بيان جبهة الإصلاحات يثير جدلا واسعا في إيران والانقسامات تتسع

أشعل بيان جبهة الإصلاحات الذي صدر الأحد 17 أغسطس/آب 2025، نقاشا سياسيا واسعا في إيران بعدما طرح رؤية للخروج من الأزمة عبر العودة إلى الشعب والمصالحة الوطنية وتعليق طوعي للتخصيب تمهيدا لمفاوضات شاملة ومباشرة مع الولايات المتحدة مقابل رفع كامل للعقوبات وخفض للتوتر الخارجي، وبينما قدمت الجبهة خريطة طريق داخلية وخارجية من 11 بندا قوبلت الوثيقة بسيل من المواقف الرافضة من التيار الأصولي وبنقد لافت من داخل البيت الإصلاحي نفسه، في ظاهرة تظهر حجم الانقسام في الداخل الإيراني.

ماذا جاء في البيان المثير للجدل؟

ينطلق البيان من لحظة يعتبرها منعطفا تاريخيا بعد حرب استمرت 12 يوما بين إسرائيل وإيران، والتي انتهت في 24 يونيو/حزيران 2025، حيث يقر بأن الردع العسكري الايراني تجلى بوضوح، لكنه يحذر من تكلفة الاستمرار في المسار الحالي إن لم يعاد بناء الثقة الوطنية وفتح أبواب التفاعل البناء مع العالم، كما يضيف البيان أن التهديد الفعلي لتفعيل الية الزناد من ثلاثي أوروبا، ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، قد يعيد الملف النووي الى المربع صفر، بل سيؤدي إلى ضغوطا اشد وربما حربا لاحقة بذريعة تهديد السلم.

الخيارات المطروحة

يضع البيان ثلاثة مسارات أمام الشعب والنظام، أولها استدامة الوضع القائم بهدنة هشة ومستقبل غامض، الثاني تكرار نموذج الـ22 عاما الماضية مفاوضات تكتيكية لشراء الوقت من دون معالجة الجذور، والأخير يتمثل في خيار المصالحة الوطنية وترك الخصام داخليا وخارجيا بهدف إصلاح بنية الحوكمة والعودة الى مبدأ سيادة الشعب عبر انتخابات حرة وإلغاء الرقابة مع إنهاء التوتر الخارجي والعزلة الدولية، الخيار الذي تصفه الجبهة بأنه الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد شريطة أن يقترن بإصلاحات بنيوية عميقة؛ لأن المصالحة الوطنية بلا إصلاح هيكلي وعفو عام ستغدو- بحسب البيان- عرضا سياسيا لا أكثر.

خريطة الطريق ذات 11 بندا

البيان يطرح برنامجا عمليا يمتد بين الداخل والخارج، وفي جانبه الداخلي يركز على قضايا جوهرية تبدأ بالدعوة إلى إصدار عفو عام يشمل السجناء السياسيين وأصحاب الرأي والنشطاء المدنيين، إلى جانب رفع الإقامة الجبرية المفروضة منذ عام 2009 على مير حسين موسوي وزهرا رهنورد، والسماح للرئيس الأسبق محمد خاتمي بالتحرك بحرية، ويعتبر البيان أن مثل هذه الخطوات من شأنها استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع وردم الفجوة المتزايدة بينهما.

كما يدعو البيان إلى تحويل خطاب الحكم من أولوية الصراعات الأيديولوجية إلى خطاب يقوم على التنمية الوطنية، عبر تبني رؤية للتنمية وإعمار إيران يرتكز على قيم التكافل والكرامة، ويقترح أيضا إعادة هيكلة المؤسسات عبر حل الهيئات الموازية، وإجراء تغييرات في الأجهزة المعيّنة، وإنهاء تعدد مراكز القرار بإعادة الصلاحيات إلى الحكومة، مع وقف تدخل المجالس فوق القانونية وغير الشفافة في إدارة شؤون الدولة.

وفي جانب آخر، يشدد البيان على ضرورة عودة القوات العسكرية إلى ثكناتها وابتعادها عن السياسة والاقتصاد والثقافة، مع مراجعة شاملة لمفهوم الأمن الداخلي بحيث يبقى قائما على قدرة الردع الدفاعية، لكن مع تقليص النظرة الأمنية للمجتمع وإلغاء التصنيفات التي تفرّق بين المواطنين.

