محمود فرشجیان.. رائد المنمنمات الإيرانية

كتب: سيدنيما موسوي

تُعدّ إيران، بحكم موقعها الجغرافي في ملتقى الشرق والغرب، أرضا لتراكم التجارب الحضارية وتفاعلها، بل مكانا لامتزاج وصهر الثقافات المختلفة، فالحكمة الإيرانية، على سبيل المثال، هي حصيلة الفلسفة اليونانية، والتصوف الهندي والشرقي، إلى جانب الدين الإسلامي. 

وهذا التمازج الثقافي يجد تفسيره في كون الهضبة الإيرانية نقطة التقاء الحضارات العربية واليونانية والشرقية، فغدت بذلك بوتقة انصهرت فيها المعارف الإنسانية، ونتج عنها علمٌ عُرف بين الإيرانيين باسم “الحكمة”.

قبل الإسلام، مثّلت «الحكمة الخسروانية» جمعا بين العرفان الشرقي والفلسفة اليونانية، أما بعد الإسلام فقد ازدادت هذه الحكمة عمقا وقوة باتحادها مع المصادر الإسلامية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الفيلسوف ملا صدرا الشيرازي، الذي أسّس «الحكمة المتعالية» وكان له في الفكر الإيراني في القرن السابع عشر دورٌ شبيه بمكانة هيغل في الفلسفة الألمانية، إذ استند في بناء نسقه الفكري إلى هذه المصادر الحضارية الثلاثة مجتمعة.

يمكن القول الشيء نفسه عن فن المنمنمات الإيرانية، فالمنمنمة الإيرانية هي ثمرة التزاوج بين فن التصوير الشرقي وفن الرسم الأوروبي التقليدي، ورغم وجود رسوم وزخارف في إيران منذ ما قبل الإسلام تشير إلى دخول عناصر من فن التصوير الصيني، فإن هذا التأثير تعزّز بعد الفتح الإسلامي، حين قاد القائد المسلم قتيبة بن مسلم حملاته حتى حدود الصين ومنطقة كاشغر في القرن الثامن الميلادي.

وبفضل الاتفاقات التي جرت آنذاك بين خاقان الصين وقتيبة، ازدهرت العلاقات الثقافية والتجارية بين الدولة الأموية والصين، وتبعا لذلك توسعت الروابط الثقافية بين إقليم إيران والشرق الأقصى، وفي القرن نفسه تحوّلت مدينة سمرقند إلى مركز رئيسي لتلاقي الفنون الشرقية وانتقالها إلى العالم الإسلامي.

                                    مدينة سمرقند

لاحقا، استندت الدولة السامانية إلى إرثها الثقافي المزدوج من إيران القديمة ومن خانات الترك في آسيا الوسطى، لتقيم كيانها السياسي والثقافي، وهكذا أصبحت سمرقند وبخارى قواعد حضارية جديدة في المشرق الإسلامي، ومنها انطلقت موجات التفاعل الحضاري مع الشرق، التي مهدت الطريق لدخول الفنون الشرقية ــ وفي مقدمتها فن التصوير ــ إلى أراضي العالم الإسلامي.

لكن ذروة فن التصوير الإيراني تعود إلى عهد التيموريين؛ حيث تحولت مدينة هرات إلى المركز الرئيس للتلاقي بين الحضارة الإيرانية – العربية من جهة، والحضارة الشرقية من جهة أخرى، وفي تلك الحقبة صارت هراة بمثابة “فلورنسا العالم الإسلامي”، ومنها انبثق مذهب فني جديد في الرسم والمنمنمات.

لقد كانت هرات بموقعها في قلب آسيا ـ أشبه بإبرة البوصلة ـ ملتقى طرقٍ يربط بين الصين وشبه القارة الهندية والشرق الأوسط وروسيا، ومن هنا جاء ميلاد مدرسة هراة الفنية في ربوع خراسان الكبرى كنوعٍ من النهضة الثقافية، هذه النهضة انطلقت في القرن الخامس عشر، وامتدت حتى مطلع القرن السادس عشر.

وفي القرن السابع عشر ظهرت مدرسة جديدة استلهمت ملامحها من مدرسة هراة، عُرفت باسم مدرسة أصفهان، ومع نقل الصفويين عاصمتهم إلى أصفهان، غدت المدينة مركزا للفلسفة والفقه السياسي، إلى جانب الفنون مثل النجارة الدقيقة (الخراطة)، والخط، والمنمنمات. 

وقد انبثقت مدرسة أصفهان من جذور هرات، لكنها تأثرت أيضا بفنون أوروبا نتيجة العلاقات الطيبة بين الدولة الصفوية والدول الأوروبية، لذا يمكن اعتبارها مزيجا من مدرسة هراة، والعناصر الثقافية التركمانية، وتأثيرات الفنون الإسلامية في العصور الوسطى، والعثمانية، والهندية، بل وحتى الأوروبية.

وما يميز مدرسة أصفهان عن مدرسة هراة هو تحول الخطوط إلى الانحناء والتقوس؛ فبينما تميّزت مدرسة هراة بأشكال هندسية صارمة ومنتظمة، ظهرت في أصفهان خطوط منحنية أكثر مرونة وحيوية، كما امتازت مدرسة أصفهان بإبراز فن تصوير الأجساد، ورسوم الزهور والطيور في الخلفيات، فضلا عن العناية الفائقة في رسم الملامح البشرية.

