جدل الهالوين في طهران.. حفلات البذخ المستوردة والصدام مع الهوية الوطنية

كتبت: كريمة هاني 

مع اقتراب نهاية أكتوبر/تشرين الأول، تتحول شوارع طهران والمدن الإيرانية الكبرى إلى لوحة من الأقنعة المخيفة والقرع البرتقالي والملابس السوداء. ما بدأ كطقس غربي لتذكّر الموتى أصبح اليوم ظاهرة اجتماعية تثير أسئلة عن الهوية والاستهلاك والفرح المسموح به، خصوصاً بين الجيل الجديد الذي يرى في الهالوين فرصة للمرح وتبني اتجاهات ثقافية حديثة. من الحفلات الباذخة إلى الاحتفالات الخفية في الغابات، يعكس هذا الانتشار التوازن الدقيق بين الرغبة في الانخراط بالموضة العالمية والحفاظ على الخصوصية الوطنية.

اقتصاد البذخ.. حفلات بأرقام صادمة واستهلاك بلا حدود

شهدت إيران هذا العام موجة غير مسبوقة من حفلات الهالوين، حيث تراوحت أسعار تذاكر بعض الفعاليات في قاعات طهران بين 47 و118 دولاراً للفرد، ووصلت في الحفلات الفاخرة إلى 237 دولاراً للفرد، شاملة ديكوراً خاصاً، وعشاء، وتصويراً، وهدايا، وهو رقم يُعد مرتفعاً مقارنة بمستوى الدخل العام في البلاد.

ولم تتوقف التكاليف عند هذا الحد، فقد تحولت الملابس التنكرية والماكياج إلى صناعة قائمة بذاتها، حيث تقدم صالونات التجميل “باقات هالوين” باهظة التكلفة، فيما تعرض المتاجر ملابس وأقنعة مستوردة تُباع بالعملة الأجنبية.

هذا البذخ حول الهالوين من مناسبة ترفيهية إلى ما يشبه “حفلة موضة” واستعراضاً للقدرة المالية، ليعكس مدى تعلق الجيل الجديد بالترفيه الفاخر والاتجاهات الحديثة في الاحتفال.

في قلب الغابة.. حفلات “VIP” غير قانونية

لم تقتصر حفلات الهالوين في إيران على القاعات المغلقة، بل امتدت إلى أحضان الغابات، حيث تُنظم “جولات الهالوين” غير القانونية للمجموعات المختارة، وتُعلن على وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات غامضة مثل “الموقع سري”. تتراوح تكلفة المشاركة في هذه المخيمات بين 190 و713 دولاراً، وتشمل خدمات مثل خيمة VIP، دي جي مشهور، بارتندر، وحتى جلسات مساج.

وتفتقر هذه الحفلات إلى أي ترخيص أو إشراف أمني، ما يجعل المشاركين عرضة لمخاطر تتعلق بالسلامة الشخصية، بما في ذلك سهولة توزيع المشروبات والمخدرات. كما تسبب هذه الفعاليات اضراراً بيئية بالغة للغابات والحياة البرية، محوّلة الاحتفال من مناسبة ترفيهية إلى تجربة محفوفة بالمخاطر.

Image

الحظر الرسمي ومواجهة حفلات الهالوين

قبل انتشار حفلات الهالوين، أصدرت السلطات الإيرانية بياناً رسمياً من غرفة النقابات يحظر أي احتفالات أو ترويج أو بيع لمستلزمات الهالوين في الأماكن العامة والمتاجر، مهددة بإغلاق المؤسسات المخالفة وتحويل المسؤولين إلى القضاء أو الجهات المختصة. وبررت السلطات القرار بالحفاظ على “القيم الثقافية والدينية والاجتماعية للبلاد”.

وعلى المستوى الخطابي، ركز المسؤولون على التذكير بغنى الثقافة الإيرانية بالأعياد الوطنية. متحدثة الحكومة، فاطمة مهاجراني، أوضحت: “لدينا هذا العدد الكبير من الأعياد الوطنية، فأين كان الهالوين؟”، مؤكدة أن “المنع أحد الحلول”، لكن الحل الآخر يكمن في “التثقيف الثقافي وإحياء الطقوس المحلية”.

مع ذلك، استمرت بعض الحفلات، ما أدى إلى صدام بين الشباب والسلطات، في جدل أوسع حول الحرية الثقافية ومفهوم الفرح، خاصة أن الاحتفال بالهالوين يُنظر إليه كرمز لتقليد غربي قد يبتعد بالشباب عن الهوية الوطنية والثقافة الإيرانية الأصيلة.

Image

جدل الهوية.. استيراد الفرح أم تهديد للجذور

أثار انتشار الهالوين جدلا واسعا بين النخب حول تأثيره على الهوية الثقافية. من جهة، يرى علماء اجتماع مثل  أمان الله قرائي مقدم أن الظاهرة تعكس “اغتراباً ثقافياً” بدأ منذ رياض الأطفال، نتيجة إهمال الاحتفالات الوطنية والأساطير الإيرانية الأصلية. 

