- محمود شعبان
- 594 Views
نشر موقع “تابناك“، الثلاثاء 8 يوليو/تموز 2025، حوارا مع هادي سيد أفقهي، الخبير في شؤون غرب آسيا، حول الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران، حيث أكد أنه لم يكن مجرد رد فعل عسكري، بل كان جزءا من مشروع شامل لإسقاط النظام الإيراني تدريجيا، بدعم أميركي مباشر.
نص الحوار:
ما هدف العدوان الإسرائيلي المفاجئ على إيران؟ وهل نجحت “إسرائيل” في زعزعة النظام الإيراني أم تحوّل العدوان إلى حرب استنزاف ضدها؟
كانت “إسرائيل” تسعى إلى شنّ هجوم مفاجئ يعطّل النظام السياسي في إيران، إلا أن صمود إيران حوّل هذه الحرب إلى حرب استنزاف بالنسبة للإحتلال الإسرائيلي، ما كان من شأن استمراره أن يهدّد وجود هذا الإحتلال.
الهدف الرئيسي لـ”الاحتلال” من هذا الهجوم كان تنفيذ مخطط لإسقاط النظام بالكامل، وقد صُمّم هذا المخطط ليتجاوز مشاريع مثل أزمة مهسا أميني.
ففي أزمة مهسا أميني، لم تتدخل “إسرائيل” والولايات المتحدة بشكل مباشر، بل اعتمدتا أكثر على الأدوات البرمجية والعناصر الداخلية، أما في هذه الحالة، فقد كنا أمام حرب هجينة شاملة، شملت هجمات عسكرية، وبرمجية إعلامية ونفسية، واستخباراتية.
استهدفت “إسرائيل” في البداية القادة العسكريين الكبار في إيران، بمن فيهم مسؤولو استخبارات فيلق القدس مثل السيد يونس، والسيد رمضان، واللواء باقري، ثم هاجمت العلماء النوويين والبُنى التحتية الدفاعية كالرادارات ومنظومات الصواريخ.
وهذا يدلّ على وجود مخطط لإسقاط النظام بشكل منظّم، نُفّذ بالتعاون مع أجهزة استخبارات إقليمية، وبدعم أميركي عبر قواعدهم وأقمارهم الصناعية.
وقد استخدموا كل الوسائل المتاحة، بما فيها الطائرات المسيّرة الصغيرة (كوادكوبتر) والورش المتقدمة التي أنشأوها داخل إيران على مدى سنوات.
وكان الهدف الرئيسي من هذه الهجمات، بذريعة البرنامج النووي الإيراني، هو إثارة أزمة داخلية وإسقاط النظام، أما ادّعاء منع إيران من الحصول على سلاح نووي، فلم يكن سوى خدعة عالمية.
فالوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن بينهم البرادعي وأمانو وكذلك غروسي، لم يؤكدوا قطّ أن إيران تسعى لامتلاك سلاح نووي.
لقد أشاروا فقط إلى عدم شفافية إيران، لكن ذلك تحوّل إلى ذريعة لمجلس المحافظين، والولايات المتحدة، و”إسرائيل”، من أجل توجيه الاتهامات لإيران وتبرير هجماتهم، وقد نُفّذت هذه الهجمات، ولا سيما الهجوم على منشآت نطنز وفردو، بدعم مباشر من الولايات المتحدة.
فعلى سبيل المثال، شاركت القاذفات الأميركية من طراز B-2 وصواريخ توماهوك في هذه الهجمات، ومع ذلك، فإن الرد الحاسم لإيران في عملية “الوعد الصادق 3″، التي جرى الإعداد لها بشكل كامل، فاجأ العدو.
وقد سدّ المرشد الأعلى بإيران، بخطوته اللافتة، الفراغ الناجم عن غياب القادة، وتمكّنت إيران من توجيه ضربة قاصمة لـ”إسرائيل”، هذا الرد، المصحوب بوحدة وطنية غير مسبوقة داخل إيران، قلب معادلات العدو رأسا على عقب.
أما داخل “إسرائيل”، فقد شهدت البلاد احتجاجات واسعة، وهجرة معاكسة، ودمارا في البنية التحتية، لا سيما في تل أبيب وحيفا، ما يعكس فشل هذا المخطط.
وقد أقرّ الصهاينة أنفسهم بأنهم أدركوا للتو حجم المعاناة التي يتكبّدها سكان غزة، هذه الأوضاع وضعت “إسرائيل” في موقع ضعف، وأجبرت نتنياهو على التوجه للقاء ترامب طلبا للمشورة بشأن مواصلة الحرب أو إعلان وقف إطلاق النار في غزة.
رغم ادعاء ترامب تدمير البرنامج النووي الإيراني، تُظهر التقييمات أن الضرر محدود، فهل سيعتمد التحرك الأميركي والإسرائيلي القادم على تقدير “إسرائيل” لمدى نجاح الضربة؟
المسألة شديدة التعقيد، فحتى قبل الهجوم على منشأة فوردو، التي تقع على عمق 90 مترا تحت الجبال الصخرية، كان الأميركيون أنفسهم يعترفون بأن تدمير البرنامج النووي الإيراني بشكل كامل عبر ضربة جوية، حتى باستخدام قنابل بوزن 13 طنا، أمر غير ممكن.
وبعد الهجوم، استهدفت إيران على الفور قاعدة “العديد” في قطر، وقد اتصل ترامب بأمير قطر، الشيخ تميم، بعد أقل من ساعة من ذلك، وطلب وقف إطلاق النار، وهذا يُظهر أن الهجوم لم يحقق نجاحا كاملا.
في داخل الولايات المتحدة، ظهرت خلافات بين المؤسسات الاستخباراتية والعسكرية، فقد أعلن البنتاغون وأجهزة الاستخبارات أن البرنامج النووي الإيراني لم يتلقَ ضربة قاتلة، خلافا لما زعمه ترامب من مبالغات.
ويرى بعض المحللين أن هذا الهجوم كان استعراضيا، يهدف إلى تهدئة نتنياهو ودفع إيران إلى العودة لطاولة المفاوضات، فيما يعتبره آخرون خطأ في الحسابات أو محاولة لإظهار القوة.
في الوقت نفسه، أثارت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عراقجي داخل إيران، والتي أشار فيها إلى تعرض البرنامج النووي لأضرار جسيمة، جدلا واسعا.
ويعتقد البعض أن هذه التصريحات جاءت بهدف منع تنفيذ ضربة ثانية، وإدارة الأجواء الإعلامية بشكل يمنع ترامب من الاستفزاز ويثنيه عن أي خطوة مقبلة.
يرى البعض أن هذه التصريحات قد أدت، عن طريق الخطأ، إلى تزويد غروسي والوكالة الدولية للطاقة الذرية بمعلومات حسّاسة.
من ناحية أخرى، كان غروسي يعتزم زيارة إيران لتفقّد وضع المنشآت النووية وتقديم تقرير شامل إلى الولايات المتحدة و”إسرائيل”.
غير أن البرلمان الإيراني، من خلال تمرير قانون، علّق التعاون مع الوكالة، ما حال دون تمكّن غروسي من تنفيذ مهمته، وقد أُبلغ هذا القانون إلى الحكومة، ووزارة الخارجية، والمجلس الأعلى للأمن القومي، وتوقّف التعاون مع الوكالة مؤقتا.
وفي الوقت الراهن، على منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن تُقيّم حجم الأضرار، وتقوم، بناء على المصلحة، بنشر معلومات بهذا الشأن.
وفي ما يخصّ السؤال عمّا إذا كان الإجراء الأميركي والإسرائيلي التالي يعتمد على تقييم “إسرائيل”، فيمكن القول إن الأمر كذلك إلى حدٍّ ما، لكن الولايات المتحدة و”إسرائيل” عالقتان في دوامة إعلامية وسياسية، ولا تستطيعان اتخاذ قرار نهائي بشأن ما إذا كان عليهما مواصلة العمليات أم التراجع.