أما في مجال الإعلام، فقد طالب البيان بإصلاح إدارة هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية وتحرير عمل وسائل الإعلام ورفع القيود الرقابية عنها، كما لم يغفل قضايا النساء، إذ دعا إلى تعديل القوانين المتعلقة بحقوقهن بما يضمن رفع أشكال التمييز والعنف الواقع عليهن.

واقتصاديا، يطرح البيان رؤية لتحرير السوق من قبضة السيطرة الحكومية، وتهيئة بيئة اقتصادية أكثر عدلا تكفل فرصا متكافئة لجميع المواطنين، إلى جانب خلق ظروف جاذبة للاستثمارات الداخلية والخارجية، بما ينعكس على تحسين حياة الإيرانيين.

السياسة الخارجية

وعن السياسة الخارجية، فقد اعتبر البيان أن إعادة الترميم يجب أن تنطلق من قاعدة المصالحة الوطنية وتوحيد الصفوف بين الإيرانيين في الداخل والخارج، مع تعبئة كل الطاقات الدبلوماسية الرسمية والشعبية لمنع تفعيل آلية الزناد ورفع العقوبات واستعادة مكانة إيران على الساحة الدولية.

وأكد أيضا أن أحد المخارج الأساسية للأزمة يتمثل في مبادرة نووية تقوم على التعليق الطوعي للتخصيب وقبول الرقابة الكاملة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقابل رفع شامل للعقوبات، بما يمهد الطريق لمفاوضات مباشرة وشاملة مع الولايات المتحدة، وصولا إلى تطبيع العلاقات على أساس العزة والحكمة والمصلحة.

كما شدّد البيان على أهمية الاندماج الإقليمي باعتباره مدخلا إلى سلام مستدام، وذلك من خلال استثمار الانفتاح على دول الجوار ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق إرادة شعبها، إلى جانب تعزيز التعاون مع السعودية وسائر بلدان المنطقة بما يساهم في تحسين صورة إيران كدولة محبة للسلام ومسؤولة في محيطها.

ورأى البيان أن العودة إلى الشعب تشكل فرصة ذهبية للتغيير، يمكن أن تتحول إلى منصة للتنمية المستدامة وإعادة بناء رأس المال الاجتماعي وإقامة علاقة متوازنة وكريمة مع العالم. لكنه حذّر في المقابل من أن تجاهل ضرورة التغيير سيدفع البلاد نحو مسار التفكك التدريجي، بما يهدد استقرارها ومستقبلها.

ردود الفعل المعارضة من الأصوليين

هذا ولم يتأخر الرد الأصولي كثيرا على هذا البيان، فقد جاء سريعا وحادا، وبالطبع كان في طليعته “كيهان”، الصحيفة الأصولية الأشهر ومدير تحريرها حسين شريعتمداري، والتي عنونت افتتاحيتها ليوم الاثنين 18 أغسطس/آب 2025: “بيان جبهة الاصلاحات أم ترجمة فارسية لخطاب نتنياهو”، وخلال الافتتاحية ذهب شريعتمداري إلى توصيف التيار الإصلاحي بالعمود الخامس، والمقصود به العملاء الذين يخربون البلاد  من الداخل لسهولة غزوها، معيدا تعريف المصطلح على ضوء اللحظة الراهنة معتبرا أن ما بعد فشل إسرائيل وأمريكا في الحرب الـ12 يوما شهد انتقال الفتنة إلى الداخل بواجهات سياسية.


من جانبه، رأى صادق محصولي، الأمين العام لجبهة بايداري ذات الأغلبية البرلمانية، في البيان اسما حركيا لفتنة جديدة قد تحدث في الدخل على غرار مواقف معارضي انتخابات 2009، كذلك فقد اتهم الكتاب بالحديث باسم الشعب.

كذلك، فقد وصف عبد الله جنجي، الإعلامي الأصولي، ما يجري بانه من استراتيجيات الموساد الاعلامية لخلق انقسام حول التخصيب مشيرا إلى أن نرجس محمدي، رئيسة جبهة الإصلاحات التي صدر عنها البيان، كانت أول من أعطى الضوء الأخضر لمعارضة التخصيب، كذلك فقد شكك في أن يكون البيان ممثلا فعلا لقيادات إصلاحية، كالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونائبه محمد رضا عارف، أيضا فقد اعتبر أن ما يصدر عن هذا المعسكر ليس همه معيشة الناس، بل العودة إلى السلطة أو تجاوز النظام الديني وأن هدفه النهائي اقامة حكم علماني.

