أحمدي نجاد في قلب العاصفة.. كيف وضعته الحرب الأخيرة على طاولة تغيير النظام في إيران؟

منذ اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل، لم تقتصر تداعيات الحرب على الميدان العسكري فقط، بل امتدت إلى كواليس السياسة والحسابات المرتبطة بمستقبل السلطة في طهران. ومع تصاعد التسريبات والتقارير الغربية حول سيناريوهات اليوم التالي، عاد الجدل مجددا حول طبيعة التوازنات داخل النظام الإيراني، والأسماء التي ما تزال قادرة على إثارة الاهتمام رغم ابتعادها النسبي عن واجهة الحكم. وفي هذا السياق، عاد اسم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى دائرة الضوء، ليس بوصفه مجرد رئيس سابق مثير للجدل، بل كشخصية ما تزال تحيط بها الكثير من الأسئلة المرتبطة بحضورها السياسي، وعلاقاتها المعقدة بمراكز القوة داخل إيران وخارجها.

تقرير نيويورك تايمز.. خطة لتغيير النظام وقصف منزل أحمدي نجاد

أعاد تقرير صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، الأربعاء 20 مايو/ آيار 2026، الأخير حول الحرب الإيرانية الإسرائيلية اسم الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد إلى واجهة المشهد السياسي والإعلامي في المنطقة، بعدما كشف عن مزاعم تتعلق بوجود خطة أمريكية إسرائيلية لإعداده كأحد الوجوه المحتملة لقيادة إيران في مرحلة ما بعد الحرب وسقوط النظام، وفق ما وصفه التقرير. ورغم أن ما ورد في التقرير لم تؤكده أي جهة رسمية في الولايات المتحدة أو إسرائيل أو إيران، فإن حجم التفاصيل التي تضمنها، وطبيعة الشخصية التي تناولها، جعلا من القضية مادة سياسية وإعلامية شديدة الحساسية، خصوصا أن نجاد لطالما عرف باعتباره أحد أكثر رؤساء إيران تشددا وعداء للغرب وإسرائيل خلال سنوات حكمه.

Image

فبحسب ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز نقلا عن مصادر أمريكية وإسرائيلية وصفتها بالمطلعة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا المرحلة الأولى من الحرب الأخيرة ضد إيران بخطة تتجاوز مجرد توجيه ضربات عسكرية، لتصل إلى محاولة إعادة تشكيل النظام السياسي الإيراني بالكامل. ووفق التقرير، فإن الخطة كانت تقوم على تنفيذ عمليات اغتيال وضربات جوية واسعة تستهدف القيادات العليا في الجمهورية الإسلامية، بالتوازي مع خلق حالة من الفوضى والاضطراب الداخلي تؤدي في النهاية إلى انهيار بنية النظام وظهور ما وصف بأنه حكومة بديلة.

وفي قلب هذه الخطة، برز اسم نجاد بوصفه شخصية يمكن الدفع بها لإدارة المرحلة الانتقالية، حيث أشار التقرير إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين اعتبروا أن الرئيس الإيراني الأسبق، رغم تاريخه المعروف بمهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يزال يمتلك نفوذا داخل بعض دوائر الأمن والجيش والشارع الإيراني، وأنه قد يكون قادرا على لعب دور سياسي في حال تعرض النظام لهزة كبرى.

Image

وذهب التقرير إلى أبعد من ذلك حين تحدث عن غارة إسرائيلية استهدفت منزل أحمدي نجاد في طهران خلال اليوم الأول من الحرب. ووفق الرواية المنشورة، فإن الهدف من العملية لم يكن اغتياله، بل تحريره من وضع أشبه بالإقامة الجبرية غير المعلنة، وإبعاده عن الرقابة الأمنية المفروضة عليه. وأشارت الصحيفة إلى أن الغارة استهدفت نقطة أمنية قرب منزله، ما أدى إلى مقتل عدد من العناصر الأمنية الذين كانوا يتولون حمايته ومراقبته في الوقت نفسه.

ووفق المصادر نفسها، فإن أحمدي نجاد أصيب خلال الهجوم لكنه نجا، قبل أن يختفي عن الأنظار بشكل شبه كامل، وأضاف أن تجربة نجاته من القصف جعلته يفقد الحماسة تجاه مشروع تغيير النظام، ما أدى إلى تراجع الخطة تدريجيا.

وتحدث أيضا عن تصور إسرائيلي متعدد المراحل لإسقاط النظام الإيراني، يبدأ بضربات عسكرية واغتيالات، ثم تحريك احتجاجات داخلية واستغلال جماعات كردية ومجموعات معارضة لإضعاف السلطة المركزية، وصولا إلى تنصيب قيادة بديلة في طهران، وذكرت الصحيفة أن أحمدي نجاد كان ضمن الأسماء التي جرى التشاور معها بشأن المرحلة التالية للحرب.

