- زاد إيران - المحرر
- 322 Views
نشر موقع رجا نيوز، الجمعة 5 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا ذكر فيه أن هناك أربع ملاحظات متتابعة من محمد جواد كاشي أستاذ العلوم السياسية، وعلي كاكا دزفولي عالم الاجتماع السياسي وعضو مركز الدراسات الاستراتيجية لـ”تسنيم”، التي نُشرت على قناتهما في تلغرام وتسنيم، تمثل نقاشا جادا حول العلاقة بين المبادئ – الهوية، والعقلانية في الحكم والمصالح الوطنية في إيران.
وأضاف أن كاشي يحاول من خلال تشبيه صادم بالفريزر أن يبيّن كيف تحولت مجموعة من المقترحات القيمية إلى مكوّنات هوية متجمدة، مما يعيق الحكم على الواقع في الوقت الراهن، ومن جهة أخرى، يفصل كاكا دزفولي بين المبدأ والسياسة ويبرز فكرة الخطة المسبقة، مستنتجا أن ما وصفه كاشي بالتجميد يؤدي في الواقع دور القيود الاستراتيجية البنائية، وأن غياب هذه القيود يقلل من قدرة الحكم والمرونة الوطنية والمصداقية الدولية.
وأكَّد أن النص التالي هو تقرير عن هذا الحوار؛ تقرير يحاول إعادة قراءة الأفكار ضمن الإطار النظري المفترض لكل طرف وإظهار المنطق الداخلي لكل رواية.
استعارة الفريزر؛ تجمّد الهوية وتآكل العقل السياسي
وأوضح الموقع أن ملاحظة كاشي التمهيدية تبدأ بتذكير حدث 19 أغسطس/آب 2025 ودور الولايات المتحدة فيه، غير أن هدفه يتجاوز ذلك مباشرة؛ فهو يرى أنه ينبغي، كل عام، في مثل هذا اليوم، التعبير عن الاشمئزاز من هذا الفعل القبيح لأمريكا، ومع ذلك، لا يتضح لماذا أصبح الصراع مع أمريكا، استنادا إلى هذا الحدث التاريخي، جزءا لا يتجزأ من هوية النظام.
وتابع أنه بعد ذلك، تدخل هنا استعارة الفريزر، فهناك فريزر في بيت الهوية للنظام يعمل ككنز مقدس، ونضع فيه من وقت لآخر مكونا جديدا من الهوية، وقائمته من العناصر المجمدة تشمل بالضبط الأمور التي كانت موجودة منذ فترة طويلة في الأدبيات السياسية الإيرانية، مثل تدمير إسرائيل، ومواجهة مظاهر الحضارة الغربية، وتطبيق الشريعة، ودعم المستضعفين، والعدالة، والإسلام، ومؤخرا القومية.
وأردف أن “الجملة المفتاحية لكاشي هنا، هي أن كل هذه الأمور جيدة، لكن عندما تتحول إلى مكوّنات هوية، تصبح هي المتحكمة بنا وتمنعنا من التمييز الصحيح لمصالحنا في الوقت الراهن”.
وأشار إلى أن “المشكلة ليست في القيم نفسها، بل في تقديسها بشكل شكلي وتجمدها، ما يحوّل السياسة الحية إلى مجرد شعارات جامدة ويوقف تطور الأمة، وحله يتبع الاستعارة نفسها؛ فيجب إيقاف الفريزر وفحص كل قيمة على حدة لمعرفة ما إذا كانت لا تزال صالحة للتطبيق”.
وأبرز أن “كاشي ينقل التركيز إلى الواقع الحالي ويطرح ثلاثة أسئلة، أي من هذه القيم نجحت فعلا؟ إلى متى يجب أن نستمر في تحمل تكاليف حمايتها؟ وهل هناك عناصر صالحة للاستخدام ليس لها تاريخ انتهاء؟”.
قيود استراتيجية؛ الهوية كاستثمار لا كعبء زائد
بيَّن الموقع أن “كاكا دزفولي يبدأ رده بتحذير من العبء الخفي للاستعارة، وبرأيه، كثير مما وُصف بالتجميد تم انتقاده بلا سبب؛ فهذه قيود استراتيجية بنّاءة تتيح تحقيق العقلانية التدبيرية، وتوزيع المخاطر، وتحديد المنفعة على المدى المتوسط والطويل، ووفق هذا التصور، إزالة أو تعليق المبادئ لتقليل التكاليف قصيرة المدى يؤدي على المدى الطويل إلى تآكل قدرة الحكم والمصداقية”.
