خبير سياسي إيراني: الهدنة هشة.. وإسرائيل قد تعود إلى التصعيد

ترجمة: سارة المزين

نشرت صحيفة «شرق» الإيرانية الإصلاحية، الثلاثاء 1 يوليو/تموز 2025، حوارا مع الباحث والمحلل السياسي البارز دياكو حسيني، وذلك في سياق تحليل أبعاد الهدنة الهشة بين إيران وإسرائيل عقب اثني عشر يوما من التصعيد.

وتناول الحوار التساؤلات الجوهرية حول ما إذا كان هذا التوقف يعكس تحولا استراتيجيا في الصراع أم أنه مجرد تكتيك مؤقت ضمن لعبة التوازنات الإقليمية. وقد طرح حسيني رؤيته بشأن مستقبل هذا الملف، في ظل المستجدات الأمنية والسياسية في المنطقة.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما الذي دفع إسرائيل إلى القبول بهدنة شفهيّة بعد 12 يوما من التصعيد، رغم استعدادها الظاهري لحرب شاملة؟ وهل كان ترامب وراء هذا التراجع؟

يرتبط هذا التطوّر مباشرة بإسرائيل وإيران. ورغم غياب تفاصيل دقيقة بشأن القرار، في ظل ضبابية مواقف قادة إسرائيل والولايات المتحدة، فإن المؤشرات تُظهر أن إسرائيل نجحت جزئيا في تحقيق بعض أهدافها المعلنة داخل إيران، وفي مقدّمتها إبطاء البرنامج النووي الإيراني، وإلحاق أضرار ملموسة ببرنامج الصواريخ التابع لإيران، إلى جانب توجيه ضربات إلى البنية القيادية للمنظومة العسكرية الإيرانية.

في المقابل، الخسائر التي تسببت بها إيران لإسرائيل كانت كبيرة أيضا، خصوصا بالنظر إلى ضعف العمق الاستراتيجي الإسرائيلي، ما جعل الضربات أكثر إيلاما.

وبالنظر إلى هذين العاملين- أي النجاح النسبي في تحقيق الأهداف من جهة، والخسائر المتحققة من جهة أخرى- يبدو أن وقف تبادل النار في الوقت الراهن أمر يمكن فهمه وتبريره.

لكنني أرى أن اعتبار هذا التوقف “هدنة” بمعناها الكامل لا يعكس الواقع بدقة، وإسرائيل لا تزال تحتفظ بدوافع قوية لممارسة مزيد من الضغوط على إيران، خصوصا إذا لم تمضِ المفاوضات المقبلة كما تريدها.

بل ربما استغلت إسرائيل هذه الجولة لاختبار القدرات العسكرية الإيرانية، وتستعد حاليا لجولة جديدة، بعد إعادة ترتيب صفوفها وتجاوز الثغرات الدفاعية.

ما مدى هشاشة الوضع الحالي؟ وما الدوافع التي قد تدفع نتنياهو إلى استئناف التصعيد العسكري ضد إيران؟

برأيي، قد تعتقد إسرائيل أنها ما زالت قادرة على تحقيق مزيد من الأهداف داخل إيران، سواء من خلال استهداف شخصيات سياسية، أو إعادة ضرب هيكل القيادة العسكرية. وهذه دوافع قد تُبرر استمرارها في التصعيد.

أحد الدوافع الأخرى المحتملة تعود إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، إذ قد ترى الحكومة- في ظل هشاشة وضعها السياسي- أن استئناف الهجمات يُسهم في التغطية على أزماتها الداخلية، ولو كان ذلك عبر خرق وقف إطلاق النار.

لكن في حال وُجدت ضغوط من الولايات المتحدة الأميركية، فقد تُقدِم تل أبيب على التريّث وتوخي الحذر، خاصة إذا قدّرت أن إيران تملك قدرة كبيرة على الصمود في أي مواجهة مقبلة. كما أن تصاعد تهديدات حزب الله قد يدفع إسرائيل إلى تمديد الهدنة مؤقتا وتأجيل أي عملية عسكرية جديدة ضد طهران.

في المحصلة، توجد لدى الطرفين دوافع لمواصلة الحرب أو وقفها، والأمر في النهاية يتوقف على ما تجمعه إسرائيل من معلومات استخباراتية، وعلى التحليل النهائي الذي تبني عليه قراراتها، وهي معطيات لا نملكها بطبيعة الحال، ولا نعلم إلى أي نتيجة قد تصل.

هل من المحتمل أن تعتمد إسرائيل مع إيران نمطا مشابها لما تنفذه في لبنان من هجمات محدودة لا تثير ردود فعل دولية؟

من وجهة نظري، القاعدة العامة هي أن الحرب لا تزال مستمرة ويجب البقاء على جهوزية كاملة لمواجهتها. فهناك أسباب ودوافع متعددة قد تؤدي إلى استمرارها. 

