- زاد إيران - المحرر
- 724 Views
نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحافظة، المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الثلاثاء 24 يونيو/حزيران 2025، حوارا مع ناصر إيماني، الناشط السياسي الأصولي، حول المرحلة الجديدة من التصعيد بين إيران وإسرائيل، وردود فعل الرأي العام، والقدرات الدفاعية لإيران، والتمييز بين التيارات السياسية داخل المجتمع الإيراني في ظل تصاعد التوترات.
كيف تقيّمون مظاهر التلاحم الاجتماعي التي تشكلت خلال الأسبوع إلى الأيام العشرة الماضية، وإلى أي مدى تُعدّ لافتة للنظر؟
إن أحد العوامل التي راهن عليها النظام الإسرائيلي مسبقا، كان إحداث نوع من الفوضى الداخلية في إيران من خلال هجماته. فقد تصوّر قادة الاحتلال أن الأشخاص الذين ينتقدون النظام أو لا يعترفون به أساسا، سينضمون إلى هذه الهجمات، وخاصة تلك العمليات التي تُنفَّذ من داخل إيران بالتعاون مع جهاز الموساد، مما سيؤدي إلى انهيار التماسك الداخلي بالكامل.
وكان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى اندلاع اضطرابات ومواجهات داخلية بين الشعب والحكومة، وهو ما يُسهّل – إلى جانب العمليات العسكرية الخارجية – إسقاط النظام الإيراني.
لقد راهن النظام الإسرائيلي كثيرا على هذا السيناريو، لكن بعض الخبراء في مراكز التفكير التابعة لهم حذروا من أن فهمهم للإيرانيين غير دقيق. وهؤلاء الخبراء أكدوا أن الإيرانيين يتّحدون تاريخيا في وجه أي عدوان خارجي.
ويُظهر تاريخ إيران أنه في كل مرحلة تعرّضت فيها لهجوم، خاصة حين يشعر الإيرانيون أنهم ضحية عدوان لا طرف معتد، فإنهم يتكاتفون على المستوى الوطني. غير أن الإسرائيليين لم يأخذوا هذه الأبحاث بعين الاعتبار، وأقدموا على تنفيذ هذه العملية، التي أصبحت لاحقا إحدى نقاط ضعفهم الكبرى.

ولم يؤدِّ العدوان إلى تفكك التماسك الداخلي في إيران، بل على العكس، انضمت مختلف المجموعات ذات الاهتمامات والميول والرؤى السياسية والثقافية المتباينة إلى حملة تضامن ووحدة. بل إنّها قدّمت مساعدات ملحوظة لإيران من أجل التصدي لعناصر النظام الإسرائيلي داخل إيران، وهو ما أسهم بشكل كبير في تعزيز الروح الوطنية.
وقد كان هذا من أكبر أخطاء الغربيين والنظام الإسرائيلي. لقد ارتكبوا ثلاثة أخطاء استراتيجية كبرى، فاعتقدوا أن بوسعهم من خلال هجمات خاطفة وعمليات اغتيال مفاجئة، تمزيق التماسك الداخلي الإيراني؛ وظنّوا أن الشعب الإيراني سيساندهم؛ وأخطأوا في تقدير القدرات التسليحية الإيرانية.
وهذه الأخطاء الثلاثة مجتمعة كانت السبب في شروعهم في هذه العملية، التي وضعتهم الآن في مأزق شديد. ولو كان النظام الإسرائيلي وحلفاؤه الغربيون قادرين على توقّع الوضع الحالي بعد مرور أسبوع واحد فقط على بدء الحرب، لأؤكد لك أنهم ما كانوا ليُقدِموا أبدا على شن أي عملية عسكرية ضد إيران.
هل تمكنت الظروف الحالية من سدّ الانقسام بين بعض فئات المجتمع والحكومة؟ وهل من الممكن مع الوقت أن يُرمَّم بشكل أكبر؟
بلا شك، إن هذه الظروف تسهم في تقليص الفجوة، لكن ينبغي أن ننظر إلى الأمر من زاوية أن الشعب الإيراني شعب مثقف ومتحضّر للغاية، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. فلدى الإيرانيين آراء مختلفة تجاه النظام الحاكم، وهذا أمر كان قائما دائما. ففي الماضي، وبسبب وجود أنظمة ملكية، لم تكن هناك فرصة للتعبير عن هذه الآراء، لكن ما إن توفرت الفرصة، عبّر الناس عن وجهات نظرهم.
