صندوق بندورا الإيراني.. سجال سياسي يتطرق لملف حساس

مع تواصل تصريحات المسؤولين الإيرانيين السابقين والحاليين، حول كشف خيوط الصراع المكتوم داخل أروقة النظام بين التيارات المدنية والعسكرية، تتكشف خيوط أكثر تعقيداً وحساسية، فبينما تسعى بعض الأصوات إلى الدفاع عن إرث الحكومات السابقة وتبرير خياراتها، يلوِّح آخرون بخطورة فتح الملفات الحساسة التي تمس الحرس الثوري ونفوذه المتشعب في الدولة، ومع كل سجال علني، تتجدد الأسئلة حول حدود السلطة في إيران، ومن يملك الكلمة الأخيرة في إدارة المال والقوة والإعلام. 

في هذا السياق، أعاد الجدل الأخير تسليط الضوء على مؤسسة ينظر إليها باعتبارها القلب الاقتصادي للنظام، ومفتاح فهم طبيعة توازناته الداخلية.

لا تفتح صندوق بندورا!

فقد كتب حسام الدين آشنا، المستشار الثقافي للرئيس الإيراني الأسبق، حسن روحاني، ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية في عهد حكومتي أحمدي نجاد وروحاني، على حسابه عبر منصة إكس، الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تعليقاً على تصريحات محمد علي جعفري، القائد الأسبق للحرس الثوري الإيراني، محذراً: “يا أخي العزيز، هل تخبر السيد موجوبي، يقصد جواد موجوبي مقدم البرنامج الذي استضاف جعفري، بالأسرار التي لا تقال؟ ما هي الجهة المسؤولة عن إدارة وتنسيق الاتصالات الإعلامية للقادة العسكريين الحاليين والسابقين في القضايا الحساسة الدفاعية؟ هل يسمح للآخرين أيضاً بالتحدث عن الدخل المالي لهؤلاء القادة ومدفوعاتهم وأدائهم؟ لا تفتح صندوق بندورا”.

Image

جدير بالذكر أن تلك لم تكن المرة الأول التي يحذر فيها آشنا الآخرين بشأن الحديث عن أمور معينة، فقبل ذلك كتب أيضاً على حسابه عبر إكس، 17 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قوله: “لا تجبروا روحاني وظريف على الحديث، ستتضررون”، وذلك رداً منه على الانتقادات الشديدة التي طالت الرئيس الأسبق روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف.

Image

كذلك، وبعد الهجوم الذي شنه محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني، على روحاني، خلال الجلسة البرلمانية التي عقدت الأحد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2025، والذي قال خلالها: “أرى لزاماً عليَّ أن أعبر بصراحة عن انتقادي لمواقف رئيس جمهورنا ووزير خارجيتنا الأسبقين، اللذين أضرا بهذا المسار من خلال مواقفهما، في وقت كانت فيه مسيرة تعاوننا الاستراتيجي مع روسيا تشهد تقدم”، كتب آشنا على صفحته يقول: الأخ الكريم جناب السيد قاليباف، رئيس البرلمان الإيراني المحترم، السلام عليكم، ليس من الجيد أن تقرأ بصوت عالٍ كل ما يعطى لك مكتوباً، على حد علمنا، لم يدلِ السيد روحاني مؤخراً بأي تصريح حول روسيا، وليس من اللائق الجمع بين الصين وروسيا في مواقف وتحليلات مسؤولي النظام”.

ما الذي قاله جعفري وأثار حفيظة آشنا؟ نظرة على التصريحات

خلال لقائه في بودكاست حكاية الحرب، تحدث جعفري في عدة نقاط تخص الحرب والحكومة والحرس الثوري خلال فترات مختلفة، أولى تلك النقاط كان التنبؤ بالحرب مع إسرائيل منذ عقد التسعينات، فقد ذكر جعفري أنه بعد الحرب وفي أوائل التسعينات كانت التقديرات تشير إلى أن العدو الرئيس هو الولايات المتحدة، والعدو الإقليمي هو إسرائيل، وأوضح أن التحليلات كانت ترى أنه كلما تقدمت الثورة ومشروعها، ازدادت احتمالات وقوع هذا الصدام.

