- زاد إيران - المحرر
- 548 Views
ترجمة: يسرا شمندي
أجرت صحيفة اعتماد الإصلاحية، الثلاثاء 27 مايو/أيار 2025، مقابلة مع السفير الإيراني السابق لدى بريطانيا جلال ساداتيان، تناولت فيه تقييم ومناقشة زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، لمسقط في ظل المفاوضات غير المباشرة الجارية بين طهران وواشنطن بوساطة عمان، وأهمية هذه الزيارة في تعزيز العلاقات الثنائية والتعامل مع القضايا الإقليمية والدولية الحساسة.
كيف تُقيّم زيارة مسعود بزشكيان لمسقط، اليوم، على رأس وفد بدعوة من المسؤولين الرسميين في عُمان، في ظل التعقيدات التي تحكم المشاورات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة ودور عمان كوسيط بين البلدين؟
إن روابط إيران وعمان، رغم جذورها التاريخية، فإن ما يبرز في ذاكرة العلاقات بين البلدين هو العصر الحديث وبشكل خاص السنوات التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية. وفي تلك الفترة، قدم نظام بهلوي دعما لسلطان عمان في مواجهة حركة تمرد مسلحة في منطقة ظفار جنوب عُمان. وهذا الدعم التاريخي جعل العمانيين يحتفظون منذ ذلك الوقت بتقدير دائم لإيران، وقد تجلى هذا الامتنان في سلوكهم السياسي والدبلوماسي.
من ناحية أخرى، على مدى هذه السنوات، شهدت العلاقات بين البلدين أبعادا متعددة؛ بدءا من التبادلات التجارية وصولا إلى الدعم السياسي العماني لإيران، خصوصا في فترات كانت فيها مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية ودول أخرى من المجلس في منافسة إقليمية ضد إيران، لا سيما خلال فترة الحرب المفروضة ودعم العراق في عهد صدام، في مواجهة طهران.
وخلال تلك المرحلة، اتخذت عمان، على عكس العديد من الدول العربية في المنطقة، موقفا متوازنا، ويمكن القول إنها اتبعت إلى حد كبير نهجا متوافقا مع إيران.
كيف تُحلل الدور التاريخي لعمان في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتزامن فيها جولة جديدة من الوساطة العمانية بين طهران وواشنطن؟
لطالما لعبت عمان دورا مهما في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة. على سبيل المثال، خلال فترة رئاسة الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد، جرت مفاوضات بين الدبلوماسي ووزير الخارجية الأسبق علي أكبر صالحي والجانب الأمريكي في مسقط. وهذا الدور الوسيط يعكس الثقة التي يكنها الطرفان (إيران والولايات المتحدة) لعمان.
في بعض الأحيان، تأخذ هذه العلاقات أبعادا شخصية؛ حيث قدم العمانيون مساعدات في مناسبات مختلفة، وقد قمنا بالمقابل بالرد على هذه المساعدات.
ويمكن أن تستمر هذه العلاقات في المستقبل أيضا، ولها دور مهم في تفاعلات إيران مع العالم، سواء في التعامل مع الدول العربية أو الغرب، أو في مواجهة العقوبات. لهذا السبب، كانت التنقلات الدبلوماسية بين البلدين مستمرة دائما. فقد زار وزراء خارجية عمان إيران عدة مرات، وبالمقابل، زار وزراء خارجية إيران وحتى رؤساء الجمهورية مسقط.
وفي الوقت الحالي، يمكن لهذا المسار أن يستمر في إطار السياسة الخارجية التي أعلنها بزشكيان والتي تهدف إلى تطوير علاقات جيدة مع الجيران. وتعتبر عمان نوعا ما جارة هادئة لنا؛ فهي دولة لم تقدم الدعم فقط في الماضي، بل أيضا اليوم في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة، قدمت دعما لإيران.
