أستاذ علوم سياسية إيراني: التصعيد الأخير كان نتيجة لفشل استراتيجيات التفاوض

أجرت صحيفة هم ميهن الإيرانية، الأربعاء 30 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أبو الفضل دلاوري، أستاذ العلوم السياسية بجامعة العلامة طباطبائي، حول جذور الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، وأسباب فشل المفاوضات النووية

ما رأيكم في الأسباب التي أدّت إلى هذا الوضع؟ أعني الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران، وكذلك الوضع الأشمل في الشرق الأوسط اليوم.

قبل الدخول في صلب الموضوع، أعبّر عن إدانتي للعدوان الإسرائيلي والأمريكي على إيران، وتضامني مع عائلات الضحايا.
لفهم الوضع الحالي، أرى ضرورة تبني مقاربة تحليلية متعددة المستويات (قصيرة، متوسطة، وطويلة الأمد)، تربط بين العوامل التاريخية والجغرافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
استلهمت هذا المنهج من أعمال فرنان بروديل ومدرسة “أنال”، التي وسّعت إطار تحليل الأحداث إلى مديات زمنية طويلة، وهو ما أراه مناسبا لفهم المنطقة، عبر مفهوم “المجتمع الشرق أوسطي”.

غالبا ما يُختزل فهم الأزمات في مظاهرها الفورية، دون التطرق إلى جذورها المتراكمة، كما تُختار نقطة بداية الأزمة بشكل اعتباطي، تُظهر الطرف الآخر كفاعل أساسي، رغم أن الأحداث نتيجة تفاعلات طويلة.

مثال توضيحي على هذا التاريخ العنيف في الشرق الأوسط نجده في نقش فرعوني يعود لـ”مرنبتاح” قبل 3200 عام، يصف تدمير كنعان، وإسرائيل، واحتلال فلسطين.

هذا النمط تكرر في عهد حمورابي، ونبوخذنصر، و الأخمينيين، والرومان، والعثمانيين، وحملات صليبية، وحروب القرن العشرين، وحتى “طوفان الأقصى” وما تلاها.
القدس وحدها دُمّرت مرتين، تعرضت لـ23 حصارا، وتبادلت السيطرة عليها 44 مرة.
أما اليهود، فلم يملكوا أرضا خاصة إلا في ثلاث فترات قصيرة، أبرزها العقود الثمانية الأخيرة، وعاشوا تاريخا مليئا بالشتات والنفي والعداء.

هذا التاريخ الطويل، كما يوضح التحليل النفسي الجمعي، راكم لدى الشعب اليهودي طاقة هائلة ذات أبعاد بنّاءة (كالنجاح العلمي والاقتصادي)، وأخرى مدمّرة، ظهرت بوضوح منذ نشأة إسرائيل، بدعم غربي.
فأصبحت تمارس انتهاكات بحق الفلسطينيين والسكان الأصليين، ما يجعلها اليوم أكبر معتد في جوارها.

هل هناك برأيكم، سبيلٌ لوضع حدّ للخصومات الواسعة والمتجذرة في هذه المنطقة؟

بطبيعة الحال، يمكن من حيث المبدأ طرح حلول نظرية، وأرى، من جانبي، أن السبيل إلى التغلب على هذه الخصومات المتجذّرة والمتكرّرة في هذه المنطقة يتمثل في تحقيق مفهوم “المجتمع الشرق أوسطي”؛ أي مجتمع يمكن أن يتشكّل من خلال تعزيز الروابط بين القوى الفكرية والنخبوية والمدنية في مختلف دول المنطقة، بما يتيح لها أن تؤثر على القوى والمؤسسات ذات الطابع التدميري التي سبق أن ذكرتها.

لكن تحقيق هذا الأمر، حتى في إطار المجتمع المدني الشرق أوسطي ذاته، يتطلب فتح نافذة معرفية جديدة على هذا الواقع: نافذة تعرض أمامنا مشهد التضحيات والضحايا والجناة وتبادل أدوارهم المتكرر، كما لو كان فيلما دراميا طويلا، ومن ثمّ تتبنى مقاربة تأويلية لفهم الصورة؛ وذلك بإعادة التفكير في التصويرات الأحادية والدعايات الإعلامية السائدة، المترسّخة لدى طرفي النزاع، لتتجه لاحقا، من خلال تمكين المجتمع في المجال الاجتماعي وفعاليته في المجال السياسي، إلى السعي لتشكيل توافق سياسي واجتماعي على مستوى المنطقة.