أين أحمدي نجاد منذ اندلاع الحرب؟

منذ اللحظات الأولى للحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، في 28 فبراير/ حزيران 2026، بدا الغياب المفاجئ لنجاد لافتا مقارنة بطبيعة شخصيته السياسية التي عرفت دائما بالصخب الإعلامي والحضور الدائم. فالرجل الذي بنى صورته لسنوات على الخطابات النارية ضد إسرائيل والغرب، التزم هذه المرة صمتا غير معتاد، مكتفيا ببيانات مقتضبة للتعزية في مقتل قادة عسكريين وشخصيات إيرانية بارزة، من دون أن يظهر علنا أو يدلي بخطابات سياسية حادة كما كان يفعل سابقا.

ومع انتشار أنباء عن استهداف محيط منزله في طهران خلال الحرب، تصاعدت الشائعات حول مصيره، ووصل الأمر إلى تداول أخبار عن مقتله أو إصابته بجروح خطيرة. لكن شخصيات قريبة منه سارعت إلى نفي هذه الروايات، مؤكدة أنه نجا من الهجوم ولم يتعرض إلا لإصابة طفيفة نتيجة موجة الانفجار.

Image

عباس أميري فر، وهو أحد المقربين السابقين من أحمدي نجاد، قال إن الرئيس الإيراني الأسبق ربما غادر إلى مكان آخر بعيدا عن الأنظار، مرجحا أنه توجه إلى فيلته الخاصة أو إلى مكان إقامة حليفه القديم اسفنديار رحيم مشائي، كما أشار إلى أن أحمدي نجاد ربما اختار التخفي خوفا من استهدافه مجددا أو لتجنب الكشف عن موقعه.

Image

لكن غياب أحمدي نجاد لم يكن مجرد غياب جسدي، بل سياسي أيضا، فالرجل الذي كان يوما ما يصف إسرائيل بأنها وصمة عار يجب إزالتها من الوجود، بدا خلال الحرب الأخيرة حذرا إلى حد غير مسبوق. هذا التحول دفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان أحمدي نجاد قد غير بالفعل قناعاته السياسية، أم أنه يحاول إعادة تموضعه داخل المشهد الإيراني بعد سنوات من الصدام مع المؤسسة الحاكمة.

كما ساهمت تحركاته الخارجية خلال السنوات الأخيرة في تعزيز الغموض حوله. فزياراته إلى دول مثل المجر وغواتيمالا، وحديثه السابق عن ضرورة تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة، جعلت البعض يعتبره شخصية تحاول بناء صورة مختلفة عن تلك التي ارتبطت به خلال رئاسته.

وفي المقابل، يرى آخرون أن صمته لا يعكس تحولا فكريا بقدر ما يعكس إدراكا لحساسية اللحظة السياسية، ومحاولة للبقاء بعيدا عن دائرة الاستهداف المباشر، سواء من قبل خصومه داخل النظام أو من قبل القوى الخارجية.

لماذا وقع الاختيار على أحمدي نجاد؟

قد تبدو فكرة اختيار محمود أحمدي نجاد كشخصية محتملة لمرحلة ما بعد النظام الإيراني مفارقة سياسية كبيرة، خصوصا أنه ارتبط لسنوات بخطاب معاد للولايات المتحدة وإسرائيل، وارتبط اسمه بملفات مثل البرنامج النووي الإيراني وإنكار المحرقة والهجوم المستمر على الغرب. لكن قراءة أعمق لمسار الرجل خلال العقد الأخير تكشف أسبابا محتملة جعلت بعض الدوائر الغربية تنظر إليه بوصفه خيارا يمكن استثماره.

أحد أهم هذه الأسباب يتمثل في الخلافات المتصاعدة بين أحمدي نجاد والمؤسسة الحاكمة الإيرانية بعد انتهاء ولايته الثانية، فمنذ أزمة اعتزاله العمل الشهيرة ورفضه تنفيذ بعض توجيهات المرشد الإيراني، دخل الرجل في صدام متدرج مع مراكز القوى التقليدية في النظام، خصوصا الأجهزة الأمنية والقضائية والتيار المحافظ التقليدي.

Image

كما تعرض حلفاؤه المقربون، وعلى رأسهم إسفنديار رحيم مشائي وحميد بقائي، لملاحقات أمنية وقضائية، بينما منع هو نفسه من خوض الانتخابات الرئاسية عدة مرات. هذا المسار جعل بعض الجهات تعتبره شخصية خارجة جزئيا عن الخط الرسمي للنظام، وقادرة نظريا على لعب دور مختلف إذا حدثت تغيرات كبرى.

كذلك، حافظ أحمدي نجاد رغم كل ذلك على قاعدة شعبية داخل بعض الشرائح الفقيرة والريفية التي استفادت من سياساته الاقتصادية، مثل الدعم النقدي ومشروع مسكن مهر، وبالنسبة لأي سيناريو يتعلق بمرحلة انتقالية، فإن وجود شخصية تملك رصيدا شعبيا ولو محدودا يبقى عاملا مهما.