وهذه الآراء محترمة ويجب قبولها، سواء في زمن الحرب أو بعدها. فالشعب الإيراني يحمل رؤى متنوعة، وجميع هذه الآراء تستحق الاحترام ويجب الإصغاء لها.
لذا، من غير الواقعي توقّع انسجام تام بين جميع الآراء وسياسات الحكومة أثناء الحرب. وحتى بعد انتهائها، ستبقى هذه التوجهات المختلفة قائمة، ومن المهم أن تظل كذلك. فبعض فئات المجتمع تُبدي انتقادات، وهي انتقادات تحظى بالاحترام في سياقها المناسب. لكن عندما يرى هؤلاء الأفراد أن إيران تواجه عدوانا خارجيا يهدد وحدة أراضي إيران، فإنهم سرعان ما يلتفون حول الدفاع عن الوطن والنظام.
نقطة أخرى أود الإشارة إليها، وهي أنه، في رأيي، حتى أولئك الذين كانوا منتقدين أو معارضين لإيران، أدركوا خلال هذا الأسبوع أن هذا النظام، رغم كل الانتقادات التي قد تُوجَّه إليه، يقف بثبات في الدفاع عن إيران والإيرانيين. قد تكون هناك انتقادات تتعلق بإدارة الشؤون الداخلية، لكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن وحدة إيران وسيادتها، فإن إيران تُثبت أنها راسخة، وقوية، وجديرة بالثقة.
إن الشعب اليوم يشعر أن النظام الحاكم، رغم ما فيه من نواقص، يمكن الاعتماد عليه تماما في حماية إيران، ويُظهر قدرة واضحة على تدارك الثغرات بسرعة. على سبيل المثال، خلال ما بين 10 إلى 15 ساعة فقط من بدء الهجمات الإسرائيلية، استطاع النظام أن يعيد تنظيم نفسه بسرعة ويعود إلى ساحة الدفاع عن الوطن. وهذا بحد ذاته عامل مهم للغاية، حتى في نظر المعارضين داخل إيران وخارجها.
وحتى المنتقدين والمخالفين يلاحظون أن هذا النظام، رغم مشكلاته الداخلية، يتمتع بميزة نادرة لا تُرى في كثير من دول العالم: قدرته على الوقوف بثبات في وجه هجوم من قِبل نظام مدجّج بالسلاح، ويمتلك واحدا من ما يُسمى بالجيوش الحديثة في العالم، وبدعم واسع من الدول الغربية، ومع ذلك يُدافع بحزم عن إيران وشعبها.

كيف تقيّمون الرأي القائل إن هجوم إسرائيل لم يكن ضد إيران، بل ضد الجمهورية الإسلامية، وإن هناك فرقا بين الوطن والنظام السياسي؟
اسمحوا لي أن أوضح أن مشكلة الغرب، الذي يُعتبر النظام الإسرائيلي ذراعه التنفيذية، ليست في الأساس مع الملف النووي الإيراني. فلو كان النظام الذي يريدونه هو الحاكم في إيران، لما كانت لديهم أي مشكلة مع برنامجنا النووي، تماما كما كان الحال قبل أكثر من 20 عاما، حين لم تكن المسألة النووية مطروحة أصلا، ومع ذلك اعتبرونا أعداء لهم وفرضوا علينا عقوبات واسعة.
إن مشكلة الغرب مع إيران لا تتعلق لا بالأسلحة النووية، ولا بالقدرة العسكرية، ولا حتى بالنظام الحاكم، سواء كان اسمه الجمهورية الإسلامية أو أي اسم آخر. مشكلتهم الجوهرية هي مع استقلال إيران. فهم يرفضون أن تكون هناك إيران مستقلة، كدولة كبيرة ذات شعب عظيم يحدد مساره في الساحة الدولية بناء على قراره وإرادته الخاصة.
وأذهب إلى ما هو أبعد من ذلك: الغرب لا يكتفي بمعاداة استقلال إيران، بل لديه مشكلة أيضا مع وحدة أراضيها. فمن وجهة نظرهم، لا ينبغي لإيران أن تكون بهذا الحجم وهذا التماسك، بل يجب تقسيمها وتقزيمها. هذا هو هدفهم الأساسي، ويجب ألا نغفل عنه.
