في ظل فضائح مالية لعائلته.. كاظم صديقي يغادر موقعه في إمامة صلاة الجمعة بطهران

ترجمة: دنيا ياسر نور الدين 

نشر موقع “خبر فوري” الإخباري الإيراني، الاثنين 4 أغسطس/آب 2025، تقريرا استعرض خلفيات تنحي كاظم صديقي عن إمامة صلاة الجمعة بطهران، في ظل اتهامات بالفساد المالي لعائلته، ويؤكد أن هذه الخطوة وحدها لا تكفي دون تحقيق شفاف ومحاسبة واضحة، كما يسلّط الضوء على دور الإعلام والرأي العام في الضغط على المؤسسات لمواجهة الانحرافات داخل مناصب دينية عليا.

ذكر الموقع أنّه لا بد من الإشارة إلى أن الحياة السياسية والاجتماعية للأشخاص الذين يشغلون مناصب رفيعة المستوى، ترافقها حساسية خاصة، وإنّ الحفاظ على ثقة الناس يُعدّ الأساس في مشروعية هذه المناصب من هذا المنطلق، فإنّ تنحي كاظم صديقي عن إمامة صلاة الجمعة بطهران، رغم كونه خطوة إيجابية، إلا أنه لا يُعدّ كافيا، ويتوقّع أن تقوم الجهات المعنية بمراجعة دقيقة وجادة لكافة الملفات المطروحة المرتبطة بهذه القضية.

تراكم الشبهات حول عائلة صديقي

ذكر الموقع أن كاظم صديقي، وبعد سنوات طويلة من إمامته لصلاة الجمعة في طهران، والتي لم تخلُ من الجدل، أعلن أخيرا في رسالة رسمية موجهة إلى المرشد الإيراني ، طلب إعفائه من إمامة صلاة الجمعة.

وتابع  أنه بناء على هذا الاستقالة، تمت إقالته من رئاسة “ستاد الأمر بالمعروف” وهو جهاز رسمي إيراني يُعنى بنشر القيم الدينية ومتابعة السلوك الاجتماعي العام وفق الضوابط الشرعي، وفقا للمادة 19 من قانون دعم الآمرين بالمعروف المصادق عليه في عام 2015.

وأضاف أن هذه الخطوة جاءت في ظل تصاعد فضائح واتهامات مالية طالت عددا من أفراد عائلته، أبرزها قضايا تتعلق بأراضي الحوزة العلمية الدينية في مدينة قم، إلى جانب اتهامات باستغلالات مالية منسوبة إلى نجله وكنّته. وقد أسهمت هذه التطورات في تراجع ملحوظ لشعبيته لدى الرأي العام، وتزايدت الدعوات المطالِبة بتنحيه الكامل عن جميع المناصب والمسؤوليات.

قضية أراضي الحوزة العلمية بـ”أزغُل” بداية الانكشاف

ذكر الموقع أن صديقي  واصل الظهور على المنابر الدينية والرسمية رغم اتهامات الفساد المالي التي لاحقته، موجها النصائح عن “التقوى” ومدافعا عن نفسه، معتبرا الانتقادات هجوما منظما على الدين وصلاة الجمعة.

وتابع أنه في خطبته الأولى بعد فضيحة “أرض أزغُل”وهي قطعة أرض مملوكة للحوزة العلمية شمال شرقي طهران تم نقلها بشكل مثير للجدل إلى شركة مرتبطة بأبنائه، قال إن مواقع التواصل باتت مسلخا للسمعة، مستغلةً قضيته البسيطة لكسر قلوب الناس، مضيفا: “أعدائي لا يضربونني بل يضربون الناس”.

وأردف أنه بعد انتشار خبر اعتقال ابنه وكنّته، لم يقدّم كاظم صديقي على الاستقالة من رئاسة ستاد الأمر بالمعروف، أو من منصبه كمستشار لرئيس السلطة القضائية، أو من إمامته لصلاة الجمعة، بل استغل أول فرصة منبرية للدفاع مجددا عن نفسه.

أفاد الموقع بأنّ سجل كاظم صديقي حافل بالقضايا المثيرة للجدل حتى قبل الفضائح الأخيرة المتعلقة بأراضي الحوزة العلمية واعتقال أفراد من عائلته فقد سبق له أن أثار الجدل عبر تصريحات غير تقليدية، من بينها ما قاله عن مصباح يزدي، أحد أبرز الشخصيات الفكرية في التيار الأصولي الإيراني، فإن صديقي وجّه له انتقادات علنية أو طرح مواقف اعتُبرت خارجة عن المألوف ضمن الدائرة الضيقة للحوزة.

