- زاد إيران - المحرر
- 344 Views
كتب: الترجمان
أثارت تصريحات المغنية الإيرانية المقيمة في الخارج، فائقة آتشين المعروفة بـ«غوغوش»، في مقابلة حديثة مع وكالة «أسوشيتدبرس»، موجة واسعة من التفاعل والجدل داخل إيران وخارجها. فبينما حاولت وسائل إعلام معارضة إبراز كلامها بوصفه «موقفًا سياسيًا» يُضاف إلى سجل الأصوات المناهضة لإيران.
جاءت ردود الفعل في شبكات التواصل الاجتماعي – بما في ذلك بين شرائح من المعارضة – على نحو ساخر وانتقادي، كشف عن فجوة لافتة بين الرغبة الإعلامية في تحويل الفنانة إلى «رمز» وبين الواقع المهني المتراجع الذي تعيشه في السنوات الأخيرة.
تصريحات تحوّلت إلى عاصفة
قالت غوغوش في حوارها إنها «تحتفظ باستئناف نشاطها الفني لليوم الذي لن يكون فيه للجمهورية الإسلامية وجود». العبارة، التي بدت في ظاهرها رأيا شخصيا، تحوّلت سريعا إلى مادة سياسية بعدما سارعت منصات معارضة – بينها «إندبندنت فارسی»، «اینترنشنال»، «دويتشهوله» و«يورونيوز» – إلى نشرها تحت عناوين تعطي الانطباع بأن الفنانة تعلن “وقف نشاطها الفني احتجاجا على النظام”.
غير أن هذه القراءة لم تصمد طويلا أمام موجة من السخرية اجتاحت شبكات التواصل، حيث رأى كثيرون أن التصريح لا يعكس موقفا سياسيا حقيقيا بقدر ما يعكس واقعا فنيا متراجعا، خصوصا مع صدور كتابها الجديد «Googoosh: Forbidden Voice» في التوقيت نفسه، الأمر الذي سجّله البعض باعتباره محاولة تسويقية أكثر منه موقفا نضاليا.

انقسام الرواية: بين صناعة الرمز وتآكل التأثير
تُظهر قراءة البيانات الإعلامية ثلاثة اتجاهات رئيسية في التعامل مع الحدث:
أولا: محاولة رفع عبارة عابرة إلى مستوى فعل سياسي
سعت بعض وسائل الإعلام المناوئة للنظام إلى تصوير غوغوش كـ«شخصية صدامية» تمارس فعلا احتجاجيا صريحا. ويأتي ذلك ضمن استراتيجية واضحة لهذه الوسائل في إعادة تدوير رموز ثقافية سابقة وتحويلها إلى أدوات رمزية في خطاب المعارضة، في ظل انحسار إنتاج رموز جديدة داخلها.
وقد شكّل صدور كتابها الجديد مناسبة مناسبة لدفع هذا الخط الإعلامي، عبر ربط السيرة الشخصية بالفعل السياسي.
ثانيا: مقاومة اجتماعية واسعة للرواية الإعلامية
على عكس التوقعات، أظهرت ردود الفعل على شبكات التواصل – حتى بين تيارات ملكية ومعارضة – ميلا واضحا لرفض سردية «الرمز السياسي». إذ طغت التعليقات الساخرة، ونشر البعض صورا تُظهرها تغني داخل قبر أو بهيئة هيكل عظمي، ما حوّل الحدث إلى مادة هزلية بدل كونه مادة سياسية.
هذا التباعد بين الرواية الإعلامية والتلقي الرقمي يكشف حدود تأثير المشاهير المسنين داخل المعارضة، ويشير إلى أن قدرة الإعلام المعارض على خلق رموز جديدة تواجه عوائق متزايدة.
ثالثا: خطاب مضاد من التيار الثوري… يركز على التناقضات
في الناحية الأخرى، سعى التيار الثوري إلى تفريغ التصريح من محتواه، من خلال إبراز تناقضات الفنانة، وتراجعها الفني، وسلوكياتها خلال مسيرتها الطويلة. وركز الخطاب على جوانب يرون أنها «واقع لا يمكن تسييسه»، مثل اهتزاز الصوت، ضعف القدرة على الأداء، وتراجع الحضور الفني في السنوات الأخيرة، ما جعل محاولة المعارضة صناعة «شخصية رمزية» جديدة أقل تأثيرا.
تناقض بين الأقوال والسجل الطويل
في الحوار ذاته، تحدثت غوغوش عن «حياة الشباب الذين شابوا قبل أوانهم»، واعتبرت أن استمرارها في العمل الفني «غير ممكن» ما دامت الجمهورية الإسلامية في الحكم.