وذلك بهدف إيقاف هذا المسار السائد ثم عكس اتجاهه، وفتح مسار جديد قادر على الاستفادة من الطاقات البنّاءة الكامنة في التراث الحضاري والثقافي المتنوع والغني في هذه المنطقة، إلى جانب التراكم والتفاعل بين الموارد المؤسسية والمادية الهائلة التي ما زالت متوفرة فيها.

كيف كانت العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكيف وصلت إلى ما هي عليه الآن؟

على الرغم من التوترات والتحديات التي كانت ظاهرة في خطاب وسلوك الثوريين وبعض المسؤولين في النظام الجديد، فإن العلاقات الرسمية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية استمرت قائمة حتى خريف عام 1979، حين وقع حادث اقتحام السفارة الأمريكية.

 وكانت هناك مفاوضات رسمية جارية بين الحكومة الثورية المؤقتة والمسؤولين الأمريكيين بهدف تسوية بعض الخلافات المتعلقة بالعقود السابقة للثورة. غير أن العلاقة بين البلدين بدأت في التدهور بعد احتلال السفارة، وقد بدأ تصعيد التوتر، ومن ثم عملية اقتحام السفارة، إثر إعلان نية الشاه السفر إلى أمريكا لتلقي العلاج، في خريف عام 1979.

وكانت هناك خلفية نفسية مؤلمة تمثلت في التدخل الأمريكي السابق للإطاحة بمصدق، ما أدى إلى نشوء تصوّر متشائم مفاده أن أمريكا تسعى لإعادة الشاه إلى الحكم. 

ومع أن هذا التصوّر لم يكن مبررا تماما، نظرا للظروف السياسية السائدة داخليا وحتى على الصعيد الدولي آنذاك، إلا أن الخلافات والصراعات بين القوى السياسية والإيديولوجية المتنافسة، سواء داخل النظام الجديد أو خارجه، كانت من العوامل الرئيسية في اندلاع ذلك الحدث واستمرار الأزمة التي نجمت عنه.

هلترون تشكّل وتصعيد العداء بين إيران والولايات المتحدة مجرّد بناء أيديولوجي–سياسي، وأن أحد طرفي هذا البناء هو السلوك والمواقف الإيرانية؟

نعم، أرى ذلك، وإن لم يكن الأمر كلّه كذلك، فأقلّه في جانب كبير من التصعيد، ولأكون صريحا، فإنني أعتقد أنّ إيران والولايات المتحدة، وفقا للعديد من معايير السياسة الواقعية في العلاقات الدولية، لم تكونا تمتلكان أصلا تضاربا كبيرا في المصالح الموضوعية أو الاستراتيجية.

 وتقديم أمريكا كعدوّ رئيسي، وإن كان له شيء من التبرير في الأجواء العاطفية والأيديولوجية التي سادت في بدايات الثورة، إلا أنه بعد تلك المرحلة، وحتى اليوم، لا يقوم على مبرر استراتيجي حقيقي.

بل أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إنّ الولايات المتحدة، حتى ما قبل تشرين الثاني/نوفمبر 1979، لم تقم بأي خطوة سلبية مؤكدة من شأنها الإضرار بأمن إيران أو مصالحها الاستراتيجية. 

برأيكم، ما هي أبرز العوامل التي ساهمت في تصعيد العداء بين إيران وإسرائيل؟

الوضع فيما يخصّ إسرائيل يختلف عن الحالة الأمريكية؛ إذ تداخلت في هذا الملف العوامل الدينية والتاريخية مع العوامل الأيديولوجية والسياسية إلى درجة جعلت من بلوغ مستويات عالية من العداء، كقطع العلاقات وعدم الاعتراف بإسرائيل، أمرا غير مفاجئ ولا يفتقر إلى الأساس بعد الثورة.

 غير أن انتهاج سياسة الحرب غير المباشرة مع إسرائيل، عبر تقديم دعم شامل – لا سيّما عسكري – للقوى المناهضة لإسرائيل مثل حزب الله في لبنان وحركة حماس، فضلا عن الترويج لفكرة “زوال إسرائيل”، وإن لم يكن ذلك ضمن السياسة الرسمية، إلا أنه كان يُطرح كتوجّه لدى بعض المسؤولين ووسائل الإعلام في إيران على مدار عقود، وقد ساهم طبيعيا في تكريس صورة لدى الأوساط المتشددة داخل إسرائيل، مفادها أن إيران تسعى إلى تدمير إسرائيل.