Image

كذلك تحدث جعفري عن قيود الميزانية في حكومتي أحمدي نجاد وروحاني، وهو الأمر الذي ربما أغضب حسام الدين آشنا، حيث أجاب هذا السؤال بتحفظ نسبي، فقال: “لا أتذكر بدقة، لكن هذا الموضوع يعود إلى أواخر فترة حكومة أحمدي نجاد وبدايات حكومة روحاني، وكانت القيود الميزانية موجودة دائماً، كانت المشاريع الصاروخية في تلك الفترة تحتاج إلى قرارات خاصة ومبادرات فردية، فعلى سبيل المثال، باع حاجي زاده، يقصد أمير علي حاجي زاده وهو واحد من رواد تطوير برنامج الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية، قطعة أرض ووفر نحو 2500 مليار ريال، 2.27 مليون دولار تقريباً، للمشروع من أجل مواصلة العمل البحثي، كان هذا الإجراء مثالاً على ضرورة اتخاذ قرارات استثنائية لدفع تطوير التكنولوجيا الصاروخية، ولا يمكن الجزم إن قيود الميزانية في حكومة روحاني كانت بسبب دوافع داخلية أو نتيجة لضغوط العقوبات”.

Image

وأضاف اللواء جعفري: “في تلك المرحلة، كان تركيز هيئة الأركان العامة وقيادة الحرس الثوري على المشاريع البحثية الصاروخية وتصنيع الصواريخ، وعلى الرغم من القيود المالية والضغوط الناتجة عن العقوبات، فقد تحقق تقدم كبير في المجال الصاروخي، وإذا كانت العقوبات والقيود المالية جزءاً من المشكلة، فإن العامل الحاسم كان في التركيز الداخلي وتحديد الأولويات داخل الحرس الثوري وهيئة الأركان”.

وتابع قائلاً: “إن التقدم الحالي لإيران في مجالي الصواريخ والطائرات المسيّرة هو نتيجة مسار امتد من 20 إلى 30 عاماً، ولا يمكن القول إن زيادة الميزانية كانت ستؤدي بالضرورة إلى تسارع كبير في وتيرة التقدم، لأن النجاحات الحالية هي في الأساس ثمرة التخطيط طويل الأمد، والتركيز الداخلي، والابتكار العملي”؟

هذا وكان من أبرز ما ذكره جعفري هو احتفاظ حزب الله بـ 70% من قدراته، فقال إنه نظراً لأن ذروة الاشتباكات الإقليمية ودخول إيران إلى الساحة حدثت خلال فترة قيادته، فإن لديه علم ببعض الأشياء التي تخص المنطقة والصراعات التي بها، منها تقديره بأنه رغم جميع ضربات إسرائيل لحزب الله ومقتل كبار قادته، فإن 30% فقط من إمكانات وقدرات الحزب قد تضررت، بينما الجزء المتضرر يخضع حالياً لإعادة بناء.

Image

وفي الشأن الإقليمي أيضاً، تطرق جعفري في بعض تصريحاته إلى قضية سقوط بشار الأسد أيضا، مشيراً إلى بعض الجوانب، منها أنه بعد وقف إطلاق النار في سوريا، فقد الأسد حافزه على القتال والمقاومة، وبعد القضاء على تهديد تنظيم داعش، لم يتعاون الأسد مع إيران أو فرض قيوداً معينة، كما أنه أدخل 20 ألفاً من المعارضين إلى صفوف الجيش، وقيد نشاط قوات الدفاع الوطني التي كانت تتشكل من أبناء الشعب السوري.

Image

أيضاً، قال جعفري خلال حديثه إن إيران لا ترى حاجة لزيادة مدى صواريخها إلى ما يتجاوز ألفي كيلومتر، موضحاً أن هذا المدى يغطي إسرائيل والقواعد الأمريكية في المنطقة، وهي الأهداف التي تضعها طهران ضمن نطاق ردعها الإستراتيجي، وأضاف أن إيران تراعي في الوقت نفسه عدم إثارة مخاوف الدول الأوروبية، نظراً لعدم وجود حالة عداء بينها وبين الجمهورية الإيرانية.