هذا الغموض، إلى جانب الضغوط الداخلية في الولايات المتحدة (بما في ذلك انتقادات الكونغرس ووسائل الإعلام) والاحتجاجات الواسعة داخل “إسرائيل”، جعل اتخاذ القرار أكثر تعقيدا.
ويعتقد البعض داخل الولايات المتحدة أن الضربة الموجهة إلى إيران كانت كافية، وأنه لا ينبغي الاستمرار في خوض حروب خارجية، بينما قد يسعى آخرون، من بينهم نتنياهو، إلى تصعيد التوتر.
وفي خضمّ ذلك، أدى انتشار مقطع مصوّر للهجوم على المنشآت الإيرانية، والذي يبدو أنه أُنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي أو برنامج “فوتوشوب”، إلى زيادة الغموض، وساهم في تأجيج المعارك الإعلامية.

بين السعي لتدمير البرنامج النووي والدعوة إلى التفاوض، ما أولويات المفاوضات المقبلة؟
لم يعد هناك مجال لمفاوضات جديّة مع الولايات المتحدة، فقد نفّذت الولايات المتحدة و”إسرائيل”، من خلال هجوم مباشر على إيران، ما يشبه سيف داموقليس.
كان هدفهم إيقاف عملية تخصيب اليورانيوم في إيران، لكن الآن، وبعد أن تدخلوا بشكل مباشر، فإن التفاوض حول التخصيب – كأن تطالب واشنطن بالعودة إلى مستوى 3.67% – يبدو أمرا غير مرجّح، ما لم تتراجع الولايات المتحدة.

الهدف الرئيسي للولايات المتحدة و”إسرائيل” هو إسقاط النظام في إيران، لكن بشكل متدرّج، فقد استهدفوا في البداية البرنامج النووي، وبعد ذلك يركّزون على البرنامجين الصاروخي والطائرات المسيّرة، بوصفهما تهديدا رئيسيا.
ويزعمون أن الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية تُشكّل خطرا على أمن المنطقة، بل وعلى عواصم أوروبية أيضا.
في الواقع، فإن الولايات المتحدة و”إسرائيل” كانتا تعلمان أن إيران لا تسعى لامتلاك سلاح نووي؛ التهديد الحقيقي بالنسبة لهما يكمن في القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة الإيرانية، التي تم تطويرها كوسيلة ردع دفاعية بسبب ضعف سلاح الجو الإيراني.
النهج الذي تتبعه الصناعات العسكرية الإيرانية هو نهج دفاعي، لكنها قادرة على تنفيذ هجمات ردعية في حال التعرّض لعدوان، الولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان إلى منع إيران من أن تصبح قوة ردع إقليمية، بينما تسعى إيران ومحور المقاومة إلى دعم الشعب الفلسطيني لتحرير أرضه.
أما عن العودة إلى الوضع الرمادي، فيبدو ذلك غير مرجّح، فبعد هجمات حماس في السابع من أكتوبر، انتقل الصراع بين إيران و”إسرائيل” من حالة الحرب بالوكالة والحرب الرمادية إلى المواجهة المباشرة.
وقد تدفع التكاليف الباهظة لهذه الحرب بالنسبة لـ”إسرائيل”، بما في ذلك تدمير البنى التحتية والاحتجاجات الداخلية، نحو المزيد من الحذر، لكن ميزان القوى الجيوسياسي في المنطقة هو صراع لا نهاية له.
الولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان إلى فرض الهيمنة على المنطقة، بينما تقاتل إيران ومحور المقاومة من أجل الحفاظ على الاستقلال ودعم فلسطين، ومن المرجّح أن يستمر هذا الصراع، ما لم تحدث تغييرات جذرية في معادلات المنطقة.