في المقابل، اتبعت إسرائيل بدورها، منذ السنوات الأولى بعد الثورة، سياسة تهدف إلى إضعاف إيران، بحيث تبنّت – حتى خلال فترة الحرب الإيرانية العراقية – استراتيجية “الاحتواء المزدوج” أو “توازن الضعف” بين إيران والعراق، وهي السياسة التي كانت تتقاطع فيها مع التوجّه الأمريكي، فقد كانت إسرائيل تنظر إلى العراق في تلك المرحلة بوصفه تهديدا، تماما كما تنظر إلى إيران.

لماذا يُثير البرنامج النووي الإيراني كل هذا القلق لدى إسرائيل والغرب؟

رغم تأكيد إيران الطابع السلمي لبرنامجها النووي، فإن إسرائيل والدول الغربية تواصل اتهامها بالسعي لامتلاك سلاح نووي تحت غطاء الأبحاث المدنية.

بدأ البرنامج قبل الثورة في إطار معاهدات دولية، وركّز على توليد الكهرباء والأغراض الطبية، لكنه تعثر لاحقا بسبب الثورة والحرب مع العراق.

منذ 2002، عاد البرنامج بقوة، وواجه اتهامات متزايدة، خاصة من إسرائيل، بأنه يشكل تهديدا أمنيا، ورغم تعليق إيران بعض أنشطتها، فإن استئناف العمل عام 2004 أدى إلى عقوبات غربية وضغوط سياسية، ترافقت مع عمليات تخريب واغتيالات استهدفت علماء ومنشآت نووية، نُسب معظمها لإسرائيل.

بعد الاتفاق النووي عام 2015، شهدت الأزمة هدوءا مؤقتا، لكن انسحاب واشنطن منه عام 2018 فجّر التوتر مجددا، ما دفع طهران إلى التراجع عن التزاماتها وصولا لتعليقها بالكامل.

بالتوازي، أثار تطور البرنامج الصاروخي الإيراني، ضمن استراتيجيتها الدفاعية، مخاوف إضافية في الغرب، وسط اتهامات بـ”الغموض النووي” وتحذيرات إسرائيلية من اقتراب طهران من إنتاج سلاح نووي.

هل ترى أن البرنامج النووي الإيراني شكّل رأس الحربة في تهديد إسرائيل؟

نعم! بشكل عام، فإن سلسلة الأفعال وردود الأفعال التي بدأت بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى منذ ما بعد ثورة عام 1979، وانتقلت عبر مراحل متعددة من صراعات سياسية وأيديولوجية في السنوات الأولى، إلى مواجهات أمنية واستراتيجية في العقود التالية، وصولا إلى الاشتباكات العسكرية المتفرقة خلال السنوات الأخيرة، تفسّر مجتمعة الخلفيات والأسباب والعوامل المتوسطة الأجل التي أفضت إلى اندلاع حرب إيران وإسرائيل.

كثيرون، من بينهم أطراف داخل دوائر الحكم في إيران، يرون أن المفاوضات مع الولايات المتحدة لم تكن سوى تقاسم أدوار بينها وبين إسرائيل، وخدعة تمهّد لهجوم مفاجئ، ما رأيكم؟

من الصعب إصدار حكم قاطع في هذا الشأن، خصوصا أن مثل هذا الادعاء يحتاج إلى أدلة موثوقة.

 لكنني، انطلاقا من منطق السياسة، لا أرى دليلا مقنعا على أن أصل المفاوضات كان مشروع خداع، فالسياسيون يسعون عادة إلى تحقيق أهدافهم بأقل تكلفة ممكنة.

 ومن غير المرجّح أن ترامب، نظرا لطبيعته الشخصية ونهجه العام، كان يفضّل خيار الدخول في حرب وتحمل أعباءها الثقيلة والممتدة، على خيار الوصول إلى أهدافه عبر المسار الدبلوماسي.

لقد كرر مرارا أن إيران يجب ألا تمتلك القنبلة النووية مطلقا، وهو ما يعني رفضه لبقاء أي قدرة محتملة لدى إيران تؤهّلها للوصول إلى هذا المستوى.

 بالطبع، إيران نفت دائما سعيها لامتلاك مثل هذه القدرات، لكنها من منظور أمريكا وإسرائيل والقوى الغربية الأخرى، فإن مجرد وجود هذا الاحتمال أو القابلية كان كافيا للقلق، بصرف النظر عن النوايا أو التصريحات الإيرانية المعلنة.

