- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 54 Views
تستمر الحرب الأمريكية الإسرائيلية بإلقاء ظلالها على عناوين الأخبار والتطورات السياسية والعسكرية في المنطقة، في ظل تسارع الأحداث اليومية وتزايد حدة التوتر بين مختلف الأطراف المعنية بالصراع. فمع كل يوم جديد، تتكشف معطيات جديدة تتعلق بمسار المواجهات، والتحركات الدبلوماسية، والضغوط الدولية الرامية إلى احتواء الأزمة ومنع اتساع نطاقها. كما أصبحت التصريحات المتبادلة، والتهديدات العسكرية، والتحركات الإقليمية والدولية، عوامل رئيسية في رسم ملامح المرحلة المقبلة، وسط حالة من الترقب بشأن مستقبل الحرب وإمكانية الانتقال من منطق المواجهة إلى مسار التفاوض والتسويات السياسية. وفي ظل هذا المشهد المتقلب، تتجه الأنظار إلى التحولات الجارية في مواقف القوى الكبرى، وما قد تفرضه من تغييرات على توازنات المنطقة خلال الفترة القادمة.
من التصعيد العسكري إلى انسداد أفق التفاوض
بدأت المرحلة الحالية من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران مع تصاعد العمليات العسكرية في الخليج، وما تبعها من مواجهات غير مباشرة واستهدافات متبادلة، انتهت بتحول مضيق هرمز إلى مركز الصراع العالمي. فواشنطن، وفق خبراء، دخلت المواجهة وهي تعتقد أن الضغط العسكري والاقتصادي المتزامن يمكن أن يدفع طهران إلى تقديم تنازلات واسعة تتعلق ببرنامجها النووي ونفوذها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي. غير أن النتائج الميدانية لم تسر وفق الحسابات الأمريكية، إذ تمكنت إيران من الحفاظ على تماسكها الداخلي، كما نجحت في تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ضغط استراتيجية أثرت بصورة مباشرة في أسواق الطاقة العالمية.
وقد كشفت التصريحات الأمريكية الأخيرة، وخصوصا تصريحات ترامب بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية في مضيق هرمز، أن واشنطن لا تزال تعتبر السيطرة على الممرات البحرية جزءا أساسيا من معادلة الضغط على إيران. لكن في المقابل، أظهرت التطورات أن القدرة الأمريكية على فرض معادلات أحادية لم تعد كما كانت في السابق، خاصة مع تصاعد المخاوف العالمية من انعكاسات الحرب على الاقتصاد الدولي. ولهذا السبب، بدأت الإدارة الأمريكية تجمع بين خطاب التهديد العسكري ومحاولات إبقاء باب التفاوض مفتوحا.

الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية المتعلقة بإنهاء الحرب أظهر بدوره أن طهران لا تنوي الدخول في مفاوضات من موقع الضعف، فالموقف الإيراني، حسبما جاء في وسائل إعلام إيرانية، تمسك بضرورة تثبيت وقف إطلاق النار أولا، ورفع الضغوط الاقتصادية والحصار البحري، قبل أي نقاش حول الملفات النووية والصاروخية. كما رفضت إيران بشكل قاطع أي حديث عن تفكيك منشآتها النووية، واعتبرت ذلك خطا أحمر لا يمكن التفاوض بشأنه. وفي الوقت نفسه، حاولت طهران إظهار قدر من المرونة التكتيكية من خلال الحديث عن تعليق محدود ومؤقت لبعض أنشطة التخصيب أو نقل جزء من مخزون اليورانيوم إلى دولة ثالثة، بشرط الحصول على ضمانات دولية.