Image

وفيما يتعلق بالتعاون العسكري مع موسكو، قال جعفري إن روسيا، رغم تفوقها على إيران من حيث المدى وقوة التدمير وقدرة الرؤوس الحربية، تعتمد على الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية بفضل دقتها العالية وتقنية الضربات الموجّهة التي تمتلكها، وهو ما جعل من طهران شريكاً دفاعياً ذا أهمية خاصة بالنسبة لروسيا.

وأشار جعفري إلى أنه بعد الحرب، وبتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة، عقدت اجتماعات لتحديد مهام القوات المختلفة، فتم الاتفاق على أن تركز القوة الجوية للجيش على المقاتلات وأنظمة الدفاع الجوي، بينما تتولى القوة الجو فضائية التابعة للحرس الثوري تطوير منظومات الصواريخ والطائرات المسيرة.

ونفى جعفري ما تروجه إسرائيل بشأن تدمير المدن الصاروخية الإيرانية خلال الحرب الأخيرة التي وقعت في 12 يونيو/حزيران 2025، مؤكداً أن البنية التحتية الصاروخية لم تتضرر، وأن الأضرار اقتصرت على بعض قاذفات الإطلاق والمداخل أثناء العمليات، فيما بقيت القدرات والمخزونات الصاروخية على حالها دون أي مساس.

Image

كما تطرق إلى الجدل الدائر حول مقتل حسن طهراني مقدم، رئيس منظمة الجهاد للاكتفاء الذاتي في الحرس الثوري والملقب بأبو القوة الصاروخية الإيرانية، موضحا أن الحادث لم يكن نتيجة عملية اغتيال أو تخريب خارجي كما أشيع، بل بسبب خلل فني في خلاط وقود الصواريخ الصلب أثناء محاولة تسريع العمل، ما أدى إلى انفجار عرضي داخل منشأة بيدجنه.

Image

صندوق بندورا… ما المقصود به؟

رغم تبرير استيائه من المقابلة بأنها خالفت البروتوكول المتعلق بتسمية الجهة المسؤولة عن تنسيق الاتصالات الإعلامية للقادة العسكريين الحاليين والسابقين في القضايا الدفاعية الحساسة، فإنه من الواضح أن آشنا، أحد أبرز المدافعين عن حكومة روحاني، انزعج من الإشارة إلى القيود المالية خلال تلك الحقبة، وقد عبر عن امتعاضه بالتشكيك في مصادر تمويل الحرس الثوري وقادته، محذراً من أن الخوض في هذا الملف سيعني، على حد وصفه، فتح صندوق بندورا، في إشارة إلى الرمز الأسطوري الذي يؤدي فتحه إلى انكشاف كل الشرور والمصائب، لكن ما الشرور والمصائب التي ستكشف بفتح ملفات اقتصاد  الحرس؟

كان موقع زاد إيران قد نشر في أبريل/نيسان 2025، تحقيقاً استقصائياً عن الإمبراطورية الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني، تناول فيه المشروعات الاقتصادية الضخمة والشركات والمؤسسات التي يمتلكها الحرس الثوري بشكل مباشر وغير مباشر، ودور الحرس الثوري في الاقتصاد الإيراني ككل.

Image

فمنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، تحول الحرس الثوري تدريجياً من قوة عسكرية عقائدية إلى مؤسسة اقتصادية عملاقة، وبأمر من المرشد الأعلى، روح الله الخميني، أسس في مارس/آذار 1989 مقر خاتم الأنبياء للإعمار، ليكون الذراع الاقتصادية للهندسة والبناء التابعة للحرس، والمكلفة بإعادة إعمار البلاد بعد الحرب، غير أن المؤسسة تجاوزت سريعاً دورها التنموي إلى السيطرة على قطاعات استراتيجية واسعة كالنفط والغاز، البنى التحتية، الاتصالات، المصارف، وحتى التكنولوجيا.