لماذا لم تفضِ المفاوضات إلى نتيجة، ثم فجأة شنّت إسرائيل هجوما على إيران – وهو هجوم يصعب تخيّله من دون ضوء أخضر أمريكي؟

توجد مؤشرات عديدة تدلّ على أن إيران كانت، خلال الأشهر السابقة للحرب، تمتلك إرادة حقيقية لحلّ دبلوماسي لأزمة برنامجها النووي، بل وكانت تميل إلى اتفاقات أوسع مع الولايات المتحدة.

 غير أن هذه الإرادة اصطدمت بتأخّر زمني واضح عن نسق التحولات الإقليمية والدولية، بعدما ضاعت فرص عديدة في مراحل سابقة – سواء خلال ولاية ترامب الأولى أو في عهد بايدن – حين كانت الظروف مواتية أكثر للتوصل إلى تسوية عادلة، لكن إيران فوّتت هذه الفرص، يرجع ذلك جزئيا إلى تسارع وتيرة التطورات الإقليمية، وجزئيا إلى التردّد والصراعات الداخلية في إيران.

أراد ترامب من إيران أن توقف برنامج التخصيب بسرعة وبصورة تُطمئن حتى إسرائيل، هذا المطلب، رغم كونه من منظور قانوني نوعا من الإكراه، فإن الرد عليه من قبل إيران من خلال التمسك بالشعارات التقليدية واللغة النمطية حول “الحق في التخصيب”، لم يكن كافيا أو فعّالا، خاصة مع طرف مثل ترامب لا يملك الصبر ولا الاستعداد لمفاوضات طويلة ومعقّدة.

ويبدو أن طهران لم تأخذ التهديد العسكري الأمريكي بجدية كافية، ولا أولت اهتماما كافيا لمهلة الشهرين التي حدّدها ترامب.

 ربما اعتقدت إيران أن مجرد الدخول في مسار تفاوضي كافٍ لتقويض التهديدات، كما حصل في تجارب سابقة مع إدارة ترامب، مثل ملف الرسوم الجمركية أو أوكرانيا، هذا التصور تأثر أيضا بعقلية التفاوض التي نشأت في مفاوضات برجام التي استمرت أكثر من عامين.

لكن ما غفلت عنه إيران هو أن هذا السياق كان مختلفا تماما؛ فإلى جانب الطبيعة المتقلبة لفريق ترامب، كان هناك عامل استعجال إضافي تمثل في إسرائيل، التي كانت منغمسة في حرب شاملة بالمنطقة، وتسعى بكل قوتها لجرّ ترامب إلى تنفيذ خططها ضد إيران.

كانت إسرائيل تُعلن صراحة استعدادها لضرب إيران، وتدفع باتجاه توسيع رقعة المواجهة، ومع بدء الجولة الرابعة من المفاوضات، بدأت مؤشرات فشل الحوار تتضح بجلاء.

في رأيكم، هل كانت هناك في تلك الظروف سياسة أو نموذج آخر للدبلوماسية والمفاوضات قابل للتنفيذ، وكان من شأنه أن يرفع من احتمال النجاح؟

تشير الأدبيات العلمية والتجارب إلى أن النزاعات الدولية المعقّدة، مثل نزاع إيران والولايات المتحدة، لا تُحلّ بسهولة أو في مرحلة واحدة، حتى مع وجود إرادة سياسية، فهي ترتبط بعوامل داخلية وإقليمية ودولية، وبمصالح وهوية وكرامة يصعب تجاوزها.

إحدى الاستراتيجيات المقترحة لحلّ هذه النزاعات تُعرف بـMTR، وتتضمن ثلاث مراحل: إدارة النزاع (خفض التوتر)، ثم تحوّله (تغيير ساحته وموضوعه)، وأخيرا حله.

منذ تولّي “بزشكيان” السلطة، بدأت إيران بالفعل المرحلة الأولى، أي خفض التصعيد، عبر شعاره الانتخابي “التفاعل مع العالم”، واستمرار سياسة تحسين العلاقات العربية، وردود الفعل المحدودة تجاه إسرائيل، رغم اغتيال “هنية” وضربات “حزب الله”، وتأجيل تنفيذ “الوعد الصادق 3″، الذي كان مقررا ردّا على هجوم إسرائيلي واسع في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.

كما أعلنت إيران استعدادها لمفاوضات غير مباشرة في سلطنة عمان، وهو ما يشير إلى رغبة في التهدئة.
لكن رغم هذه المؤشرات، لم تنتقل إيران إلى المرحلة الثانية من الاستراتيجية، أي “تحوّل النزاع”، وهو ما كان يمكن أن يفتح المجال لحل تدريجي أكثر عمقا واستدامة، خاصة في ظل استمرار المخاطر والحساسيات.