سفير إيراني سابق: إيران تعيش حالة سلام مسلح وعلى الحكومة التحرك لتفادي الانفجار

أجرى موقع فرارو، الاثنين 4 أغسطس/آب 2025، حوارا مع نصرت‌ الله تاجيك، السفير الإيراني الأسبق والمحلل البارز في قضايا السياسة الخارجية، حول احتمال اندلاع مواجهة عسكرية جديدة بين إيران وإسرائيل، ومصير المفاوضات بين طهران وأوروبا، وتأثير ذلك على علاقات إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والدول الغربية، وفي ما يلي نص الحوار:

بالنظر إلى آخر التطورات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى أي مدى ترون احتمال انهيار وقف إطلاق النار واندلاع حرب جديدة؟

إن احتمال انهيار وقف إطلاق النار غير مستبعد، لكن مدى تحققه يعتمد على عدة عوامل، فالخلافات لم تعد محصورة في الجانب السياسي فقط، ولم تعد المسألة تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني فحسب، فرغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تدمير ثلاثة مواقع نووية إيرانية، إلا أن وسائل الإعلام الغربية – التي تُعد جزءا من اللعبة الغربية ضد إيران على الساحة الدولية – ما تزال تؤكد أن بعض المواد المُخصبة لا تزال موجودة. 

وبالتالي، وبالنظر إلى تعقيدات الوضع الراهن، فقد تجاوزت الخلافات البعد السياسي لتأخذ من جهة طابعا جغرافيا وجيوسياسيا، ومن جهة أخرى طابعا هوياتيا ووجوديا.

كما أن تداخل الأوضاع الراهنة والغموض المحيط بها، أسهما في تعميق الضبابية وتفاقم التوترات المتعددة الأطراف، ويمكن القول إن الهجوم غير القانوني الذي شنه ترامب على المنشآت النووية الإيرانية قد وضع العالم والوكالة الدولية للطاقة الذرية والهيئات الرقابية والمؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة في حالة من الغموض الاستراتيجي؛ إذ إن هذه المؤسسات فقدت إلى حد كبير فاعليتها وقدرتها على الرقابة.

كذلك، وبالنظر إلى التطورات التي طرأت على البرنامج النووي الإيراني، وما ينطوي عليه من حساسية فنية تتعلق بالانتشار النووي ومخاطره على الإنسان والبيئة، فإن الغموض الداخلي وعدم وضوح هذه القضايا قد زادا من حجم الإرباك والغموض.

كل هذه العوامل قد تؤثر في ما إذا كانت هناك حرب جديدة ستقع أم لا، كما أن طريقة إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة تمثل عاملا حاسما، فقد أدّى السلوك الأميركي أثناء المفاوضات إلى زعزعة الثقة في جدوى الجلوس إلى طاولة التفاوض. 

ومع أن ذلك لا ينبغي أن يُضعف من عزيمة المفاوض الإيراني في تحقيق الأهداف الوطنية، فإن الواقع يُظهر أن هناك حالة من عدم اليقين، إذ لا يدري الطرف الإيراني ما إذا كانت المفاوضات تهدف فعلا إلى التفاهم أم إلى غايات أخرى! فالأهداف الأميركية غير واضحة، وهذا ما يسبّب حالة من الارتباك.

ومن المؤكد أنه عندما تهتز الثقة بالتفاوض، يصبح من الصعب الجلوس إلى الطاولة لمنح فرصة للدبلوماسية، ولكن إرسال إشارات ضعف أو التصرف من موقع الضعف، لا يقل سوءا عن الخوف من التفاوض وتغذية نظرية المؤامرة! فوظيفة الدبلوماسية هي تمكين الشعب وإيران من عبور هذه المرحلة بأقل كلفة ممكنة، ولا حاجة لأن نخلق لأنفسنا فوبيا جديدة!

لقد ألحقت الولايات المتحدة ضررا بثقة المجتمع الدولي وبمبدأ التفاوض نفسه، ومع ذلك، أعتقد أن كل هذه الظروف قائمة ويمكن أن تؤثر سواء في تهيئة الأرضية للمفاوضات أو في تهيئة الظروف لخرق وقف إطلاق النار، ومن جهة القرائن التي يمكن الاستناد إليها، نُشرت بعض التقارير في الصحف الغربية والإسرائيلية، تُظهر احتمال خرق الهدنة.