Image

إضافة إلى ذلك، فإن أحمدي نجاد يختلف عن كثير من المعارضين الإيرانيين في الخارج، لأنه ابن المؤسسة الإيرانية نفسها، وشغل مناصب تنفيذية وأمنية متعددة، ويعرف بنية النظام من الداخل. وهذا ما قد يكون دفع بعض المخططين الغربيين، وفق ما ورد في التقرير، إلى اعتباره رجلا من داخل النظام يمكنه إدارة مرحلة اضطراب من دون انهيار كامل للدولة.

كما أن تحولاته الأخيرة في الخطاب السياسي لعبت دورا في هذا التصور. فقد تحدث خلال السنوات الماضية عن ضرورة إجراء استفتاءات اقتصادية، وانتقد تدخل الأجهزة الأمنية، وأبدى انفتاحا نسبيا تجاه الحوار مع الولايات المتحدة، بل وأعلن في إحدى المقابلات أنه لا يمانع إجراء حوار علني مع دونالد ترامب أمام الكاميرات.

ومع ذلك، فإن الرهان على شخصية مثل أحمدي نجاد يبقى محفوفا بالتناقضات. فهو بالنسبة لكثير من الإيرانيين لا يزال رمزا لفترة من التوتر السياسي والعقوبات والانقسام الداخلي، كما أن علاقته المتوترة مع المؤسسة الحاكمة لا تعني بالضرورة أنه تحول إلى معارض حقيقي للنظام.

أشهر الصراعات والجدل خلال فترة حكم أحمدي نجاد

يصعب الحديث عن تجربة محمود أحمدي نجاد في الحكم من دون التوقف عند الكم الهائل من الصراعات والجدل الذي رافق سنوات رئاسته. فمنذ وصوله إلى السلطة عام 2005، بدا واضحا أن الرجل لا يشبه أسلافه في طريقة إدارة الدولة أو في علاقته بالمؤسسات التقليدية للنظام.

Image

واحدة من أولى أزماته الكبرى ظهرت عندما حاول السماح للنساء بدخول الملاعب الرياضية، ما أثار غضب المرجعيات الدينية المحافظة وأدى في النهاية إلى تدخل المرشد الإيراني لإيقاف القرار، كما أثارت تصريحات حليفه مشائي حول الصداقة مع الشعب الإسرائيلي أزمة سياسية حادة، دفعت خامنئي نفسه إلى التدخل لنفي أن تكون تلك التصريحات معبرة عن موقف النظام.

Image

لكن التحول الأكبر جاء بعد انتخابات 2009 المثيرة للجدل، حين دخلت إيران في واحدة من أعنف أزماتها الداخلية منذ الثورة. وخلال تلك المرحلة، اتهم أحمدي نجاد خصومه السياسيين بالفساد بشكل علني، وهاجم شخصيات بارزة مثل هاشمي رفسنجاني وناطق نوري، فيما رد خصومه باتهامه بإشعال الانقسام داخل البلاد.

كما أثار تعيين مشائي نائبا أول للرئيس أزمة غير مسبوقة بينه وبين خامنئي، بعدما رفض تنفيذ أمر المرشد بإقالته إلا بعد أيام من المماطلة، في سابقة نادرة داخل النظام الإيراني.

Image

وتفاقمت التوترات لاحقا مع أزمة وزير الاستخبارات حيدر مصلحي، حين حاول أحمدي نجاد إقالته لكن خامنئي أعاده إلى منصبه، ما دفع الرئيس إلى مقاطعة اجتماعات الحكومة لمدة 11 يوما، وقد اعتبرت تلك الحادثة نقطة تحول حاسمة في علاقته مع المؤسسة الحاكمة.

كما دخل في صدامات متكررة مع البرلمان والقضاء والحرس الثوري، خصوصا بعد حديثه عن الإخوة المهربين في إشارة فهم منها أنها موجهة إلى الحرس الثوري. كذلك أثارت سياساته الاقتصادية، وخاصة مشروع رفع الدعم الحكومي، جدلا واسعا بسبب التضخم وارتفاع الأسعار.

Image

أما خارجيا، فقد ارتبط اسمه بخطابات مثيرة للجدل حول إسرائيل والهولوكوست، وبسياسات أدت إلى تصاعد العقوبات الدولية على إيران، رغم أنه كان يقلل دائما من تأثير تلك العقوبات ويصفها بأنها أوراق بلا قيمة.

وفي سنواته الأخيرة في الحكم، بدا أحمدي نجاد وكأنه يخوض مواجهة مفتوحة مع جزء كبير من النظام، سواء عبر هجومه على القضاء والبرلمان، أو عبر محاولاته دفع مشائي إلى خلافته سياسيا، وهي المحاولة التي انتهت بإقصاء الأخير ومنع أحمدي نجاد نفسه لاحقا من الترشح للرئاسة.

وبينما يبقى الجدل قائما حول حقيقة ما ورد في تقرير نيويورك تايمز، فإن المؤكد أن نجاد ما يزال واحدا من أكثر الشخصيات الإيرانية إثارة للجدل والتناقض، رجلا خرج من قلب النظام، واصطدم به، ثم عاد اسمه ليطفو مجددا على سطح الأحداث في لحظة إقليمية شديدة التعقيد.

كلمات مفتاحية: