ناشط سياسي إصلاحي: حرب الـ12 يوما أعادت الثقة الوطنية ورفعت رأس المال الاجتماعي لإيران 

ترجمة: سارة شعبان المزين

أجرت صحيفة «آرمان ملي» الإيرانية الإصلاحية، الأحد 13 يوليو/تموز 2025، حوارا مع غلام رضا أنصاري، الناشط السياسي الإصلاحي والسفير الأسبق لدى تركمانستان، حول  انعكاسات الحرب الأخيرة على البنية الاجتماعية والسياسية في إيران، مؤكدا أن تلك المواجهة، رغم قصر مدّتها، ساهمت في تعزيز رأس المال الاجتماعي وتوحيد الخطاب الداخلي.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما أبرز سمات الحرب التي دامت 12 يوما؟ وما المسار الذي رسمته لمستقبل البلاد؟

شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة تراجعا في رأس المال الاجتماعي نتيجة نهج “التطهير السياسي” والسياسات المتشددة التي انتهجها بعض التيارات المتشددة. 

ومع ذلك، وعندما واجهت البلاد تهديدا خارجيا مباشرا في سياق الحرب التي استمرت 12 يوما، برز مشهد وطني لافت، إذ التفّ الشعب، على اختلاف انتماءاته وتوجهاته السياسية، حول قضية السيادة الوطنية والأمن القومي، وعبّر عن دعم حقيقي لكيان الدولة.

هذا التلاحم لم يقتصر على الداخل، بل تجلّى حتى في أوساط المعارضة في الخارج، التي، رغم الجراح والضغائن، وقفت في تلك اللحظة المصيرية إلى جانب الوطن ودافعت عنه. لقد أسهم هذا المشهد في تعزيز الوحدة الوطنية ورفع منسوب الثقة العامة، الأمر الذي لا شك سيترك أثرا عميقا وإيجابيا على مسار البلاد في المستقبل.

أما من الناحية العسكرية، فقد كانت الحرب مفروضة وشاملة، اتخذت طابعا مركبا جمع بين الهجوم والدفاع والعمل الاستخباراتي والأمني والتقني. وفي الساعات الأولى من المواجهة، تمكنت القوات المسلحة الإيرانية من توجيه ضربات قاصمة ودقيقة للعدو الاسرائيلي. 

وعلى الرغم من محاولات النظام الإسرائيلي التعتيم على حجم الخسائر، إلا أنّ تصريحات ترامب وبعض التسريبات الإعلامية الغربية كشفت حجم الضرر الذي لحق به، ما يؤكد فعالية وكفاءة الضربات التي وجهتها إيران خلال تلك الحرب القصيرة والمكثفة.

بعضهم يعتقد أن موطن الضعف في هذه الحرب كان في الجانب الدفاعي وليس الهجومي. هل ترون أنّ هذه الانتقادات في محلها؟

لا بد أولا من الإشارة إلى أن بعض دول المنطقة وضعت قدراتها الدفاعية تحت تصرّف النظام الإسرائيلي خلال هذه المواجهة، بهدف تقليل تأثير الضربات التي وُجّهت إليه ومنع تفاقم خسائره. 

ومع ذلك، تمكّنت إيران من إثبات قوتها وقدرتها على مواجهة التحديات الميدانية.

وكما هو الحال في سائر دول العالم، فإن مثل هذه الحروب تُعدّ فرصة لاستخلاص العِبَر وتحديد نقاط القوة والضعف. وبلا شك، فإن خبراءنا العسكريين يعكفون حاليا على دراسة مجريات المعركة ويعملون على معالجة أية ثغرات قد تكون ظهرت.

ورغم كل العقبات والموانع الدفاعية التي وُضعت في طريق الصواريخ الإيرانية، فقد أظهرت المنظومة الصاروخية الإيرانية أداء متميزا، حيث نجحت في توجيه ضربات مؤثرة إلى النظام الإسرائيلي.

لكن اللافت في هذه الحرب هو غياب الدعم من بعض الدول التي تُصنَّف كدول صديقة، والتي كانت إيران قد لبّت معظم مطالبها خلال السنوات الماضية. فعلى سبيل المثال، لم نحصل حتى الآن على منظومات دفاعية مثل “إس-400” أو طائرات حربية متطورة، رغم أن دولا مثل الهند باتت تمتلكها.

وتزداد حساسية هذا الغياب في الدعم التسليحي خلال الحرب الأخيرة بالنظر إلى أن إيران قدّمت خلال الأعوام الماضية دعما سخيا في مجال الطائرات المسيّرة لهذه الدول، دعما تحمّلت في بعض الأحيان تكاليف سياسية واقتصادية بسببه.

ما تقييمكم لخطر الاختراق الأمني خلال الحرب الأخيرة، وما الذي يجب فعله لمواجهته؟

لا شك أن هذا الموضوع يتطلب معالجات جادّة وحاسمة. لقد فقدنا في الساعات الأولى من المعركة عددا من قادتنا الكبار والمؤثرين، وبعد ذلك واجهنا مشروع اختراق عميق كان قد تسلل إلى أعماق المدن والبُنى الداخلية.

يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن إيران بلدٌ واسعٌ جدا ويمتلك حدودا طويلة، لذا لا يُستغرب أن تحدث في بعض الحالات اختراقات من هذا النوع. الجهات التي تمكّنت من التسلل إلى الداخل كانت قد مهّدت الطريق للنظام الإسرائيلي من أجل تنفيذ اعتداء على سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

المؤسف في الأمر هو أن بعض الأطراف ، تحاول التقليل من خطورة هذا التهديد ، وتختزل المسألة في إطار موضوع  “مهاجرين غير الشرعيين”، وكأن الأمر لا يتعدى بعض الأفراد المتسللين. لا أحد ينكر إمكانية وجود عناصر مشبوهة ضمن فئة المهاجرين غير الشرعيين، ولكن اختزال المسألة بهذه الصورة يُفرغها من أبعادها الحقيقية ويُعيق معالجتها بشكل جذري.

وفقا لما يُتداول، فإن بعض العناصر الأمنية والاستخباراتية الأفغان، الذين تدرّبوا على يد القوات الأمريكية في أفغانستان، تمكّنوا خلال الحكومة السابقة، حيث خفّت الرقابة إلى حد كبير، من الدخول إلى البلاد بصفة مهاجرين، ونفّذوا عملياتهم التخريبية وفق خطة مدروسة.

ما أود التأكيد عليه هو أن قضية الاختراق الأمني معقّدة ومتعددة الأوجه، ولا يمكن التعامل معها بسطحية. نحن بحاجة إلى عملية تطهير واسعة تُنقّي المؤسسات من العناصر المُخترقة، على مختلف المستويات.

ويجب ألا ننسى أن وقف إطلاق النار الحالي لا يستند إلى اتفاقية دولية ملزمة، ما يعني أن احتمال تجدّد المواجهة قائم في أي لحظة. كما نعلم، فإن رئيس وزراء النظام الإسرائيلي المجرم يرى في استمرار التوتر والصراع وسيلة لضمان بقائه السياسي.

ما الأهداف التي تسعى إسرائيل إلى تحقيقها من خلال الحرب مع إيران؟

مشروع “الشرق الأوسط الكبير” طُرح منذ سنوات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والتطورات الأخيرة، بما في ذلك ما جرى في كردستان العراق وسوريا، تُعدّ مؤشرات واضحة على دقّ إنذار الخطر بشأن هذا المخطط. ولا شكّ أن الحاضنة الشعبية كانت العامل الأساس في صمود إيران خلال الحرب المفروضة التي دامت 12 يوما.

التمسّك بهذه القاعدة الشعبية، والتخلي عن نهج “التصفية الداخلية”، يشكّلان مدخلا أساسيا للحفاظ على رأس المال الاجتماعي وتعزيز التلاحم الوطني.

بدلا من الانشغال بقضايا هامشية مثل مظهر النساء، يجب التحرّك سريعا لمواجهة الاختراقات الأمنية وقطع الطريق على العناصر المتسللة. ورغم أن هذه المهمة تقع في صلب مسؤوليات الأجهزة الأمنية، إلا أنه من الضروري اتخاذ إجراءات ملموسة وتقديم تقارير شفافة للرأي العام، بما يسهم في طمأنة المواطنين.

قبل اندلاع هذه المواجهة، كانت البلاد تعيش في أجواء مغلقة تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة. ومن الوسائل القادرة على المساهمة في تعزيز اللحمة الوطنية، الإعلام الرسمي، وتحديدا هيئة الإذاعة والتلفزيون، التي باتت مطالَبة بتغيير نهجها.

لا يخفى أن أداء هذه المؤسسة خلال الفترة الماضية أثار العديد من علامات الاستفهام، حتى أنّ بعض المحللين توقفوا عن استخدام صفة “الوطنية” عند الحديث عنها. ومن غير المقبول أن تستمر هذه الوسيلة الإعلامية، بعد تجربة حرب 12 يوما، بنفس الأسلوب والأسس السابقة.

في ظل تعدد السيناريوهات المطروحة حول مستقبل البلاد، كيف ترون آفاق المرحلة المقبلة؟

أعتقد أن الحفاظ على الحاضنة الشعبية للنظام وتعزيزها هو المفتاح الأساسي لإفشال مؤامرات الأعداء. في حرب الأيام الاثني عشر، أساءت الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي تقدير قوة رأس المال الاجتماعي في إيران، وظنّوا أن الاحتجاجات والأحداث التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة ستجعل الناس ينزلون إلى الشوارع ضد النظام بمجرد تلقي أول ضربة. 

لكن ما حدث كان العكس تماما؛ فقد أدركوا سريعا أن تصوّرهم كان وهما، وأن الواقع مختلف تماما.

لقد أثبت الشعب الإيراني أنه لا يساوم على المصالح الوطنية وسيادة البلاد. هذه الروح الوطنية والتماسك الداخلي توفّر فرصة ثمينة للمسؤولين من أجل مراجعة بعض السياسات القائمة، وتقوية الصلة بين الدولة والشعب. 

من هنا، يمكن الاستفادة من هذه اللحظة، ورفع بعض القيود المفروضة، وإعادة النظر في عدد من الملفات.

على سبيل المثال، أليس من الممكن الإفراج عن بعض السجناء السياسيين الذين وقفوا في هذا الظرف الحساس إلى جانب الوطن ودافعوا عنه؟

في النهاية، إذا نجحنا في بثّ الأمل مجددا في نفوس المواطنين، فإن التهديدات الخارجية لن تتمكن من زعزعة البلاد.

ومن جهة أخرى، فإن حرب الأيام الـ12 وجّهت إنذارا بالغ الأهمية لدول المنطقة. فإذا ما تعرّضت إيران لهزيمة، فإن الحديث عن تفكيك تركيا والدول العربية لن يكون بعيدا. وقد أدركت دول كالسعودية وباكستان وسواها من دول الجوار أن الخطر لا يهدد إيران وحدها، بل المنطقة بأكملها.