ومن الجانب الإيراني، من الطبيعي أن تتم متابعة التطورات عن كثب، ويبدو أننا نعيش في حالة سلام مسلح، فلا نحن في حالة حرب ولا في حالة سلام، وهذا ليس وضعا جيدا للاقتصاد أو للمواطنين، بل هو وضع خطير. 

فالأطراف كلها تشبه حال الدول في الحرب الباردة خلال الستينيات، ومن الطبيعي أن هذه الحالة من اللايقين تؤثر سلبا على اقتصاد إيران، واقتصاد الأسرة، ومعنويات الناس، وتمنع وضع خطط قصيرة أو متوسطة الأجل، وعلينا في نهاية المطاف أن نعمل على ضبط هذا الوضع وتحقيق نوع من الاستقرار على المدى المتوسط.

كيف يمكن لإيران أن تمسك بزمام المبادرة في الظروف الراهنة؟

في الواقع أنّنا أمام عقدة متشابكة من الأحداث، وأستبعد أن يتمكّن أحد من تقديم وصفة واضحة وفعالة لهذا الوضع، لكن في رأيي يجب على إيران أن تأخذ المسألة على محمل الجد. 

ونحن نراقب التطورات الخارجية، لكن مجمل الوضع الداخلي لا يُظهر أننا قد أخذنا بجدية الحرب التي استمرت 12 يوما، أو خلفياتها وتبعاتها، أو احتمال خرق وقف إطلاق النار، لا أقول هذا على مستوى المؤسسات العسكرية، بل على مستوى السياسات العامة، وصناعة القرار، وكيفية توفير بيئة آمنة ومستقرة للاقتصاد والمجتمع، وهي أمور تتطلب تركيزا خاصا.

يبدو أننا لم نستفد بما يكفي من دروس الحرب، ولم يحدث تغيير، ولم تُكتسب خبرة جديدة، وكل شيء عاد كما كان بعد وقف إطلاق النار، وهذا برأيي لا يمكن أن يكون مجديا.

وعلينا أن نُظهر على مستوى السياسات العامة أننا جادون، ولا أقصد إثارة الذعر أو الخوف، فالمسألة ليست عسكرية بقدر ما هي إدارية وتنظيمية، ويجب أن نفكر في ترتيب ما بعد الحرب على جميع المستويات، والحكومة يجب أن تبدأ بنفسها، ولدينا أمثلة عديدة، مثل مسألة الاختراق التي كان علينا أن نتعلّم منها ونطرحها في الحوار العام، كي نصل عبر التفاعل الاجتماعي إلى حلول قائمة على خطاب جامع.

والجدير بالذكر أن ترك المجتمع في حالة ضياع ليس في مصلحة الدولة ولا النظام، ولا شك أن إسرائيل، من خلال عملياتها المعقّدة والمتعددة الطبقات، لم تكن تستهدف فقط منشآت إيران النووية، بل كانت تسعى إلى إسقاط النظام ولو على حساب تقسيم إيران. 

لذلك، من الضروري أن نأخذ العبرة من هذه التجربة، ونبدأ على الأقل من الداخل بإعادة تنظيم إدارة إيران، أو اعتماد أسلوب جديد في الحُكم، وهذه ليست مسألة تتعلق بالمبادئ، بل بالأساليب، وعلينا أن نُعزّز المشاركة العامة، فهذا من مبادئ الثورة، أن يُؤخذ دور الشعب بجدية، كما أن الخطوة الأولى يجب أن تكون تشكيل لجنة الحوار الوطني، وهذا لا يتطلب سوى إرادة سياسية من النظام.

إن مشروع قانون الادعاءات الكاذبة في الفضاء الافتراضي، والاحتجاجات الشعبية التي رافقته، أظهرا أن الناس يهتمون بمصيرهم، وسحب هذا المشروع كان تصحيحا لخطأ، وأثار الأمل لدى المواطنين، وينبغي إيلاء اهتمام كبير لهذه النقاط الدقيقة، فهناك مؤسسات موازية تتخذ خطوات تؤثر على حقوق المواطنين، ويجب أن يكون رضا المواطنين هو الأساس الحقيقي للحكم، لا مجرد شعارات دعائية.

ويجب أن نركز على تعزيز التماسك الوطني لأنه يلعب دورا حاسما في الحفاظ على الأمن القومي وتنفيذ السياسات الخارجية وتحقيق أهدافها، فلا يمكن لوزارة الخارجية أن تنجز شيئا دون هذا التماسك الوطني.

ورغم الظروف المفروضة علينا، لا ينبغي لنا أن نتخلى عن النشاط الدبلوماسي، أو بناء التحالفات، أو خلق الإجماع، أو متابعة مسار التفاوض، لكن يجب أن نغير منهجيتنا، لأن الأسلوب السابق لم يعد مجديا، وعلينا أن نصل إلى نتائج في أقصر وقت ممكن. 

وفي الواقع إن إسرائيل لا تريدنا أن نتوصل إلى تفاهم مع الولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال! فمصدر قوة إسرائيل يكمن في الصراع بين إيران والولايات المتحدة ! والأمر صعب، لكن دبلوماسيينا قادرون على المضي قدما، والمهم هو وجود استراتيجية مناسبة، ولا ينبغي الاكتفاء بإلقاء بيانات في جلسات التفاوض، ففي المفاوضات الدبلوماسية، من المهم جدا وجود تواصل بصري وحوار مباشر وجها لوجه.

هل يُسهم التفاوض مع الترويكا والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في منع تفعيل آلية الزناد، رغم دعوات بعض الأطراف الداخلية للانسحاب من معاهدة عدم الانتشار؟

إن العلاقات بين إيران وأوروبا تدهورت، وإيران تتحمّل جزءا من المسؤولية بسبب عدم توضيح طبيعة تعاونها العسكري مع روسيا، مما جعل الأوروبيين يرونه تهديدا لأمنهم، ومن جانبهم، تعامل الأوروبيون مع احتجاجات 2022 وكأن النظام الإيراني سيسقط، وخفّضوا علاقاتهم إلى الحد الأدنى. 

ورغم التعاون الجيّد بعد انسحاب ترامب، لم يُبْنَ خطاب مشترك، وظل المجال الحضاري النقطة المشتركة الوحيدة، لكنها لم تُستثمر، ففي مفاوضات إسطنبول، طرحت أوروبا مطالب دون تقديم مقابل واضح، واليوم، تستخدم آلية الزناد كورقة ضغط لانتزاع مكاسب من الطرفين دون التزام حقيقي.

ولا يمكن لإيران أن تراهن كثيرا على أوروبا، لأنها تُعرّف نفسها ضمن النظام الأميركي، بل الترامبي تحديدا، وأي تحسن بالعلاقات مرهون بمراجعة الضرر وإعادة البناء على المدى البعيد، أما الآن، فيجب منع أوروبا من مواصلة نهج الهدم، وفي الحقيقة، لو لم تكن هناك مشكلات مع الولايات المتحدة، لما احتجنا كثيرا إلى التعامل مع أوروبا أصلا.

أما الوكالة الدولية، فقد ارتُكبت أخطاء في التعامل مع غروسي، إذ مُنح دورا سياسيا يتجاوز صلاحياته كمدير عام، وكان الأجدر حصره في وظيفته التقنية، وإيران لا تمانع التحقق، ولا تسعى لتسليح برنامجها، لكن البيانات المسرّبة والبيان السلبي لمجلس المحافظين مهّدا لاتهامات تبرر الهجوم عليها. 

ومع ذلك، فإن موافقة إيران مؤخرا على استقبال نائب غروسي دون مفتشين تُعد مؤشرا إيجابيا على وجود نية لفتح مسار سياسي.

والتعاون مع الوكالة ضروري لكنه غير كاف، ويجب على إيران أن توظف أدوات متنوعة، خاصة في ظل غياب القرارات المناسبة أو اتخاذ قرارات خاطئة، فالمهمة الأساسية للسياسة الخارجية الإيرانية الآن هي: منع الحرب وتحييد آلية الزناد، ولهذا يجب ضبط التصريحات، وتفادي الفوضى الكلامية التي تضعف الموقف الرسمي وتخلق ارتباكا.