هذه المعادلة المعقدة جعلت المفاوضات تدور في حلقة مفرغة، فواشنطن، حسب محللين، تريد من إيران تقديم تنازلات واسعة تشمل تقليص برنامجها النووي والصاروخي وإنهاء دعمها لحلفائها الإقليميين، بينما ترى طهران أن أي تفاوض يجب أن ينطلق أولا من الاعتراف بحقوقها الأمنية والسيادية ورفع الضغوط المفروضة عليها. ونتيجة لذلك، باتت كل جولة تفاوضية تتحول إلى ساحة جديدة لتبادل الرسائل السياسية والعسكرية، بدل أن تكون مسارا حقيقيا للتسوية.
وفي هذا السياق، برزت الخلافات داخل الإدارة الأمريكية نفسها بشأن كيفية التعامل مع إيران، فحسب تقارير غربية، فبعض دوائر البنتاغون تدفع نحو اعتماد مقاربة أكثر حدة تقوم على تنفيذ ضربات محددة ضد البنية التحتية الإيرانية أو تشديد الحصار البحري، بهدف إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية. بينما يرى تيار آخر داخل الإدارة أن التصعيد العسكري الواسع قد يؤدي إلى انفجار إقليمي شامل ستكون كلفته الاقتصادية والسياسية باهظة جدا، خصوصا في ظل التوترات الداخلية الأمريكية والضغوط الانتخابية التي يواجهها ترامب.
ولذلك، أصبحت السياسة الأمريكية قائمة على مزيج من الضغط والاحتواء؛ فهي تلوح بالقوة العسكرية، لكنها تحاول في الوقت ذاته تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة. أما إيران، فتسعى إلى إدارة الأزمة بطريقة تجعل استمرار الحرب مكلفا للولايات المتحدة وحلفائها، مع الحفاظ على قنوات التفاوض مفتوحة بما يمنع عزلتها الدولية الكاملة.
السيناريوهات المحتملة للأزمة بين واشنطن وطهران
في ظل استمرار الانسداد السياسي وتعثر جهود الوساطة، تبدو المنطقة أمام عدة سيناريوهات محتملة خلال المرحلة المقبلة، تختلف في مستوى التصعيد لكنها تتفق جميعا على أن الأزمة لن تنتهي سريعا.

السيناريو الأول يتمثل في تصعيد الضغط البحري والعسكري المحدود في الخليج ومضيق هرمز. وهذا السيناريو يبدو الأقرب على المدى القصير، خاصة بعد التصريحات الأمريكية المتكررة حول «حرية الملاحة» وضرورة حماية الممرات البحرية. وتقوم هذه المقاربة على فرض حصار بحري غير معلن على إيران، وزيادة الوجود العسكري الأمريكي والدولي في الخليج، مع تنفيذ عمليات محدودة تستهدف الزوارق السريعة أو منصات الطائرات المسيرة أو المواقع الصاروخية الإيرانية القريبة من المضيق.
هذا السيناريو يسمح لواشنطن بممارسة ضغط متواصل دون التورط في حرب شاملة، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة، لأن أي احتكاك عسكري قد يتحول بسرعة إلى مواجهة أوسع. كما أن استمرار التوتر في مضيق هرمز سيبقي أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط دائم، ما يعني استمرار ارتفاع أسعار النفط والغاز، وتزايد المخاوف من ركود اقتصادي عالمي.
أما السيناريو الثاني، فهو العودة إلى خيار الضربات العسكرية المباشرة ضد البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك المنشآت النفطية والغازية وربما بعض المواقع العسكرية والنووية. ويستند هذا الطرح إلى قناعة بعض دوائر القرار الأمريكية بأن الضغط المحدود لم يعد كافيا، وأن توجيه ضربات مؤلمة قد يدفع إيران إلى تقديم تنازلات أكبر.
غير أن هذا الخيار يبدو محفوفا بالمخاطر أكثر من أي وقت مضى. فإيران أثبتت خلال الفترة الأخيرة أنها قادرة على الرد بطرق متعددة، سواء عبر استهداف الملاحة البحرية أو عبر توسيع نطاق التوتر ليشمل منشآت الطاقة في المنطقة. كما أن أي حرب واسعة قد تؤدي إلى تعطيل جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وهو ما قد يدفع الاقتصاد الدولي نحو أزمة حادة، خاصة في ظل هشاشة الأسواق العالمية الحالية.
إلى جانب ذلك، فإن الرأي العام الأمريكي نفسه لا يبدو مستعدا لتحمل حرب طويلة ومكلفة جديدة في الشرق الأوسط، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية. ولذلك، فإن اللجوء إلى هذا السيناريو سيبقى مرتبطا بحدوث تطورات ميدانية كبيرة، مثل تعرض القوات الأمريكية أو حلفائها لضربات نوعية، أو انهيار كامل لمسار التفاوض.