لكن انتقادات واسعة وجّهت لهذه الأقوال، معتبرة أنها تتناقض مع مسيرتها الفنية الممتدة عبر خمسة عقود، قدّمت خلالها عشرات الحفلات في الخارج، وأصدرت ألبومات عديدة، دون أي توقف أو اعتراض سياسي واضح.
وسأل المستخدمون:
- لماذا لم تتوقف عندما كانت في ذروة الشهرة والقوة الصوتية؟
- ولماذا يأتي هذا «الموقف» الآن بالتحديد، في لحظة تراجع صوتها وتقدّمها في العمر؟
ويقول منتقدون إن استمرار نشاطها خارج البلاد طوال العقود الثلاثة الأخيرة يجعل حديثها عن «عدم إمكانية العمل في ظل النظام» غير منسجم مع الواقع.
تراجع القدرة الصوتية… من الميدان الفني إلى ساحة الجدل
واحدة من أكثر النقاط تداولا كانت جودة صوت غوغوش. فقد أبرزت مقاطع حفلاتها الأخيرة ما وصفه مستخدمون بـ ضعف التنفس، الخروج عن المقامات، وتواضع القدرة الصوتية.
أحد مستخدمي منصة «إكس» كتب:
“طوال وجود الجمهورية الإسلامية كانت غوغوش تقيم حفلات وتصدر ألبومات. الآن فقط، حين بدأ صوتها يختفي، وضعت شرطا سياسيا؟”.
وبحسب هذا الرأي، فإن المسألة ليست موقفا سياسيا، بل تعود إلى تراجع القدرة على تقديم حفلات مباشرة، فضلا عن انكماش سوق الموسيقى في لوس أنجلوس، وانخفاض شعبيتها مقارنة بأسماء فنية أخرى.

تصريحات «التعاطف مع الشعب»… بين الخطاب والواقع
قالت غوغوش إنها تشعر بأن الشعب الإيراني «محروم من تقرير مصيره منذ خمسين عاما». لكن تعليقات عديدة اعتبرت هذا الكلام أقرب إلى «استدعاء خطاب شعبوي» منه إلى موقف نابع من تجربة شخصية، نظرًا لأن الجزء الأكبر من مسيرتها المهنية بعد الثورة كان خارج إيران، وفي سنوات لم تكن فيها مواقفها الحالية مطروحة على الإطلاق.
وكتب مستخدم:
“إن كانت حياة الناس في 47 عاما خارجة عن السيطرة، فلماذا كانت غوغوش خلال أغلب هذه المدة تنشر ألبومات وتقوم بجولات عالمية؟ ولماذا لم تتذكر هذا الظلم إلا في شيخوختها؟”.
ردود الفعل على وسائل التواصل
جاءت تعليقات المستخدمين حادة في كثير منها. بعضهم وصف الحدث بأنه «نهاية عمر من الانحلال»، واعتبر أن مسيرتها بدأت «في أجواء فساد البلاط الشاهنشاهي» منذ طفولتها، وأنها كانت من أبرز رموز الانحلال الفني.
آخرون رأوا أن إعلانها تعليق النشاط «لن يغيّر شيئا»، لأن الجمهورية الإسلامية باقية.
بينما اقترح البعض أن تنصرف وسائل الإعلام الرسمية إلى «ذاكرة الشهداء بدل ترويج أحاديث بلا معنى»، فيما استعاد آخرون روايات شعبية حول فنانات من عهد الشاه “عُذّبن في قبورهن بسبب حياتهن الفاسدة”.
كما وُجه نقد للإعلام الثوري ذاته، إذ رأى بعض المتابعين أنه «يختار أفضل صور للمعارضين»، في حين أن الإعلام المعادي «يعتمد أسوأ الصور لتشويه رموز الثورة»، معتبرين أن التعامل الاحترافي مع الصورة جزء من المعركة الإعلامية.
تكشف هذه الحادثة، رغم بساطتها الظاهرية، عن واقع أعمق يتعلق بمحدودية قدرة الإعلام المعارض على إعادة إنتاج رموز جديدة، وعن تقلص تأثير مشاهير الخارج في الخطاب السياسي للمعارضة.
فبينما راهنت بعض المنصات على تحويل عبارة غوغوش إلى موجة سياسية، جاءت النتائج معاكسة: سخرية واسعة، انتقادات لاذعة، وجدال أعاد الفنانة إلى موقع «القضية الفنية» بدل الرمز السياسي.
وفي ظل تراجع حضور أسماء فنية من جيلها، يبدو أن مساعي بعض وسائل الإعلام لصناعة «رموز تحريضية» جديدة تصطدم بواقع اجتماعي وإعلامي متغير، يعيش تحولات أعمق مما تعكسه تصريحات فردية، مهما كانت مثيرة للجدل.