وأضاف أن “كاكا دزفولي يوضح تمييزا مهما، فمناهضة أمريكا ليست مبدأ، بل محاربة الاستكبار هي الإطار، فعلاقة إيران مع أمريكا ليست خصومة طبيعية مع بلد محدد، بل مرتبطة بمفهوم الاستكبار نفسه، لذلك، يحدد المبدأ الأفق والحدود، بينما تحدد السياسة الوسائل والتكتيكات، وفي هذا السياق، لا يعود استمرار الخطابات الرئيسة إلى الجمود الفكري، بل إلى استمرار مواضيعها؛ فالعداء البنيوي، والبيئة العدائية، والاختبارات الأمنية والسياسية المتكررة حافظت على حيويتها”.
ولفت أيضا إلى دور الهوية في السياسة العالمية، موضحا أن أمريكا بدون مفهوم الاستثنائية وإسرائيل بدون سرد الهولوكوست تفقد جزءا من قوتها الناعمة، ولذلك يتساءل: لماذا عند الحديث عن إيران يجب اعتبار هويتها الجوهرية عبئا زائدا؟ فحذف الهوية يفسد المعنى ويقلل من قابلية التنبؤ والمصداقية، وهما من الأصول الحيوية للقرار، ومن منظوره، حتى تقييم التكلفة–العائد فعل معياري، فلا توجد مصلحة سياسية عارية.
وأكَّد أنه “إذا أوقفنا كهرباء الفريزر، يجب أن نحدد وفق أي أفق وقاعدة مشتركة سنقيّم العناصر ما إذا كانت صالحة للاستخدام.
المصالح الوطنية والأفق الزمني؛ هنا والآن أم هناك والمستقبل؟
أورد الموقع أن “كاكا دزفولي يتساءل: هل يمكن اختزال غاية الدولة–الأمة في الرفاه المادي والرضا الفوري للمواطنين؟ إن المصالح الوطنية تمتد أيضا إلى الأجيال القادمة، أجيال لم تولد بعد لكنها سترث نتائج قرارات اليوم، وفي هذا السياق، يتطلب تجنب فقدان التوافق الزمني- أي تجاوز الخطوط الحمراء اليوم لتقليل التكاليف، ما يؤدي غدا إلى تكلفة أكبر بسبب فقدان المصداقية- وضع قيد معياري”.
وذكر أن “كاشي ينظر إلى الأمر بشكل مختلف؛ فاعتماد الحكم على المصالح الحاضرة لا يعني إهمال المستقبل، بل يعني إعادة السياسة إلى ساحة العمل وقياس نتائجها الفعلية، وهو يرى أنه إذا تحولت القيم إلى مكوّنات هوية مقدسة جامدة، فإن حتى التفكير في المستقبل يصبح ممارسة شكلية لا تقيس الواقع، ويعطل قدرة العقل على التعامل مع الموقف”.
وأردف أن “الخلاف بين الطرفين هنا ليس في الأفق الزمني، بل في الوسائل؛ أحدهما يقول إن النظر إلى المستقبل يجب أن يتم عبر قيود استراتيجية واضحة ودائمة للحفاظ على المصداقية والمرونة، بينما الآخر يقول إنه إذا أدت هذه القيود إلى احتكار التفسير وتقديس القيم، فإن المستقبل نفسه يُضحّى به”.
الأدبيات السياسية أم السلوك السياسي؛ على أي أساس نحكم؟
أظهر الموقع أن “كاكا دزفولي يطرح نقطة محورية أخرى؛ وهي التمييز بين الأدبيات السياسية والسلوك السياسي، وبرأيه، إذا اعتُمدت الأدبيات السياسية كأساس- وهي مساحة لا يحتكرها الحكم وحده وتشكلها وسائل الإعلام والجامعات والمفكرون والمناصرون والمعارضون- فإن الصورة الناتجة غالبا ما تكون قطعية ومبنية على المبادئ، لأن منطق التعبئة يتطلب روايات موجزة وخطوطا واضحة”.