السيناريو الثالث يتمثل في استمرار الدبلوماسية بالتوازي مع تراجع أمريكي تدريجي عن التصعيد العسكري. وهذا السيناريو يستند إلى إدراك متزايد داخل واشنطن بأن تحقيق «نصر حاسم» ضد إيران يبدو أمرا بالغ الصعوبة، وأن مواصلة الحرب ستؤدي إلى استنزاف سياسي واقتصادي طويل الأمد.
وفي هذا الإطار، قد تتجه الولايات المتحدة نحو تسوية جزئية تقوم على وقف التصعيد العسكري مقابل ترتيبات مؤقتة تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز وبعض القيود المحدودة على البرنامج النووي الإيراني. وقد تحاول إدارة ترامب تقديم أي اتفاق من هذا النوع بوصفه «انتصارا استراتيجيا»، حتى لو كان في الواقع أقرب إلى احتواء الأزمة بدل حلها جذريا.
لكن هذا السيناريو بدوره لن يعني نهاية التوتر بين الطرفين، لأن جذور الخلاف ما تزال قائمة، سواء فيما يتعلق بالنفوذ الإقليمي الإيراني أو بالبرنامج الصاروخي أو بالعلاقة مع الحلفاء الإقليميين. وبالتالي، فإن أي تهدئة مقبلة ستكون على الأرجح هدنة مؤقتة أكثر منها تسوية نهائية.
زيارة ترامب إلى الصين وتحول موازين القوة الدولية
في خضم هذه الأزمة، اكتسبت زيارة دونالد ترامب إلى الصين أهمية استثنائية، لأنها كشفت أن الملف الإيراني لم يعد منفصلا عن الصراع الدولي الأكبر بين واشنطن وبكين. فالولايات المتحدة، التي كانت تنظر إلى الصين بوصفها المنافس الاستراتيجي الأول، وجدت نفسها مضطرة إلى طلب المساعدة الصينية في إدارة أزمة الخليج ومضيق هرمز.

أهمية الصين بالنسبة للملف الإيراني تعود، حسب قراءات تحليلة، إلى عدة عوامل. أولها أن بكين تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، وبالتالي فإن أي اضطراب في مضيق هرمز يهدد بشكل مباشر الاقتصاد الصيني. وثانيها أن الصين تمتلك علاقات استراتيجية متنامية مع طهران، سواء عبر الاتفاقيات الاقتصادية طويلة الأمد أو عبر التعاون السياسي والتكنولوجي. أما العامل الثالث، فهو أن بكين أصبحت تمتلك نفوذا حقيقيا يمكن أن يؤثر في حسابات إيران، وهو ما جعل واشنطن ترى فيها وسيطا ضروريا.
لكن الصين لا تنظر إلى الأزمة من زاوية الوساطة فقط، بل من زاوية إعادة تشكيل النظام الدولي أيضا. فبكين تدرك أن الحرب في الخليج أضعفت صورة الولايات المتحدة بوصفها القوة القادرة على فرض الاستقرار العالمي، كما أنها فتحت أمام الصين فرصة لتعزيز حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط.

ولهذا السبب، حاولت بكين استثمار حاجة واشنطن إلى دورها من أجل تحقيق مكاسب تتعلق بالحرب التجارية، والقيود التكنولوجية، وحتى ملف تايوان. فالصين تدرك أن ترامب، الذي يواجه ضغوطا داخلية واقتصادية كبيرة، يحتاج إلى تهدئة سريعة في الخليج حتى يمنع ارتفاع أسعار الطاقة وانعكاساتها على الاقتصاد الأمريكي.
وفي المقابل، لم تظهر الصين استعدادا للتخلي عن شراكتها مع إيران. بل على العكس، عززت الأزمة الأخيرة قناعة بكين بأن استقرار إيران ضروري لمشاريعها الاستراتيجية الكبرى، خصوصا مشروع الحزام والطريق. كما أن استمرار التوتر بين واشنطن وطهران يتيح للصين فرصة استنزاف التركيز الأمريكي بعيدا عن شرق آسيا.
زيارة ترامب إلى بكين كشفت أيضا عن تغير مهم في طبيعة العلاقات الدولية. فبدل أن تكون الولايات المتحدة الطرف الذي يفرض شروطه، أصبحت مضطرة إلى التفاوض من موقع أكثر تعقيدا، حيث تتداخل الحاجة الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لم تعد الصين مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل تحولت إلى لاعب سياسي قادر على التأثير في ملفات الحرب والسلام في الشرق الأوسط.

كما أن الأزمة الحالية أعادت طرح أسئلة أوسع حول مستقبل النظام العالمي نفسه. فالتقارير التي تحدثت عن استخدام اليوان في تجارة النفط، أو عن دور التكنولوجيا الصينية في دعم القدرات الإيرانية، تشير إلى أن المواجهة لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضا صراعا على النفوذ المالي والتكنولوجي العالمي.
وفي النهاية، تبدو المنطقة أمام مرحلة طويلة من إعادة رسم التوازنات. فالولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما في السابق، وإيران نجحت في تثبيت نفسها لاعبا يصعب تجاوزه، بينما تواصل الصين توسيع نفوذها مستفيدة من تراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية. ولذلك، فإن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالحرب أو المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل تمثل جزءا من التحول الأكبر الذي يشهده العالم نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، تتقاطع فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا في معركة مفتوحة على مستقبل النفوذ العالمي.

