- زاد إيران - المحرر
- 512 Views
نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الجمعة 27 يونيو/حزيران 2025، حوارا أجرته مع أحمد بوراندام، أحد مسعفي جمعية الهلال الأحمر الإيرانية، حول تجربته الميدانية خلال عمليات الإنقاذ التي جرت في مبنى الشهيد جمران بطهران، عقب استهدافه من قبل النظام الإسرائيلي ضمن الموجة الأولى من الهجمات في فجر يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025.
وإلى نص الحوار:
ما الذي دفعك للذهاب إلى مبنى الشهيد جمران للمشاركة في عمليات الإغاثة؟
كنّا في حالة تأهّب منذ اللحظات الأولى لاعتداء النظام الإسرائيلي الغاشم على أراضي وطننا. وعندما تواصلوا معي، توجّهت برفقة عدد من المسعفين الآخرين إلى مبنى الشهيد جمران لبدء مهامّنا في عمليات الإغاثة.
ما الفرق بين عمليات إزالة الأنقاض والإغاثة في مبنى الشهيد جمران، وباقي عمليات الإغاثة الأخرى؟
كل شيء كان متشابكا ومبعثرا، وكمية الأنقاض التي كانت أمام أعيننا كانت هائلة. تعاهدنا نحن المسعفين فيما بيننا، أنه مهما بلغت صعوبة عمليات إزالة الأنقاض، سنبقى صامدين حتى اللحظة الأخيرة، وحتى انتهاء المهمة، وفعلا بقينا.
وقبل المشاركة في عملية مبنى الشهيد جمران، التي كانت عملية عسكرية بكل معنى الكلمة، كنت قد شاركت في العديد من مهامّ الإغاثة في الكوارث والحوادث الطبيعية، مثل الفيضانات والزلازل وغيرها من الحوادث المشابهة. لكن هذه المرة كانت مختلفة تماما؛ هذه عملية حرب.
كنت قبل ذلك أرى الأطفال المتأثرين بالحرب فقط على شاشة التلفاز، وكنت دائما أتأثّر كثيرا بمشاهد استشهاد الأطفال في الحروب، مثل أطفال غزة. لكن خلال عمليات الإغاثة في تلك الأيام، شعرت بكل معاناة الحرب التي أشعلها النظام الإسرائيلي في إيران، ولمستها عن قرب بعينيّ.
ولقد أخرجنا عددا كبيرا من الأطفال من تحت أنقاض مبنى الشهيد جمران، بينما كان بعض آباء وأمهات هؤلاء الأطفال يحدّقون بأيدينا، ويتوسّلون إلينا باستمرار أن نعثر على أي علامة تدلّ على أبنائهم ونُعيدها لهم.
ما هو المشهد الأكثر حزنا الذي شاهدته خلال عمليات إزالة الأنقاض في مبنى الشهيد جمران؟
كانت والدة إحدى الفتيات اللواتي استُشهدن في حالة من القلق الشديد، تقف قريبة منّا، ولا تهدأ لحظة. وكانت تحاول أحيانا أن تساعدنا بنفسها في إزاحة الأنقاض. وأثناء نقل الأنقاض، وقبل أن نعثر على جثمان ابنتها، وجدت دميتها وعددا من ألعابها الصغيرة، فتأكدت أن طفلتها كانت في المكان ذاته.
وبعد بحث طويل دام يومين، عثرنا على جسد الصغيرة، لكن الأم لم تعد تملك حتى القوة للبكاء أو الصراخ، وكانت تلك اللحظة من أكثر المشاهد ألما بالنسبة لي، خاصة أنني كنت أول من رأى جسدها الممزق تحت الركام.
إن العديد من الشهداء الذين استشهدوا في مبنى الشهيد جمران كانوا أطفالا في سن العاشرة أو الثانية عشرة، لا علاقة لهم بالحرب، ولا يحملون سلاحا، ولا يملكون طائرة، وهذا ما يجعل الحزن على ما جرى مضاعفا وأثقل على القلب.
كيف كانت حالة جثامين الأطفال وباقي الشهداء في مبنى الشهيد جمران؟
للأسف، لا تزال المشاهد المؤلمة للجثامين حيّة في ذهني حتى الآن. كانت كمية الأنقاض هائلة، وبعض الأجساد كانت ممزقة تماما، وأجزاء من أجساد الشهداء كانت منفصلة عن بعضها. وحتى الجثامين التي كانت بحالة أفضل نسبيا، كانت تعاني من كسور شديدة في معظم أنحاء الجسم.