وأورد أنه “إذا نظرنا إلى السلوك العملي كأساس، أي كيف تُتخذ القرارات مع مرور الوقت، وكيف يجري التكيف مع التهديدات والفرص والقيود المؤسسية، فإننا نرى ما يشبه خطة مرنة مسبقة؛ خطة تتغير بالتجربة والخطأ وحساب الكلفة والعائد، لكنها تبقى دائما مرتبطة بقيم ثابتة”.
وأفاد بأن “كاشي يقلق من هذا الفارق بالذات؛ فعندما تُصر الأدبيات، عبر المؤسسات الرسمية أو شبكات السلطة، على تفسير وحيد، حتى لو ظهر مرونة في السلوك، فإن هذه المرونة لا تصبح هيكلا دائما؛ لأن تجمّد المعاني سيقيد ميدان العمل عاجلا أم آجلا، وفي نظره، للفريزر معنيان متلازمان؛ احتكار التفسير وتجاهل الفرص والتهديدات الحالية؛ وإذا لم يُرفع الأول، فإن الثاني سيستمر دائما في التكرار”.
الفلسفة الأرسطية العملية؛ الأمر السياسي من الطبيعة إلى المصير
أوضح الموقع أن “كاشي يرى أن الاختلاف الجوهري يكمن في فهم الأمر السياسي، فهو يصف رواية المبادئ خارج الميدان والسياسة كبيروقراطية لتطبيق الحقيقة المسبقة بأنها أفلاطونية؛ ليس بالضرورة منسوبة لأفلاطون نفسه، بل كقراءة تاريخية له؛ حيث تُستمد الحقيقة خارج المدينة ثم يعود حاملوها لقيادة الناس”.
وأبلغ أن “كاشي يفهم السياسة على أنها بناء العالم المشترك؛ عالم جديد لا يخلو بالطبع من المواد والمكوّنات القديمة، لكن الهوية فيه هي نتاج المشاركة الحاضرة، وفي هذا السياق، الصدق هو المبدأ الدائم الوحيد لممارسة السياسة، والحقيقة ليست مبدأ ذهنيا ثابتا، بل نتاج الصراع والحوار والتسوية في ساحة الفعل الجماعي”.
وأفاد بأن “كاكا دزفولي يستند إلى أفكار أرسطو ليحدد محورين للفعل العملي: أولهما السعادة العليا كغاية للحياة الطيبة، وثانيهما مجتمع الفضائل مثل العدالة والشجاعة والاعتدال، وبهذا المنظور، الفعل العملي ليس علما جامدا ولا حرية بلا ضابط، بل هو حكم مرن يجري داخل إطار الفضائل والخير المشترك”.
وفسَّر أنه “إذا كانت حقيقة السياسة تُصنع داخل الميدان، فلا بد من وضوح القواعد التي تنظمه، حتى لا يتحول كل جديد إلى قاعدة مفروضة، ومن هنا تبرز فكرة الخطة المسبقة؛ أفق مشترك يحدد قواعد الحكم ومسار الإصلاح التدريجي، مع بقاء مساحة للتعلم وتصحيح السياسات”.
الميدان العام والسياسة المؤسسة؛ بين الإبداع والدولة المنظمة
سلَّط الموقع الضوء على أن كاشي يدافع عن تفويض مزيد من تفسير الأمر المشترك للميدان العام، وينتقد أضرار اعتماد قراءة رسمية وحيدة باسم النظام، ورد كاكادزفولي هنا لا ينفي الميدان، بل يركّز على عدم تماثله؛ فالميدان ليس محايدا أبدا، فالوسائل الإعلامية ورأس المال والشبكات الخارجية توجّه الميول، وقد يتحول الإبداع إلى ستار للهيمنة، ومن وجهة نظره، الخطة المسبقة ليست منافسا للميدان، بل شرط لصحته وقابليته للتنظيم.
ونوَّه إلى أن الثبات المؤسسي؛ والتغيير المستمر يقوّض عادة الفضائل ومصداقية القواعد، ويترك الميدان للخطاب الشعبوي، وهو ما يربطه برؤية المفكر السياسي البريطاني إدموند بيرك؛ فصلة الأحياء بالأموات وغير المولودين ليست تمجيدا للماضي، بل تحذير من الحاجة إلى قواعد ثابتة وبطيئة تفرّق بين التجديد والاستمرار من جهة، والانقطاع والقطيعة من جهة أخرى.