ومع ذلك، من المهم الإشارة إلى أن تزامن زيارات المسؤولين الإيرانيين إلى عمان مع استئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة له دلالة مهمة. وهذه المفاوضات، رغم أنها انتقلت في بعض الفترات إلى العاصمة الإيطالية روما، إلا أنها استمرت في مقر إقامة السفير العماني في إيطاليا. والسبب في ذلك هو ضمان ألا يشعر الأوروبيون بأنهم مستبعدين من عملية التفاوض. ولهذا السبب، حرص العمانيون على الحفاظ على دور أوروبا في هذه المفاوضات.
وعلى الرغم من أن الجولة الخامسة من المفاوضات مع الأوروبيين، التي عقدت في اسطنبول وترأسها نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية مجيد تخت روانجي، كانت متوترة بعض الشيء، إلا أن الهدف منها كان إرسال رسالة واضحة لأوروبا مفادها أن إيران لم تستبعدهم من عملية التشاور.
هل تشير هذه الزيارة، في ظل تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد الجولة الخامسة من المشاورات، بأن سلطنة عُمان قدّمت مقترحات للطرفين بهدف الخروج من الوضع الحالي، إلى وجود جهود غير معلنة من جانب واشنطن لدفع إيران نحو التفاهم؟
من الجدير بالذكر أن زيارة بزشكيان إلى سلطنة عمان كانت مُخططة مسبقا، وبالتالي لا يمكن اعتبارها منفصلة تماما عن سياق الجولة الخامسة من المفاوضات. ولو كانت الزيارة مفاجئة أو غير مبرمجة، لكان من الممكن ترجيح هذا الاحتمال بشكل أكبر. ومع ذلك، من الطبيعي أن تُطرح خلال هذه الزيارة قضايا مهمة، من بينها ملف المفاوضات.
إن علاقاتنا مع سلطنة عمان، إلى جانب طابعها الثنائي، تحمل أبعادا متعددة الأطراف. ففي مثل هذه اللقاءات، تُدرج قضايا إقليمية ودولية، كأوضاع غزة، والتطورات العالمية، ضمن جدول الأعمال. ومن الطبيعي أن يتم التطرق أيضا إلى المفاوضات مع الولايات المتحدة والأوروبيين، وينقل بزشكيان مواقف إيران في هذا السياق. ومع ذلك، لا يمكن اعتبار أن الهدف الرئيسي من الزيارة كان محصورا في ملف المفاوضات فقط.
كم هو احتمال أن تُجرى مشاورات بين الطرفين حول المحاور المهمة للجولة الخامسة من المفاوضات، خاصةً موضوع تخصيب اليورانيوم، خلال زيارة بزشكيان لمسقط؟
إن إحدى النقاط البارزة في مفاوضات الجولة الخامسة كانت التأخيرات التي حدثت في جدول هذه الجولة من المحادثات بعد انتهاء الجولة الرابعة، ويرجع السبب في ذلك إلى التصريحات المتناقضة التي أدلى بها المبعوث الأمريكي في إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف والتي تفيد بضرورة تحقيق نسبة صفر في تخصيب اليورانيوم.
وأعلن الأمريكيون أن إيران لا يجب أن تقوم حتى بنسبة تخصيب واحدة في المائة، بينما صرحت إيران بوضوح أن هذا الأمر هو خط أحمر ولن تتراجع عنه، مما أدى إلى نشوء توترات إعلامية بين الطرفين وأدى إلى تأجيل الجولة الخامسة.
وبالعودة إلى خلفية هذا الخلاف، يجب القول إنه بعد انسحاب ترامب من الاتفاق النووي، التزمت إيران لمدة تقارب السنة بتعهداتها في الاتفاق، حيث كان التخصيب يتم فقط بمستوى 3.67%، وكانت أجهزة الطرد المركزي من الجيل الأول والثاني محدودة، وكان مفتشو الوكالة يزورون إيران وفقا للجدول المحدد.
وخلال هذه الفترة، أعربت إيران عن احتجاجها للأوروبيين بسبب عدم التزامهم بتعهداتهم رغم التزام إيران، فاقترح الأوروبيون آلية إنستكس والتي لم تتمكن من أن تكون بديلا فعالا للاتفاق النووي. لذلك، وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق، تراجعت الشركات الأوروبية خوفا من العقوبات الأمريكية، مما دفعها إلى الامتناع عن التعاون مع إيران بسبب الخوف من ضغوط الولايات المتحدة.