وفي مرحلة إزالة الأنقاض، لم نتمكن من العثور على أي ناج من تحت ركام مبنى الشهيد جمران؛ وإذا كان هناك من نجا، فقد تم إنقاذه في اللحظات الأولى من الحادث على يد أول من وصل إلى الموقع أو من قِبل السكان القريبين الذين لم يصابوا بأذى نتيجة بُعدهم النسبي عن موقع الانفجار، وقد سُلِّموا حينها إلى فرق الإسعاف.
كما كانت وجوه الجثامين مشوّهة إلى درجة يصعب معها التعرّف عليهم. لقد رأيت مشاهد مؤلمة جدا خلال عمليات الإنقاذ ورفع الأنقاض في مبنى الشهيد جمران، لن تُمحى من الذاكرة.
ما هو أول مشهد رأيته عند وصولك إلى مبنى الشهيد جمران؟
أول مشهد رأيته في مبنى الشهيد جمران، والذي لا يزال محفورا في ذاكرتي من ذلك اليوم العصيْب، كان جثمان شاب يبلغ من العمر نحو 25 عاما، وطفلة صغيرة في سن العاشرة أو الحادية عشرة، ويبدو أنهما كانا شقيقين. كانت حالتهما مأساوية جدا، وقد فارقا الحياة بطريقة مروعة ومؤلمة.
أنا نفسي أب لطفلين، أحدهما في العاشرة والآخر في الثانية من العمر، ورؤية أجساد الأطفال الأبرياء بتلك الحالة كانت من أشدّ اللحظات حزنا وقسوة بالنسبة لي.
كيف كانت حالة مبنى الشهيد جمران والمنطقة المحيطة به في أثناء قيامكم بعمليات إزالة الأنقاض والإغاثة؟
في كل لحظة، كان من الممكن أن تنفجر قنبلة غير منفجرة أو أن تنهار بقايا المبنى فوق رؤوسنا. وكانت الظروف في غاية الصعوبة، لكننا كنا قد عقدنا العزم على إتمام المهمة حتى النهاية. وخلال عمليات الإغاثة، لم يتحدث أيّ منا عن صعوبة الوضع، لكن كل واحد منّا كان يعاني في داخله من ثقل الكارثة ومرارتها، دون أن يُظهر ذلك، حتى لا تتدهور معنوياتنا أكثر مما كانت عليه.
كنا نشعر أننا لا نختلف عن المقاتلين في جبهات الدفاع المقدس خلال حرب السنوات الثماني، الذين قضوا شهورا دون أن يروا عائلاتهم. دون أدنى فرق بيننا وبينهم، فنحن أيضا نقف بكل ما نملك، حتى بأرواحنا، دفاعا عن وطننا إيران؛ تماما كما صمد الشهداء في تلك الأيام، قبل أن ينالوا الشهادة.
إلى جانب مشاركتكم في عمليات الإغاثة وإزالة الأنقاض في مبنى الشهيد جمران، في أي موقع آخر من طهران كنتم حاضرين أيضا؟
كنت حاضرا أيضا كمسعف في منطقة نوبنياد والمباني الأخرى التي تعرّضت لهجوم النظام الإسرائيلي ضمن تلك المنطقة. وبعد الانتهاء من عمليات الإغاثة في أحد المباني المتضررة هناك، وبينما كنا في طريق العودة، شاهدنا أكثر من 20 من مواطنينا عالقين في ظروف صعبة داخل محطة مترو نوبنياد، وكانت أجواء المنطقة مغطاة بالكامل بالدخان.
وعلى الفور، توجّهت مع زملائي المسعفين لمساعدتهم، وقمنا بكسر جزء من جدار المترو، واستطعنا إنقاذ جميع الأشخاص العالقين وإخراجهم أحياء.
كيف يجب أن تكون مساعدة الناس لفرق الهلال الأحمر أثناء عمليات الإغاثة وإزالة الأنقاض؟
يمكن للناس أن يُقدِّموا لنا أعظم مساعدة من خلال الابتعاد عن موقع الحادث والحفاظ على مسافة آمنة، والإنصات لتعليمات فرق الإغاثة، فعملنا عمل تخصصي، ونحن نملك تدريبات مسبقة وتجارب ميدانية تراكمت على مدى سنوات، تُمكّننا من انتشال جثامين الضحايا من تحت الأنقاض بطريقة احترافية، مع الالتزام التام بإجراءات السلامة. إن تجمّع الناس في مكان الحادث، رغم نيتهم الطيبة، قد يعيق عملنا ويعرّضهم ويعرّضنا للخطر.