وفي المقابل، يحذر محمد علي أبطحي من تحويل الأمر إلى “قضية ثقافية أو سياسية”، مشيراً إلى أن الجيل الجديد (Gen Z) الذي نشأ مع الإنترنت “يفكر بطريقة مشابهة في كل أنحاء العالم” ويبحث ببساطة عن التسلية وتجارب الفرح الجماعي التي قد لا يجدها في الاحتفالات التقليدية.

كما تشير وكالة أنباء إيرنا إلى أن الهالوين في إيران يمثل تجربة اجتماعية وثقافية جديدة للشباب، وأن التركيز يجب أن يكون على تقديم الاحتفالات الوطنية التقليدية بطريقة جذابة وحديثة، بدل الاكتفاء بمنع الاحتفالات الأجنبية.

وفي المقابل، انتقد حميد رسائي، النائب الأصولي في البرلمان، احتفالات الهالوين في إيران، واصفاً بعض المشاركين بأنهم يقلدون الثقافة الغربية في الفرح والحزن، بينما يظلون ملتزمين بالطقوس الوطنية في أيام الأربعينية.  

احتفالات وطنية في الظل.. لماذا فقدت بريقها؟

يقول الباحث مهدي نيك فرجام إن الإيرانيين يمتلكون إرثاً ثرياً من الأعياد التقليدية مثل  ” يوم کورش” و “أربعاء السوری” و” یلدا” ، لكن هذه المناسبات لم تُقدَّم بروح جديدة قادرة على جذب الجيل الحديث. 

ويشير ناشطون ثقافيون إلى أن بعض هذه الأعياد تعرّض للتهميش أو لإعادة تعريف رسمية خلال العقود الماضية، ما أفقدها مكانتها في الوعي الجمعي. وفي ظل هذا الفراغ، وجد الشباب في الهالوين نمطاً احتفالياً بديلاً يمنحهم مساحة للتعبير والمرح خارج الإطار التقليدي.

بالنسبة لكثير من الشباب الإيراني، لم يعد الهالوين مجرد تقليد غربي، بل أصبح رمزاً احتجاجياً ضد القيود الاجتماعية والسياسية. يقول سبهر من شيراز: “نحتفل بأي مراسم يحظرها المسؤولون، وهذا شكل من المقاومة ضد القهر”.

تنبع هذه المقاومة من التناقض بين منع الاحتفالات الوطنية التقليدية مثل “يوم کورش” و”أربعاء السوری” و”یلدا” من جهة، والسماح للمظاهر الغربية من جهة أخرى، مما يجعل الهالوين قناعاً رمزياً لإخفاء وجه الاحتجاج واستعادة الحق في الفرح واختيار الهوية.

انتقادات حادة وسخرية على مواقع التواصل

انعكس الجدل حول الهالوين بقوة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شنّ نشطاء ومثقفون هجوماً لاذعاً على الظاهرة ومتبنّيها. وسخر كثيرون من “الازدواجية” التي أظهرها بعض المحتفلين، قائلين إن هؤلاء كانوا في السابق يتساءلون بسخرية : “لماذا تُقام مراسم العزاء؟ ولماذا تُنظَّم مسيرات الأربعين؟”، لكنهم اليوم “يصطفّون أمام المقاهي للاحتفال بالهالوين”!

ورأى منتقدون أن هذه المفارقة تعبر عن “أزمة هوية” و”تبعية ثقافية” متنامية، إذ يسعى بعض الشباب إلى تقليد المظاهر الغربية بوصفها دليلاً على الحداثة.

وفي خضم هذا الجدل، تداول مستخدمون مقولة رجل الدين البارز جوادي آمُلي: “مظهرُ الناس هو باطن المسؤولين”، في إشارة إلى أن ما يظهر على المجتمع من انبهار بالمظاهر الغربية هو انعكاسٌ لما في داخل النخبة من افتقادٍ للثقة بالهوية الوطنية.

Image

الهالوين والهوية الإيرانية في المنفى

حتى في المهجر، يواجه الإيرانيون جدلاً مشابهاً لما يجري داخل البلاد. ففي مدن مثل تورنتو، يشارك كثير من الشباب الإيراني في احتفالات الهالوين، رغم حرصهم في الوقت نفسه على التمسك بجذورهم الثقافية والدفاع عن الهوية الإيرانية. وتشير تقارير إلى أن هذا التناقض يعكس صراعاً متنامياً بين الرغبة في الاندماج ضمن الثقافة الغربية والحفاظ على الانتماء الثقافي الأصلي.

Image

في الختام، يعكس انتشار الهالوين بطابعه الباذخ في إيران فراغا ثقافيا وحاجة ملحّة لدى الشباب إلى الفرح والتعبير الجماعي. فالكثير من الشباب يبحثون عن متنفسٍ مختلف عن رتابة الحياة اليومية، وهو ما لم تنجح الأطر الثقافية المحلية في توفيره بعد بالشكل الجاذب والمواكب للعصر.

بدلاً من الاكتفاء بمنع تقليدٍ أجنبي مكلف، تبدو الحاجة ملحَّة إلى استلهام هذا الحماس الشاب لإحياء الأعياد الإيرانية الأصيلة وتحديثها، لتكون أقرب إلى روح الجيل الجديد. فالهالوين ليس مجرد احتفال مستورد، بل جرس إنذار يدعو إلى تحويل الفرح من تقليد عابر إلى إبداع متجذر في الهوية الوطنية والثقافية.