ومن أبرز روادها رضا عباسي (1565–1635م)، الذي يعدّ أعظم رسام في أسلوب أصفهان، وقد كان أول من رسم شخصيات الدراويش والنساء، وهو أمر لم يكن مألوفا من قبل، إذ كان فن الجسد حكرا على النحت اليوناني القديم والرسم الكلاسيكي الأوروبي، وبإبداعه هذا، جمع رضا عباسي بين تراث مدرسة هراة وأسلوب جديد أكثر جرأة، ومع ذلك، لا يمكن إنكار أثر مدرسة التصوير الهندية في عصر المغول الجورجانيين على مدرسة أصفهان.

                   لوحة الشاب والدرويش لـ رضا عباسي

وكان لأثر مدرسة أصفهان أبعاد تتجاوز الرسم، إذ انعكس تأثيرها بوضوح في تصميم السجاد الإيراني، فقد أدخلت زخارف الزهور والأغصان والطيور بكثافة غير مسبوقة منذ القرن السابع عشر، بعد أن كان فن السجاد الإيراني قبل ذلك يعتمد في الغالب على الأشكال الهندسية، وهكذا أسهمت مدرسة أصفهان في إحداث نقلة نوعية، سواء في فن التصوير أو في فنون الزخرفة والسجاد.

محمود فرشجیان، الرسام الأصفهاني، رائد المدرسة الجديدة في أصفهان

وُلد عام 1930 في أصفهان، وكان له الدور الأبرز في الارتقاء بمدرسة أصفهان الفنية، حتى إنه في مرحلة ما مزجها بالأساطير الدينية، وهو الاتجاه الذي تبلور مع سنوات الثورة الإسلامية عام 1979 وما تلاها.

الميزة الأهم في مدرسة فرشجیان تكمن في المضامين التي ينقلها عبر لوحاته؛ وهي مضامين مستمدة من الأدب الديني والقرآني، ففي أعماله الشهيرة مثل “الصيد” و«الانتقام» يركز على مفهوم العدالة، بوصفه أحد المفاهيم الجوهرية في الإسلام، وفي الوقت نفسه يربط جوهر «الخيال» كعنصر أساس في الفن، بهذه المفاهيم الفلسفية والدينية.

                                 لوحة “الصيد” لـ فرشجيان

وإلى جانب الدين، خصوصا خلال الفترة الممتدة من ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم، استلهم فرشجیان كثيرا من الأدب الإيراني،  فقد انعكست في أعماله رؤى أسطورية مستمدة من أشعار كبار الشعراء مثل أبو القاسم الفردوسي، وحافظ الشيرازي، وعمر الخيام.

أما في أسلوب فرشجیان، فإن التصميم (الرسم التحضيري) هو العنصر الأهم، ويبدو أن منحه الأولوية للتصميم على حساب اللون يعكس تأثره بالرسم الكلاسيكي في فلورنسا خلال عصر الإنسانية (الأومانيزم). بينما يقوم التصوير الشرقي، خصوصا في الهند، على أولوية اللون، بل حتى في السينما الشرقية، كما عند المخرج الياباني أكيرا كوروساوا، يظهر اعتماد اللون في خلق المشاهد، لكن فرشجیان جعل التصميم والبنية الجسدية للإنسان والحيوان أساسا لعمله.

ومع ذلك، فإن تشكيل الأجساد عنده يختلف عن أسلوب دافنشي، إذ يقوم على مضامين العرفان الإيراني،  ففي معظم لوحاته، نجد الأجساد والطيور والزهور تدور في مدارات دائرية، إذ يرى فرشجیان الحركة في شكل دائرة، وهو تصور فلسفي يُرجَّح أن جذوره تعود إلى نظرية “الحركة الجوهرية” للفيلسوف المسلم ملا صدرا الشيرازي، بخلاف النظرة الغربية الإنسانية التي تصوّر الحركة دوما في خط مستقيم، لا في دائرة.

كما يظهر تأثير ملا صدرا وابن عربي في أعماله من خلال مفهوم وحدة الوجود” فالله في لوحات فرشجیان هو الحقيقة الكلية، وكل عناصر الطبيعة أجزاء من فعل الخلق، وفي فضاء تمتزج فيه السماء بالأرض عبر الخيال، تتداخل الكائنات البشرية والحيوانية والزهور والنباتات جميعها لتشكّل كلا واحدا يعكس معنى الخلق الشامل، ومن هذا المنظور، تعدّ وحدة الوجود المحور الرئيس لأغلب لوحات فرشجیان المستوحاة من الطبيعة.

                               لوحة اليوم الخامس لخلق الكون

يعتبر رحيل محمود فرشجیان في التاسع من أغسطس 2025 خبرا مؤلما للفن الإيراني، ففرشجیان لم يكن مجرد رسام، بل كان تجسيدا لضمير المواطن الإيراني ولاوعيه الجمعي، ذلك الضمير المشبع بالمفاهيم الفلسفية والعرفانية، والمتصل أيضا بعمق بالأدب الديني، ومن هنا أرى أن لوحات محمود فرشجیان يجب أن تُقرأ بوصفها الرمز الأبرز لنظرية «حوار الحضارات» في مواجهة “صدام الحضارات”.

وكما أن موسيقى «ياني» ـ الموسيقار اليوناني الشهير ـ تمثل مزيجا من العناصر الثقافية الغربية والمتوسطية واللاتينية والآسيوية والقوقازية، فإن لوحات فرشجیان بدورها ليست مجرد نتاج للاوعي الإيراني، بل هي أيضا انعكاس لعقلية «المواطن الكوزموبوليتي» (المواطن العالمي),

ذلك المواطن الذي يختزن في وعيه عناصر الثقافة اليونانية، والنهضة الفلورنسية، والفنون الصينية والهندية، إلى جانب التراث الإسلامي، بحيث يمكن لأي إنسان، من أي مكان في العالم، أن يتفاعل مع أعماله ويجد فيها صدى لروحه.