وتابع أن وسائل الإعلام الإيرانية تداولت رواية لافتة عنه تُعرف بـ “قصة فتح العيون في مغسل الموتى”، حيث زعم صديقي في إحدى خطبه أو لقاءاته أن أحد الموتى الذين تم تغسيلهم في المغسل قد فتح عينيه فجأة، وهو ما فسّره باعتباره علامة من علامات العبرة أو الكرامة الإلهية، وهي رواية أثارت سخرية البعض وتشكيك آخرين، واعتُبرت نموذجا على الخطاب الديني الذي يختلط فيه الغيبي بالسياسي.

وأضاف أنه سُجّلت في تاريخه السياسي واقعة لافتة تتعلق بترشّحه لعضوية مجلس خبراء القيادة، حيث تم رفض أهليته في دورتين متتاليتين (الرابعة والخامسة)، وذلك بسبب عدم مشاركته في اختبار الاجتهاد، وهو الامتحان الذي يُعدّ شرطا أساسيا لتأهُّل العلماء للترشّح لهذا المنصب الحساس وقد أثار هذا الرفض استغراب عدد من المراقبين، خاصة أن صديقي كان يتمتع بمكانة رسمية بارزة كإمام جمعة لطهران ومقرّب من أوساط السلطة.

وتابع أن النقطة الفاصلة كانت في الكشف عن مستندات تُظهر نقلا غير قانوني لأراضي الحوزة العلمية إلى شركات تابعة لأبنائه، وهو ما أثار ردود فعل واسعة في المجتمع.

أشار الموقع إلى أن حوزة أزغُل العلمية، التي أسست قبل نحو عقدين على أرض مساحتها 23 ألف متر مربع، ومعظمها تابعة للأوقاف وبلدية طهران، شهدت في عام 2022 تخصيص جزء من هذه الأراضي لشركة يملكها ابنا صديقي محمد مهدي ومحمد حسين. 

وتابع أن صديقي أرسل لاحقا رسالة إلى النيابة العامة، زاعما فيها أن التوقيع المنسوب إليه على وثائق نقل الملكية كان مزورا، مدعيا أن الهدف من الأرض كان إنشاء مركز ثقافي ما قبل الحوزة العلمية خاص بالشباب واتّهم أحد الأشخاص الذي كان محل ثقة، بأنه خان الأمانة وزور التوقيع ونقل الأرض دون إذن.

مجلس أئمة الجمعة تحت مجهر الانتقادات

أضاف  الموقع أنّ معصومة ابتكار، الرئيسة السابقة لمنظمة حماية البيئة، نشرت حينها تعليقا على منصة “إكس”، مشيرة إلى أنها كانت قد حذّرت منذ عام 2012 في جلسة علنية لمجلس بلدية طهران من قطع أشجار هذه البساتين، مؤكدة أن المخالفات بدأت منذ ذلك الحين.

وتابع أنه في 2025 نُشر تقرير آخر كشف أن إيرادات فندق “جهان” في مشهد، الذي تبرع به محسنون لصالح الحوزة العلمية في 2014، لم تكن تُودَع في حساب الحوزة بل في حساب مؤسسة يرأسها ابن صديقي، محمدمهدي، علما بأن ملكية الفندق تعود بالكامل إلى الحوزة، وكان يجب أن تُدار عائداته رسميا عبرها.

وأردف أنّ هذه المخالفات حدثت في أثناء تولي محمدباقر قاليباف “رئيس البرلمان الإيراني حاليا” رئاسة بلدية طهران، ورغم كل ذلك، أكد صديقي بعد اعتقال أفراد من عائلته احترامه للقانون، وقال: “الجميع يجب أن يكونوا حماة للقانون، وإذا صدر حكم بحق ابني، سألتزم به لقد اعتبرت نفسي دوما ملتزما بالقانون، وإذا ثبتت صحة الاتهامات، يجب التعامل معها قانونيا”.

وأوضح أن هذه التصريحات لم تكن تعبيرا عن أسف أو تخلي عن المسؤولية، بل جاء موقفه كما لو كان ضحية تم الاحتيال عليه لكن السؤال الذي لم يُجب عليه بعد، هو: كيف يكون ضحية للاحتيال وقد زادت ممتلكاته نتيجة لذلك؟

أفاد الموقع بأنه رغم تبرئة صديقي من التهم، فقد نبّه رئيس السلطة القضائية محسني إجئي إلى ضرورة مراقبة تصرفات أسر المسؤولين، مشددا على دور الأجهزة الرقابية، وذلك خلال جلسة في إجتماع المجلس الأعلى للقضاء شهدت لفت الأنظار إلى “كرسي فارغ” نُشرت صورته لاحقا.