وأبرز أن إعادة قراءته لهذه المبادئ تقوده إلى توصية عملية؛ وهي أن الانتقال من النظرية إلى الحكم السياسي يتطلب تقديم الدولة والأمن على ما سواهما، ففي عالم غير متكافئ، لا تستطيع الدولة أن تواجه لحظة الأزمة من دون إطار معنوي يحدد معاني الصديق والعدو، والتهديد والفرصة، لذلك، حتى مع تقوية الميدان العام، يجب أن يكون تقسيم العمل المؤسسي والتنظيم واضحين، حتى لا ينقلب الحوار إلى هيمنة.
الخطة المسبقة المتعلمة؛ أفق محدد وأداة مرنة
شرح الموقع أنه عند نقطة التقاء النقاش، يطبّق كاكا دزفولي التمييز بين المبدأ والخطة، فإذا جرى التعامل مع المكوّنات على أنها مبادئ، تصبح لغة السياسة قائمة على وضع الحدود والخطوط الحمراء؛ وهذا يفيد في التعبئة ومنح الشرعية، لكنه يجعل السياسة أقل مرونة وأكثر كلفة عند الحاجة إلى الإصلاح.
وأوضح أنه إذا جرى التعامل مع المكوّنات كخطة مسبقة، تصبح لغة السياسة قائمة على حلّ المشكلات؛ حيث يبقى الأفق القيمي ثابتا، لكن الأدوات والتكتيكات مرنة وقابلة للتجربة، والنتيجة هي إتاحة المعايرة التكتيكية، وبناء تحالفات مؤقتة، والتعلم المؤسسي.
وأضاف أنه بهذا المعنى، استمرار الشعارات الأساسية لا يعني دائما جمودا، بل قد يشير إلى فعاليتها؛ فهي تمنح أفقا مشتركا، وتقلل تكاليف التنسيق، وتحول الصراعات الخطرة إلى منافسات داخل الإطار، وتزيد المرونة في الأزمات، وتقوي الموقف التفاوضي خارجيا، ولكن كاكا دزفولي يقر بأن هذه الشعارات لم تُحصَر أو تُنظَّم مؤسسيا بعد، وهو ما يوسع الفجوة بين الخطاب والممارسة.
وأشار كاشي إلى “خطر أن تتحول الخطة إلى مبدأ جامد؛ فإذا ترسخت في الخطاب وأُحكم تفسيرها داخل المؤسسات، ستتعرض للتجمّد، لذلك شدّد على ضرورة أن تبقى الخطة مجرد خطة: قائمة على الفرضيات، قابلة للتعلم، وخاضعة للتقييم المستمر”.
إيقاع التغيير الصحيح في السياسة؛ الصدق أم البيئة الصادقة؟
أورد الموقع أن “كاشي يرى أن الصدق هو المبدأ الثابت الوحيد في السياسة، وأن الحقيقة تُبنى داخل الميدان لا خارجه، بينما يؤكد كاكا دزفولي أن الصدق الفردي بلا بيئة مؤسسية صادقة قد يتحول إلى سذاجة، لذا يدعو إلى تغيير بطيء ومقنع يقوم على عقل مؤسسي يربط الابتكار بالقواعد المستدامة”.
وحذَّر كاشي بدوره من أن تضييق الدولة القوية للمجال العام باسم الاستقرار يؤدي إلى جمود مدمر، والخلاف بينهما هو وجهان لسؤال واحد: كيف نتجنب التغيير السريع المتهور والبطء المفرط المعيق؟ والجواب عندهما يلتقي في بناء مؤسسات واضحة لقواعد التغيير.
إعادة التفكير المتكرر والطريق الثالث للسياسة
في الختام أوضح الموقع أن “الطرفين يتفقان على أن قرارات إيران تأتي في بيئة عدائية متراكمة، حيث كثير من الخيار الأيديولوجي هو عمليا رد عقلاني، والخلاف يظهر حينما تتحول هذه الردود إلى قواعد مقدسة تمنع المراجعة، والحل يكمن في جعل قواعد الحكم والمراجعة مؤسسية وشفافة، حتى تبقى الخطة المسبقة قابلة للتعلم والتقييم، لا أن تنزلق إلى التجمّد”.