من جانبه شبه سعيد اجورلو، الإعلامي الأصولي ومدير تحرير صحيفة صبح نو، البيان بدس السم في العسل، ونعته، خاصة في السياسة الخارجية، بأنه رومانسي وساذج وخيالي، بل وصل الى حد وصفه بأنه تمرد على مبادئ الثورة والأمن القومي.

فيما هاجم علي رضا سليمي، عضو هيئة رئاسة البرلمان، الفقرات التي تتحدث عن تمييز منهجي بحق النساء وطالب بالأدلة وذكر بحادثة نقلها عن اجتماع مع رئيس السلطة القضائية حيث لم يتمكن أحدٌ الحضور من ذكر خمسة أسماء لسجناء سياسيين لينتهي إلى أن هذه المواقف تغري العدو ولا تفيد التماسك الوطني.


وأخيرا، وصف مهدي محمدي، المحلل السياسي، البيان بأنه خيانة تاريخية وبمثابة بيان لجيش الكيان الاسرائيلي في لحظة يسعى فيها العدو إلى خلق انقسام داخلي وتقليص الخيارات إلى الاستسلام في الهجوم العسكري.

الاصلاحيون يعارضون أنفسهم

لم يقتصر الجدل على الضفة الأصولية، إذ واجه البيان انتقادات صريحة من داخل التيار الإصلاحي لأسباب تتنوع بين المنهجي والسياسي والتطبيقي، حيث أعلن سعيد نور محمدي، الناطق باسم حزب نداي ايرانيان، بوضوح، رفض الحزب لصدور مثل هذه البيانات عن جبهة الإصلاحات مؤكدا أنها لا تفك عقد البلاد، بل تذكي التوترات وتثني الاستقطاب على نحو لا يخدم الشعب ولا الوطن.

كذلك قدم محمد رضا جلايي بور، الناشط السياسي الإصلاحي، سلسلة من الأسئلة النقدية لكتاب البيان، داعيا إلى مراجعة تراعي دروس المنطقة والعالم، وتساءل جلايي بور عما إذا تغير محتوى البيان بعد حرب الـ 12 يوما ومجازر غزة، ولماذا تجاهل تحولات ميزان القوى العالمية وضرورة بناء ائتلافات إقليمية.

كما تساءل عن إمكانية تنفيذ تعليق التخصيب والتوصل إلى اتفاق شامل مع واشنطن من دون مراعاة الخطوط الحمراء للأمن القومي، ولماذا ركز البيان على رضا الطبقة الوسطى والشرائح العليا من دون النظر إلى القدرة الاقتصادية للفقراء، وأضاف جلايي بور نقدا محوريا حول عدم تشديد النص على تقوية القدرات الدفاعية في سياق إقليمي مضطرب، واعتبر الطرح في صيغ أخرى ساذجا ومتأخرا عن زمنه.

من جانبه، سجل على مطهري، الشخصية السياسية الإصلاحية والنائب البرلماني السابق، تحفظا عمليا، مشيرا إلى أنه، حتى لو تم تطبيق تعليق طوعي للتخصيب وقبلت رقابة الوكالة مقابل رفع كامل للعقوبات، فمن غير المحتمل أن يقبل الطرف المقابل، مؤكدا أن ذلك قد يترتب عليه مطالب صاروخية وإقليمية، وختم تصريحاته بنبرة متشائمة بأن الطرف المقابل لن يتراجع ما لم يُعترف بوجود إسرائيل في المنطقة.

أما القراءات الصحفية الإصلاحية، كصحيفة آرمان ملي، فقد اعتبرت أن البيان يحمل نبرة أمنية ولا يقدم جديدا كافيا لاستعادة رأس المال الاجتماعي المفقود، وأنه قد يتعارض مع خطاب الوفاق الوطني الذي يرفعه بزشكيان، كما قورن البيان نقديا ببيان 191 شخصية وبتوجيهات تيار المنفتحين، لتخلص التحليلات إلى أن طرح الجبهة ليس كافيا لاستعادة ثقة الشارع.