هل يمكن لإيران وعمان في ظل الظروف الحالية وتحت تأثير العقوبات الأمريكية، أن يزيدا من تفاعلاتهما الثنائية ويلعبا دورا فاعلا في المنطقة مع مراعاة العلاقات الاستراتيجية والجيوسياسية بين طهران ومسقط واعتبارا لما سبق من معطيات؟
نعم، هذا صحيح تماما. لقد أشرت سابقا إلى أنه في فترة تشديد العقوبات، كانت عمان واحدة من أهم القنوات التجارية لإيران. وهذه العلاقة اكتسبت أهمية خاصة في تبادل سلع مثل المعادن الثمينة، ومنها الذهب، التي تصل إلى إيران عبر عمان من إفريقيا. كما أن المنتجات الزراعية تُعد من السلع الأخرى التي تُبادل في إطار العلاقات الثنائية بين البلدين.
ولا ننسى أن دور عمان في الحوارات والنقاشات الإقليمية كان دائما إيجابيا وملحوظا في خفض التوترات وتسهيل الحوار. واليوم، في ظل الظروف الصعبة الناجمة عن العقوبات الطويلة الأمد، تظل العلاقات الثنائية بين إيران وعمان نشطة وفعالة. ففي المجالات المالية والتجارية، قدمت عمان مساعدات وتعاونات ساعدت في تخفيف آثار الضغوط الناتجة عن العقوبات.
كما تم تسوية بعض القضايا المتعلقة بتصدير النفط الإيراني عبر عمان. رغم أن تفاصيل هذه التعاونات لا يمكن ذكرها بوضوح لأسباب معروفة، إلا أنه بشكل عام يمكن القول إن عمان كانت وستظل أحد مسارات التنفس الاقتصادي لإيران في فترة الضغوط الدولية.
كيف تقيّم تكرار هذا النهج في الوقت الحالي مع استمرار عملية التشاور بين طهران وواشنطن، في ظل شعور أوروبا بأنها خارج هذا الميدان؟
في هذا السياق، يجدر القول إن التوترات وحالة الاستياء بين إيران والترويكا الأوروبية تصاعدت منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي. ومن ناحية أخرى، شعرت إيران بأن أوروبا لم تكن شريكا موثوقا. كما رأى بعض الأطراف داخل إيران ضرورة ممارسة الضغط على أوروبا، وظهرت في هذا الإطار أطروحات مثل شتاء أوروبا القاسي، التي دعمها بعض غير المطلعين، إلا أن هذه الاستراتيجية ثبتت عدم صلاحيتها.
إن أوروبا كانت تعتمد على الولايات المتحدة في تأمين حاجتها من الطاقة، وبدلا من التراجع، اتخذت موقفا أكثر بعدا. وفي الوقت نفسه، ظهرت اتهامات بأن إيران زودت روسيا بالطائرات المسيرة والصواريخ لاستخدامها ضد أوكرانيا، بينما كانت أوروبا تقف إلى جانب أوكرانيا. وهذا الأمر دفع الأوروبيين إلى الاعتقاد بأن إيران دخلت الحرب وهددوا بتفعيل آلية الزناد (سناب باك).
لكن مع تغير الحكومة في إيران وظهور شخصيات مثل تخت روانجي ومساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية غريب آبادي في فريق المفاوضات، جرت أربع جولات من المفاوضات مع أوروبا. وعندما اقترح العمانيون إجراء مفاوضات مباشرة مع أمريكا، توقفت المفاوضات مع أوروبا. لكن إيران أعلنت أنها ستواصل المفاوضات مع أوروبا بشكل منفصل. وأُجريت جولتان من هذه المحادثات في روما، بينما استؤنفت المفاوضات المباشرة مع أوروبا في اسطنبول.