وقد تحولت خاتم الأنبياء إلى ما يشبه شركة قابضة عملاقة تضم أكثر من 800 شركة فرعية تعمل في الداخل والخارج، يديرها ضباط متقاعدون أو كوادر من الحرس، وتنفذ عقوداً بمليارات الدولارات سنوياً، وتشير بيانات رسمية إلى أن المؤسسة شاركت في تطوير 11 طوراً من أصل 24 من مشروع حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل غاز في العالم، كما تولت تنفيذ عشرات السدود والأنفاق ومشاريع الطرق السريعة ومترو طهران، هذا التغلغل جعلها اللاعب الأول في قطاع البنية التحتية الإيراني، حيث يقدر بأنها تنفذ ما يزيد على 60% من المشاريع الوطنية الكبرى.

كما يملك الحرس الثوري حضوراً واسعاً في قطاع الاتصالات والمعلومات، عبر حصص مؤثرة في شركة MCI، المشغل الأكبر للهاتف المحمول في البلاد، وشركات الإنترنت والبنية الرقمية، هذا التمدد قد منحه قوة مزدوجة، اقتصادية من جهة، وأمنية من جهة أخرى، تتيح له التحكم في تدفق المعلومات داخل البلاد.

النفوذ الاقتصادي للحرس يمتد كذلك إلى القطاع المالي، حيث يمتلك أو يهيمن على عدة بنوك ومؤسسات مالية، من أبرزها بنك مهر إيران، الذي يستخدم كأداة تمويل رئيسية لمشروعات خاتم الأنبياء وشركاتها، فيما تتهم تقارير اقتصادية البنك بتقديم قروض ضخمة دون ضمانات كافية، وبفوائد تفضيلية، مما يمنح شركات الحرس امتيازات غير متاحة للقطاع الخاص، كما يمتلك الحرس حصصاً مباشرة أو غير معلنة في بنوك مثل أنصار وسينا ورسالت، تستخدم لتسهيل العقود الحكومية أو تسوية ديون الدولة من خلال المقايضة بالأصول.

ويشير خبراء إلى أن هذه المنظومة المالية تمكن الحرس من تدوير أموال ضخمة خارج إطار الرقابة الحكومية، وتستخدم أيضًا للالتفاف على العقوبات الغربية، من خلال شبكات شركات واجهة في تركيا والإمارات والعراق، وقد أدرجت وزارة الخزانة الأمريكية بعض تلك المؤسسات على قوائم العقوبات بدعوى تمويل “فيلق القدس” والميليشيات التابعة له في المنطقة.

وبحسب تقديرات اقتصادية، يسيطر الحرس الثوري على نحو 20% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بشكل مباشر، وترتفع النسبة إلى أكثر من 40% عند احتساب تأثيره غير المباشر عبر الشركات التابعة والعقود الوسيطة والأنشطة غير الرسمية، ويعمل تحت مظلته أكثر من 200 ألف موظف بشكل مباشر، ومئات الآلاف من المقاولين والموردين في مشروعات فرعية.

لكن هذا النفوذ الاقتصادي الكبير ترك أثراً مزدوجاً، فمن جهة، وفّر للحكومة ذراعاً تنفيذية قوية قادرة على إنجاز مشاريع كبرى رغم العقوبات ونقص الاستثمارات الأجنبية، ومن جهة أخرى، قوّض بيئة المنافسة في السوق الإيرانية، وأضعف القطاع الخاص الذي لا يتمتع بنفس الامتيازات والإعفاءات التي تحظى بها شركات الحرس، ما أدى إلى خلق اقتصاد موازٍ شبه مغلق أمام المحاسبة أو الشفافية.

بهذا، يبدو صندوق بندورا الذي حذر منه آشنا أكثر من مجرد استعارة بلاغية، فتح ملفات اقتصاد الحرس يعني الاقتراب من منظومة مالية عسكرية متشابكة تمسك بخيوط السياسة والاقتصاد والأمن معاً، وتشكل العمود الفقري لما يمكن وصفه بالدولة العميقة في إيران، فبينما يرى مؤيدو الحرس أنه سد الفراغات التي خلّفتها العقوبات، يرى منتقدوه أنه ابتلع الاقتصاد الوطني وحوّله إلى بنية غير معروفة الهوية يستفيد منها طبقة محددة فقط.

كلمات مفتاحية: