- زاد إيران - المحرر
- 674 Views
بين تعثّر المفاوضات النووية وتصاعد التهديدات الأوروبية بتفعيل “آلية الزناد”، تدخل العلاقات الإيرانية – الغربية مرحلة بالغة الحساسية، فطهران ترى في الخطوات الأوروبية محاولة غير قانونية لتقويض الاتفاق النووي، في حين تلوّح بخيارات ردّ قد تصل إلى رفع مستوى التخصيب أو حتى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار.
وفي خضم هذه التطورات، يبرز سؤال جوهري: ما مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة؟ خبراء العلاقات الدولية، ومن بينهم محمود سريع القلم، رسموا ثلاثة سيناريوهات رئيسية تحدّد المسار المحتمل للملف الإيراني وتداعياته الاقتصادية والسياسية في المرحلة المقبلة.
نشرت صحيفة “آرمان ملي” مساء الثلاثاء 19 أغسطس/آب 2025، تقريرا حول هذا الموضوع…
فذكرت الصحيفة أنه لم يكن كثيرون يتوقعون أن تنتهي المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، وكذلك محادثات طهران مع الدول الأوروبية الثلاث، إلى طريق مسدود بهذا الشكل، لكن التطورات الأخيرة قلبت المشهد رأسا على عقب، إذ جاء الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي على إيران ليشكّل، وفق توصيف العديد من المراقبين، “نسفا لطاولة التفاوض”.
وأضافت أنه منذ ذلك الحين، لم يعد في طهران ما يبعث على الثقة بالطرف المقابل، سواء في ما يتعلق باستئناف المحادثات أو إمكانية التوصل إلى اتفاق جديد، بل إن التساؤل المطروح اليوم هو: ما الضمانة على أن لا يكرر الأمريكيون أو الأوروبيون السيناريو ذاته بالانسحاب أو شنّ هجمات خلال المفاوضات المقبلة؟
وأوضحت أن إيران سبق أن واجهت خروقات مماثلة من الجانبين؛ من واشنطن التي انسحبت من الاتفاق النووي وأعادت تفعيل العقوبات الأحادية، وصولا إلى هجومها الأخير بعد خمس جولات من المحادثات وقبيل الجولة السادسة. أما الأوروبيون، فرغم بقائهم في الاتفاق، لم ينجحوا منذ ذلك الحين في تنفيذ التزاماتهم، بل ذهبوا أبعد من ذلك بتهديد إيران مؤخرا بتفعيل “آلية الزناد” بدلا من معالجة تقصيرهم.

إيران: أوروبا لا تملك حق تفعيل “آلية الزناد”
ذكرت الصحيفة أن طهران جدّدت رفضها تهديدات الترويكا الأوروبية بتفعيل آلية “الزناد” الخاصة بالاتفاق النووي، مؤكدة أن الدول الأوروبية الثلاث لا تملك أصلا هذا الحق وفق بنود الاتفاق، ولا الشروط اللازمة لتفعيله.
وأضافت أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية قال في مؤتمر صحفي، إن “استخدام أوروبا لهذه الأداة وسيلة للضغط يُعد إجراء غير قانوني وغير منطقي”، مشيرا إلى أن الدول الأوروبية قصّرت في الوفاء بالتزاماتها كأعضاء في الاتفاق، ولم تُدن العدوان الأمريكي – الإسرائيلي الأخير، ولم تبرر مواقفها بشكل منطقي.
وأشارت إلى أن طهران شددت على أنها ما زالت منفتحة على التفاوض مع الأوروبيين وحتى مع واشنطن، لكن “ضمن ظروف متكافئة وعادلة”، مؤكدة أن سياستها الخارجية تعتمد على قرارات “عقلانية ومنطقية” تهدف لتحسين الأوضاع لا تعقيدها.
ردّ الفعل المحتمل لإيران
تابعت الصحيفة أنه خلال الأشهر الماضية، شدّد الغربيون مرارا على احتمال تفعيل «آلية سناب باك»، وربطوا عدم تفعيلها بمدى تقدم المفاوضات مع إيران، والسؤال المطروح الآن: ما هي آلية “سناب باك” وكيف يتم تفعيلها؟ من المؤكد أن هذه الآلية تتيح للدول الأعضاء في الاتفاق النووي (برجام) أن تبدأ عملية إعادة فرض العقوبات السابقة لمجلس الأمن، في حال انتهاك إيران التزاماتها.
وبينت أنه يبقى التساؤل: في أي ظروف يحق لأعضاء الاتفاق تفعيل هذه الآلية؟ الواقع أن الأوروبيين، بعد إخلالهم بالتزاماتهم تجاه الاتفاق النووي، لم يعودوا يمتلكون هذا الحق، وإذا أقدموا على هذه الخطوة، فسيكون ذلك عملا غير قانوني ومخالفا للاتفاق.
وأوضحت أنه مع ذلك، من الواضح أن روسيا والصين، كطرفين في الاتفاق، لن تسمحا بتفعيل آلية الزناد أو إعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، لكن إن ارتكب الأوروبيون خطوة غير عقلانية وساروا في خط الولايات المتحدة، فإن إيران لن تبقى مكتوفة الأيدي، إذ تمتلك خططا واضحة للرد.
وأشارت إلى أنه من بين هذه الخطوات المحتملة: رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، خاصة بعد الهجوم الأمريكي الأخير على منشأتي فوردو ونطنز، حيث لم تعد أنشطة إيران النووية شفافة كما في السابق بالنسبة لمفتشي الوكالة الدولية.
وأردفت أن هناك خيارا آخر طالما نوقش سابقا، وهو الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، ليكون أحد الاحتمالات المطروحة إذا فُعلت آلية الزناد، وهناك أيضا خيار تغيير العقيدة النووية، وهو ما أشار إليه مؤخرا كمال خرازي، رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية.
وأضافت أنه مع ذلك، يرى الخبراء أنه على إيران في هذه المرحلة الحساسة أن تعتمد دبلوماسية نشطة وذكية لحماية مصالحها الوطنية وحقوقها النووية، مع تجنب تصعيد الأزمة. ويبقى السؤال: ما الذي يخطط له الأوروبيون تجاه إيران؟ وكيف ستجري المفاوضات المقبلة، التي لم يُحدد موعدها بعد، وما التدابير التي سيتخذها الجانبان في النهاية؟

السيناريوهات المحتملة
ذكرت الصحيفة أن محمود سريع القلم، أستاذ العلاقات الدولية، قدم موخرا تحليلا رسم فيه ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل العلاقات بين إيران والولايات المتحدة. وبحسب رؤيته، فإن المشهدين الاقتصادي والسياسي للبلاد سيتأثران بشكل مباشر بنوع التعاطي مع الغرب.
وأضافت أن السيناريو الأول، بحسب سريع القلم، يتمثل في إبرام اتفاق نووي جديد، ما يعني أن على إيران القبول بنسبة تخصيب صفر بالمئة، والحدّ من مدى صواريخها إلى أقل من 500 كيلومتر.،ولا يُعرف ما إذا كانت إيران ستُقدم على مثل هذا الاتفاق في هذه الظروف.
وأشارت إلى قوله إنه في حال حدوثه، ستنخفض احتمالات الحرب بشكل كبير، وتُفرج الأموال الإيرانية المجمّدة في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط بشكل تدريجي، كما سيتراوح سعر صرف الدولار بين 65 و70 ألف ريال، ويتقلّص عجز الموازنة جزئيا، وتُتاح لشركات الطاقة، ولا سيما الأمريكية، فرصة للعمل في إيران.
ورأى أن تنفيذ الاتفاق سيستغرق سنوات حتى تنضم إيران رسميا إلى مجموعة العمل المالي (FATF)، ما سيفتح بدوره قناة “سويفت” المصرفية تدريجيا، ويتوقع في هذه الحالة أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي ما بين 2 إلى 2.5% خلال عام واحد، ورغم ذلك، يعتقد المحلل أن احتمال تحقق هذا السيناريو ضعيف.

وأشار إلى السيناريو الثاني، وهو عدم التوصل إلى اتفاق، حيث ترفض إيران المطالب المطروحة وتعتبرها قضية تمس الأمن القومي، في المقابل، يمتنع الأمريكيون عن العودة إلى طاولة المفاوضات، وهذا الوضع سيفضي إلى تفعيل “آلية الزناد” (سناب باك)، واستمرار الضربات الجوية والعسكرية، وتصاعد الهجمات السيبرانية.
وتابع أنه ستُعاد تفعيل الضغوط المالية الأمريكية، لتتأثر الأنشطة الاقتصادية الإيرانية في تركيا والإمارات بشكل كبير، وإذا أبرمت الصين صفقة تجارية مع واشنطن، فإن صادرات النفط الإيرانية ستتراجع مجددا، وسينتج عن ذلك ارتفاع في سعر الدولار، وتزايد معدلات التضخم، وتفاقم هشاشة الاقتصاد، ما سيؤدي بدوره إلى تصاعد الاحتجاجات الداخلية.
وأردف متحدثا عن السيناريو الثالث، وهو غياب الاتفاق لكن مع كسب الوقت بالدبلوماسية، ففي هذا الوضع، تستعين إيران بالكفاءات والكوادر ذات الرؤية العالمية وتفكر في مستقبل يمتد لأربعة عقود قادمة، وعندها ستطلب مهلة إضافية، وقد يصدر مجلس الأمن الدولي قرارا يؤجل تفعيل “آلية الزناد”، بما يمنح طهران فرصة جديدة، تستمر المفاوضات من دون اتفاق.
واختتمت أنه يرى أن إيران تقف حاليا بين السيناريوين الثاني والثالث، إلا إذا وقع تحول داخلي كبير يمكّن من تحقق السيناريو الأول.