ولهذا، أرى أن اعتقاد أن وقف إطلاق النار هشّ ومؤقّت، أمر منطقي ومبرَّر تماما.

من المحتمل أن تصل إسرائيل إلى قناعة بأن تنفيذ حروب قصيرة وسريعة بأهداف محددة يمكن أن يحقّق لها مكاسب، عبر اعتماد أساليب غير مباشرة لا تُعدّ خرقا ظاهرا لوقف إطلاق النار. وأعتقد أن هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحا في هذه المرحلة.

أما من منظور الرأي العام العالمي، فقد لا تثير بعض الهجمات الإسرائيلية ردود فعل قوية، لأن نمط الحرب الذي تعتمده إسرائيل غالبا ما يكون مبنيا على عمليات محدودة، سريعة، وهادفة. 

ولذلك، فإن العالم بات معتادا إلى حد ما على هذا الأسلوب، وأصبح أقلّ حساسية تجاهه.

وبناءً عليه، يمكن القول إن العديد من الدول والهيئات الدولية باتت تُبدي قدرا أكبر من التسامح تجاه هذا النمط من العمليات الإسرائيلية، خاصة في ظل ما يحدث حاليا في لبنان، وما قد تفكر فيه إيران كخيار للردّ.

ما مدى جدية التحليلات التي تشير إلى استعداد إسرائيل لهجوم أوسع على إيران بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها؟

في رأيي، إسرائيل تمتلك حاليا ترسانة متطورة وتقنيات عسكرية متقدمة، كما أن المساعدات الأمريكية المقدَّمة لها غالبا ما تكون ذات طابع عسكري، ومن المحتمل أن تزداد هذه المساعدات إذا ما تصاعدت الحرب مع إيران، دون أن تواجه إسرائيل عراقيل تُذكر داخل الكونغرس الأمريكي بهذا الشأن.

لذلك أعتقد أن الفترة القصيرة الحالية قد تكون فرصة لإسرائيل لإعادة هيكلة منظومتها العسكرية، ومعالجة الخلل أو سدّ الثغرات الأمنية التي ظهرت في بنيتها الدفاعية.

وأرى أن الأمر ذاته قد ينطبق على إيران أيضاً، إذ من المرجح أن تسعى هي الأخرى إلى الاستفادة من هذه المرحلة لتحسين استعداداتها العسكرية.

إلى أي مدى قد يحظى نتنياهو بدعم كامل من ترامب إذا قررت إسرائيل خرق التهدئة واستئناف الهجوم على إيران؟

ذلك يعتمد بشكل مباشر على مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.

فإذا كان هناك اتفاق مرتقب بين الجانبين، فقد يتمكن ترامب من منع نتنياهو من الاستمرار في الحرب.

أما إذا لم تكن هناك مفاوضات جادة، فمن المحتمل أن تُستخدم الهجمات الإسرائيلية كوسيلة ضغط على إيران لدفعها نحو التفاوض.

وبالتالي، فإن موقف الولايات المتحدة الأمريكية من هذا المسار يبقى مرهونا بما ستؤول إليه المحادثات بين طهران وواشنطن.

في الوقت الراهن، يبذل الأوروبيون أيضا جهودا كبيرة لدعم استمرار الحرب، في حال فشلت مساعي التفاوض.

لا أرى أن هناك أفقا حقيقيا للتوصل إلى اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، إذ إن الهجوم الأمريكي الأخير عقّد المشهد، وطرح قضايا متعددة على الطاولة. ومن جهة أخرى، فقدت إيران إلى حدّ ما، أدوات الضغط السابقة أو تراجعت فاعليتها.

كما أن الرئيس ترامب يبدو مقتنعا بأنه خرج منتصرا من هذه الحرب، وأنه دمّر البرنامج النووي الإيراني بالكامل؛ لذلك، سيدخل أي مفاوضات محتملة بثقة عالية، محاولا تحويل ما حققه عسكريا إلى مكاسب استراتيجية طويلة الأمد. وهذا بطبيعة الحال أمر غير مقبول بالنسبة لإيران، ولهذا أعتقد أن فرص التوصل إلى اتفاق ضئيلة مقارنة باحتمال تجدد الحرب.

يُضاف إلى ذلك أن الوقت يداهمنا؛ فنحن نملك نحو شهرين فقط قبل أن ندخل، في أكتوبر/تشرين الأول، في مرحلة “بند الغروب” (Sunset Clause) في الاتفاق النووي.

وإذا أراد الأوروبيون تفعيل آلية الزناد (المعروفة بـ”مکانیسم ماشه”)، فعليهم التحرك في شهري أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول، لتبدأ مهلة الـ35 يوما التي تسبق إعادة فرض العقوبات.

لا أعتقد أننا قادرون على الاقتراب من اتفاق مع الولايات المتحدة خلال الشهر أو الشهرين المقبلين، ما لم يحدث تطور غير متوقع تماما وخارج عن كل التقديرات.