: إيرج ميرزا “الشاعر الساخر”، وعارف قزويني “الشاعر والملحّن الوطني”، وملك الشعراء بهار “الأديب والشاعر الكبير”، ومیر زادة عشقی “الشاعر المناضل”، وفرخي يزدي “شاعر الحرية”، وپجمان بختياري “شاعر الغزليات”، وسعيد نفيسي “الكاتب والباحث”، ونيما يوشيج “رائد الشعر الحر”، إضافة إلى علي دشتي وصادق هدايت “الأديب المعروف”.
المحيط الأدبي المتنوع الذي أحاط بالشهريار، جامعا بين أكثر الشعراء تقليدية وأكثرهم حداثة وثورية، كان له أثر حاسم في تكوينه الشعري. وقد كان شهريار نفسه يروي لاحقًا أنّه تعلم من كل واحد من هؤلاء الرواد درسا خاصا، وأنّ ملاحظاتهم أسهمت في تهذيب موهبته وصقل ذائقته. فصداقته العميقة مع الموسيقي الكبير أبو الحسن صبا أطلقت طاقاته الموسيقية، حتى ألّف مقطوعات خصّ بها آلة السه تار.
أما ارتباطه بـ ملكالشعراء بهار، فقد عرّفه بصلابة الأسلوب الخراساني وبقوة الكلمة في ميدان الشعر السياسي. ومن جلساته مع نیما یوشیج استلهم آفاق التجديد، ورغم أنه لم يتخذ قالب نیما لنفسه، فقد ظلّ معجبا بروح الابتكار. كذلك، قربه من صادق هدایت ومیر زادة عشقی شدّه إلى الفكر التنويري وروح الوطنية. وهكذا وجد الشهريار نفسه في قلب التقاء التيارات الأدبية والفكرية الكبرى، يغترف من كل منها زادًا يغني تجربته.
ولم تقتصر صلاته على جيله؛ ففي سنوات النضج، قصده الشعراء الشباب ليستضيئوا بموهبته، ومن بينهم: هوشنك ابتهاج وکریم أمیری فیروزکوهی، ورهی معیری، وبرویز ناتل خانلری، وقد جمعته بهم لقاءات ومراسلات ودّية. وكان ابتهاج يخصّه بلقب «الأستاذ» اعترافا بفضله عليه، فيما أولى شهريار عناية خاصة بالشاعرة بروین اعتصامی، واصفا إياها بعبارته الشهيرة: “كانت بروین كالنجم الذي يشتعل بشرارة سماوية دائمة، لكنه لا يحترق أبدا“، شهادة ظلّت تتردد في مؤلفات «مؤسسة شهریار» لاحقا.
في خمسينيات القرن العشرين، عاد شهريار إلى تبريز بعد ثلاثة عقود من الغياب، وفي عام 1953، حطّ رحاله في مدينته التي استقبلته بحفاوة غير مسبوقة؛ إذ خرج الآلاف للقائه، وعدّوه بطلا ثقافيا عائدا إلى أحضان أهله. وبعد عام، تزوّج من عزیزة عبد الخلقی، ابنة عمّه ومعلمة في مطلع العشرينيات من عمرها، ورُزق منها بثلاثة أبناء: شهرزاد ومریم وهادي.
ومنذ ذلك الحين استقرّ في تبريز بعيدًا عن صخب العاصمة، ليواصل إبداعه في أجواء هادئة داخل بيته بحيّ مقصودیة، وهو المنزل الذي تحوّل لاحقًا إلى متحف شهريار تخليدا لذكراه.
وفي أواخر عمره، أنهكه المرض والشيخوخة، لكن قريحته الشعرية ظلت متوقدة حتى أيامه الأخيرة. وفي سبتمبر 1988، تدهورت حالته الصحية، فنُقل أولا إلى مستشفى «الإمام الخميني» في تبريز، قبل أن يُحال إلى طهران لمتابعة العلاج.
رحيل شهريار
في مستشفى «مهر» بطهران، حيث أحاطت به أسرته وجموع من محبيه، أسلم الأستاذ محمد حسین شهریار الروح في مساء 18 سبتمبر 1988 عن عمر ناهز الحادية والثمانين. خبر وفاته سرعان ما عمّ أرجاء إيران، مثيرا موجة عارمة من الحزن والأسى.
بعد يومين، نُقل جثمانه وفق وصيته إلى مسقط رأسه تبريز، حيث تحوّلت مراسم التشييع والدفن إلى ملحمة جماهيرية نادرة؛ إذ خرجت الحشود بعفوية ومن دون دعوة رسمية، يودّعون شاعرهم المحبوب بدموع وقلوب مكلومة. كان المشهد مهيبا: كبار وصغار يردّدون معا أبيات منظومته الخالدة «حيدربابا سلام»، بينما يملأ صداها فضاء المدينة الحزين. كثيرون وصفوا ذلك الوداع بأنه غير مسبوق في حق أي شخصية ثقافية.