لماذا تسعى إيران لإجراء مفاوضات مع أمريكا وأوروبا في الوقت نفسه؟ هل يبدو أن إنشاء إطار مشابه للاتفاق النووي (برجام) هو على جدول أعمال الطرفين؟
نعم، بالطبع يبدو الأمر كذلك، إذ أن إيران أرسلت رسالة إلى الأوروبيين مفادها أن المفاوضات معهم مستمرة، وفي الوقت نفسه تجري محادثات مع أمريكا. ويبدو أن الهدف هو تشكيل إطار مشابه للاتفاق النووي (برجام) يشارك فيه جميع الأطراف، بما في ذلك أمريكا وأوروبا والصين وروسيا. حتى أن وزير الخارجية عباس عراقجي أعلن أن نتائج كل جولة من المفاوضات تُبلغ إلى دول مجموعة 1+5.
ما هي الحلول التي يحملها الاقتراح العماني برأيكم؟ وهل يمكننا أن نأمل أن تسهل مسقط في هذه الفترة الزمنية تمهيد الطريق لاتفاق نسبي؟
يرجى ملاحظة أنه في الجولات الثالثة والرابعة من المفاوضات، تم طرح تفاصيل فنية مثل التخصيب بنسبة 60% و20%. ومن ناحية أخرى، وجه الطرف الأمريكي اتهامات ضد إيران، منها أن إيران لا تسمح للمفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية بحرية كاملة، وأن قانون الإجراء الاستراتيجي الذي أقره البرلمان فرض قيودا على هذه الرقابات.
مع ذلك، أعلنت إيران أنها زادت من التخصيب ردا على خيانة الطرف المقابل، وأكدت مرارا أن هدفها ليس عسكريا. وحتى بناء على فتوى القيادة، فإن صناعة القنبلة النووية ليست جزءا من سياسة إيران.
ونظرا إلى حساسية موضوع التخصيب بنسبة 60%، يبدو أن المقترح العماني كان تشكيل تجمع من الدول العربية لمراقبة الأنشطة السلمية لإيران. يمكن لأعضاء هذا التجمع متابعة العملية والإبلاغ عنها لكسب ثقة أمريكا.
وتشير الأدلة إلى أن وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي يؤكد على هذه النقطة ويقول إن هذه هي أفضل طريقة لإثبات عدم عسكرية البرنامج النووي الإيراني، دون أن تضطر إيران إلى التوقف الكامل عن التخصيب، وهو ما كان دائما خطا أحمر لطهران. والآن، يبدو أنه في الجولة القادمة من المفاوضات، ستُناقش آلية عمل هذا التجمع، ووضع اليورانيوم بنسبة 60% و20%، وكيفية رفع العقوبات من قبل أمريكا.
كما تؤكد إيران أنه إذا كان هناك أي إجراء، فيجب أن يكون تدريجيا ومتزامنا؛ أي إذا رفعت أمريكا العقوبات، فستحد إيران من برنامج التخصيب، لكن العودة الأحادية للالتزامات السابقة لم تعد مقبولة لإيران.
هل يمكن اعتبار هذه الزيارة دليلا على جهود سلطنة عمان لتهيئة الأجواء للمشاورات بين إيران والولايات المتحدة على المستويات العليا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فهل تُبدِي طهران قبولها بمثل هذا الاقتراح في الظروف الراهنة؟
يمكن أن يحدث مثل هذا الأمر، لكن ليس في الجولة السادسة من المفاوضات. ومن وجهة نظري كخبير تحليلي، من المنطقي أنه عندما يتوصل الطرفان إلى اتفاقيات، قد يتم وضع برنامج يسمح للطرفين بلقاء بعضهما البعض.قد يكون هذا اللقاء عفوياً أو مرتبطاً بمناسبة ما في إطار اجتماع دولي تحضر فيه إيران أيضا.
ففي الماضي، خلال فترة حكم الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، لم يكن مسموحا بمثل هذا اللقاء، أما في عهد الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني فقد اقتصر الأمر على مكالمة هاتفية بين رؤساء الجمهورية. لكن هذه المرة، هناك احتمال أن يتم لقاء حضوري بين الرئيسين.