والمسألة هي أن إيران دولة كبيرة، تتمتّع بمساحة شاسعة وموقع جغرافي فريد من نوعه. وأي حكومة تتولى السلطة في إيران وتسعى لاتباع نهج الاستقلال، سواء كانت حكومة قومية أو من أي نوع آخر، فإن الغرب سيجد معها مشكلة. ومن النتائج المهمة للعملية الأخيرة التي شنّها النظام الإسرائيلي ضد إيران، أنها أوجدت فاصلا واضحا تماما بين الإيرانيين، حتى أولئك المقيمين خارج إيران.
لقد رسمت هذه العملية خطا فاصلا بين الإيرانيين الذين يعارضون الجمهورية الإسلامية لكنهم وطنيون ويحبّون إيران، وبين أولئك الذين يتخذون من معارضة النظام غطاء للارتزاق من الدول الغربية والعمل لمصلحتها.
هذه العملية جعلت الإيرانيين المقيمين في الخارج، ممن يحبّون وطنهم رغم معارضتهم للنظام، ويتميّزون عن الذين انجرّوا إلى خيانة الوطن وخدمة الغرب والنظام الإسرائيلي.
وأشير هنا إلى الرسالة التي وجّهها الدكتور عبدالكريم سروش إلى رضا بهلوي؛ فقد عبّر فيها بوضوح عن هذا الفاصل، وأكد أن الانتماء لإيران والوطنية يختلفان كليا عن العمالة. انظروا إلى بعض القنوات الإيرانية في الخارج؛ لقد اضطرت إلى الانحياز العلني لصالح النظام الإسرائيلي. ولقد أصبحت هذه الحدود الفاصلة اليوم واضحة وجلية تماما.
كيف تقيّمون مسار المواجهات بعد تدخل الولايات المتحدة واستهدافها للمنشآت النووية الإيرانية؟
في برنامج إيران، كان احتمال شنّ هجوم أمريكي مأخوذا بعين الاعتبار. وكان التحليل السائد يقول إنه إذا سارت الحرب في غير مصلحة إسرائيل، فإن الولايات المتحدة ستتدخل. هذا الأمر كان متوقّعا، لكن توقيته لم يكن معلوما بدقة؛ فقد كان من الممكن أن يحدث بالأمس أو بعد عدة أيام. ولهذا السبب، اتخذ المسؤولون احتياطات مسبقة لتفادي وقوع أضرار جسيمة. لذا، فإن الهجوم الأمريكي على إيران لم يكن مفاجئا، بل كان متوقعا تماما.
إن تدخّل الولايات المتحدة في الصراع بين إيران والنظام الإسرائيلي يعني أن إسرائيل عجزت عن مواصلة المعركة وحدها. فقد كانت الولايات المتحدة، حتى وقت قريب، تفضّل أن تقوم إسرائيل بالعملية منفردة لتحصد كامل الامتيازات، دون أن يُنسب النصر إلى تدخل أمريكي. وهذا الهجوم يُعدّ دليلا على عجز إسرائيل.
كذلك، فإن الحديث عن التفاوض بات أمرا غير وارد، وعلى الأقل لفترة طويلة لن يكون هناك مجال لمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
ورأى بعض المحللين أن المباحثات الأخيرة لم تكن سوى خدعة، وقد جاء هذا الهجوم ليؤكّد ذلك. وإذا خرجت إيران من هذه الحرب منتصرة، فقد لا تعود هناك حاجة للشعور بضرورة التفاوض، ومن المحتمل أن تشهد الجغرافيا السياسية للمنطقة والنظام العالمي تحوّلا جذريا.
ما الذي قصده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوله (الآن هو وقت السلام) بعد الهجوم على المنشآت الإيرانية؟
هذه التصريحات لا تحمل قيمة كبيرة من منظور الرأي العام. فترامب سبق وأن منح إيران مهلة لمدة أسبوعين، لكن الهجوم وقع بعد أقل من 48 ساعة، وهو ما يثبت عدم مصداقية كلامه. ما يقصده ترامب بـالسلام هو نفسه ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد الهجوم الأميركي، حين صرّح بأن السلام يولد من القوة. هذه العبارة صحيحة من وجهة نظرهم، لكن في الواقع، السلام الذي يقصدونه يعني استسلام إيران.
والاستسلام هنا يعني الذل، وخسارة مقدرات إيران، وربما حتى تفككها، وهو أمر مرفوض ليس فقط لإيران، بل لأي دولة، وخاصة دولة مثل إيران صاحبة حضارة عريقة. ف السلام الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تقف إيران من موقع القوة في وجه هذه الحرب المفروضة.