وُري جثمان شهريار الثرى في مقبرة الشعراء بحيّ «سرخاب» التاريخي، حيث يرقد عشرات من أعلام الشعر الأذري منذ قرون. وعلى شاهدة قبره نُقش بيت من آخر أشعاره، أوصى به ليكون :
«انقشوا على قبري هذين البيتين: شهريار وُلد بعذاب العشق، ومات بعذاب العشق». وكأنّه أراد أن يخبر العابرين أن حياته بدأت بالحب وانتهت به.
إرث الشهريار امتدّ إلى ميادين الأدب والثقافة العامة والذاكرة الوطنية. فقد كان جسرا بين الكلاسيكية والحداثة، وجُمعت أشعاره في دواوين أُعيد طبعها مرارا لتصل إلى الأجيال الجديدة، كما خُصّصت له دراسات جامعية وأبحاث نقدية في إيران وخارجها.
ومنذ رحيله، توالت المبادرات لتكريمه. ففي عام 2002، أقرّ «المجلس الأعلى للثورة الثقافية» رسميًا يوم 18 سبتمبر ـ ذكرى وفاته ـ «يوما وطنيا للشعر والأدب الفارسي». ومنذ ذلك الحين، تغدو إيران في هذا التاريخ على موعد مع أمسيات أدبية واحتفالات تكريمية، تتوّجها مدينة تبريز حيث ينشط «مؤسسة شهريار الثقافية» بتنظيم ندوات وعروض كتب ودراسات جديدة عنه، وقد شهد أحد الأعوام صدور ما يزيد على 12 مؤلفا جديدا في مناسبة واحدة.
أما منزله العائلي في حي «مقصودیة» بتبريز، فقد تحوّل إلى متحف شهريار، يعرض مخطوطاته وأدواته الشخصية وأجواء حياته اليومية، ليبقى شاهدا حيًّا على مسيرة شاعر أحبّه شعبه وأبقى أثره في الوجدان الجمعي.
يقع بيت-المتحف الخاص بشهريار في حيّ مقصودية بمدينة تبريز، وقد غدا من أبرز المعالم الثقافية في المدينة، يزوره كل عام آلاف المحبين والمهتمين. كما نُصبت له تماثيل ونُصُب في مدن شتى؛ من نصبه في ساحة مقبرة الشعراء بتبريز، إلى مجسّماته المنتشرة في حدائقها وساحاتها العامة، بل وحتى في العاصمة طهران. ولم تقف مظاهر التكريم عند هذا الحد، إذ حَمَلت قاعات ومكتبات وشوارع ومدارس عديدة اسمه، تأكيدا لمكانته الراسخة في الذاكرة الجمعية للإيرانيين.
أما على الصعيد الدولي، فقد حظي شهريار باحتفاء واسع. ففي مدينة هشترود بأذربيجان الشرقية أُنشئ “مركز الدراسات الدولية لشهريار” لبحث حياته وإبداعه، وقد نظّم هذا المركز مؤتمرات عالمية جمعت كبار أساتذة الأدب من مختلف البلدان. وفي جمهورية أذربيجان، تُقام سنوياً في ذكرى مولده أو وفاته محافل أدبية تُتلى فيها قصائده بصوت عشّاق الكلمة.
وفي تركيا أيضاً لا تزال جمعيات ثقافية تستحضر ذكراه. وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة ـ من الروسية والإنجليزية والفرنسية إلى الأردية والكردية وغيرها ـ مما أتاح لشعوب كثيرة خارج الفارسية أن تصغي إلى موسيقى شعره العذب.
لقد ترك شهريار إرثا ثمينا في الثقافة الإيرانية. كان شاعرا امتلك ناصية القلوب بكلماته، ولا يزال صوته الشعري حاضرا بين الناس. تتغنّى الأجيال اللاحقة بأشعاره العاطفية والروحية، ويكتب طلبة الأدب رسائلهم الجامعية عنه، وتُردد الجدّات لقصائده التركية كأهازيج للأطفال، بينما يستعير العشّاق أبياته المشتعلة للتعبير عن أشواقهم. لقد نُسج اسم الشهريار في خيوط الهوية الأدبية لإيران حتى صار جزءا من ذاتها.
إن إيران تفخر به، وأذربيجان تراه جوهرتها المضيئة في سجلها التاريخي. وليس أدلّ على منزلته من قول ملك الشعراء بهار: “شهريار فخر الشرق بأسره”. وبعد عقود من رحيله، ما زال صدى “صوت الحب” الذي أطلقه يتردّد شرقا وغربا، ويحفظ اسمه خالدا.