وأشار  إلى تصريح النائب السابق جلال رشيدي كوجي لموقع “تابناك” الإيراني، حيث اعتبر استمرار صديقي في إمامة الجمعة إهانة للرأي العام، مؤكدا أن تعيينه يعود إلى مجلس سياسات أئمة الجمعة، وليس إلى المرشد الإيراني  كما يعتقد البعض.

وأوضح كوجي أن المجلس تصرف كما لو أن صديقي يتمتع بحصانة دائمة، منتقدا تجاهل المساءلة، مما أثار استياء حتى في أوساط المتشددين، وأضرّ بمكانة صلاة الجمعة.

دور حاسم للإعلام ومواقع التواصل في كشف الحقائق

أشار الموقع  إلى أن الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في تسليط الضوء على هذه القضايا، عبر نشر الوثائق والأدلة، ما أدى إلى موجة من الانتقادات تجاوزت الشارع لتشمل شخصيات سياسية واجتماعية، مطالبة بمحاسبة شفافة وصريحة من قبل الجهات المعنية. 

وتابع أن هذه الضغوط الإعلامية والاجتماعية كانت عاملا رئيسيا في التسبب بردود أفعال رسمية، بما في ذلك تأكيد نبأ اعتقال ابن وكنّة صديقي، الأمر الذي أكد وجود ملف فساد حقيقي داخل عائلة رجل طالما وعظ الآخرين بالأخلاق.

وأضاف أنّ بعض الأصوات، رغم الانتقادات، شددت على أهمية الحفاظ على اللحمة الوطنية، وطالبت بالتعامل القانوني المتوازن لعدم تعميق الانقسامات ورغم وجاهة هذا الطرح، إلا أنه لا ينبغي أن يكون ذريعة لتجاهل ضرورة الشفافية والمحاسبة الصريحة.

وأردف أنّ هذه القضية لا تُختزل في شخصية واحدة، بل تمثل اختبارا استراتيجيا لمؤسسات الحكم في البلاد ففي عصر باتت فيه الشفافية والمساءلة شرطا أساسا للشرعية والثقة العامة، فإن التستر واستمرار شخصيات مثيرة للجدل في مواقع حساسة، سيكلف النظام السياسي والاجتماعي ثمنا باهظا ولهذا، فإنّ التعامل مع ملف صديقي يجب أن يكون نقطة انطلاق لمراجعة شاملة لموقف النظام تجاه الشفافية.

وأضاف أنّه من منظور الخبراء والنشطاء الاجتماعيين، فإن استقالة  صديقي ليست مجرد تغيير إداري، بل استجابة للضغط المتزايد من الرأي العام وضرورة ترميم صورة المؤسسات المسؤولة.

ونقل الموقع تصريح أميرحسين ثابتي، نائب عن تيار ” جبهة بايداري”، الذي وصف استقالة صديقي بأنها “احترام لمطالب الرأي العام”، داعيا إلى أن تتحول منابر صلاة الجمعة إلى أدوات فعالة لمحاسبة السياسات الفاسدة والضغط على المسؤولين غير الأكفاء وقال: خطب الجمعة تمتلك طاقة استثنائية في نقد السياسات الخاطئة، وتصحيح الأمور، وتضييق الخناق على الفاسدين ويجب إحياء هذا الدور.

وتابع أنه في المحصلة، لم يعد صديقي جزءا من إمامة صلاة الجمعة، ولا من ستاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك وفقا للمادة 19 من قانون دعم الآمرين بالمعروف، التي تنص على أن رئاسة هذا المنصب يجب أن تكون لأحد أئمة جمعة طهران، وسيتم قريبا تعيين رئيس جديد.

واختتم الموقع بتأكيد أن التردد في التعامل مع هذه القضايا الحساسة حوّل إمام جمعة طهران من رمز للوحدة إلى مصدر خلاف، مشددا على أن تجاهل تجاوزات الأقارب يُضعف مصداقية النظام، ويجعل من القضية اختبارا حقيقيا لنزاهة واستقلالية الجهات القضائية والرقابية في نظر جمهور متشكك بحاجة إلى دلائل واضحة على سيادة القانون.