خبير إيراني: الشفافية وتوحيد القوانين يمثلان أساس إصلاح سياسات الإنترنت في إيران

أجرت صحيفة جوان الأصولية، الإثنين 13 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حواراً مع جواد شيخ‌ الإسلامي، الباحث في شؤون الفضاء الإلكتروني، حول التبعات الأمنية لسياسة حجب الإنترنت وتأثيرها على الأمن السيبراني في إيران، وفيما يلي نص الحوار:

ما تحليلك لمخاطر استخدام أدوات كسر الحجب وضرورة مراجعة سياسات الحجب؟

لتحليل هذه المسألة المعقدة، يجب استخدام إطار متعدد الأبعاد يشمل الجوانب التقنية-الأمنية، والثقافية-المعرفية، والسياسية-الاستراتيجية، فهذه الأبعاد مترابطة، وأي حل واقعي يجب أن يراعيها جميعاً في الوقت نفسه.

ومن الناحية التقنية، يجب أن نعلن بوضوح أن بنية نظام الحجب في إيران هي بنية فاشلة، فهذا النظام لم يحقق أهدافه الأصلية، بل أصبح عاملاً مسبباً لإضعاف الأمن السيبراني الوطني.

ومن منظور هندسة الشبكات، فإن تطبيق الحجب الواسع المعتمد على تقنية التفتيش العميق للحزم (DPI) يؤدي إلى خلق اختناق اصطناعي في حركة البيانات داخل الشبكة، وهذا لا يؤثر سلباً فقط على جودة الخدمات الإلكترونية، بل يزيد أيضاً من تكاليف تشغيل الشبكة بشكل كبير، ولكن المشكلة الأخطر هي في خلق وهْم أمني لدى صنَّاع القرار، إذ يظنون أنه بمجرد حجب خدمة أو منصة، تكون المشكلة قد حُلّت، بينما في الواقع لم يتغير سوى شكل المشكلة.

فالمستخدمون، بحكم حاجاتهم أو ثقافة الاستخدام لديهم، يتجهون إلى أدوات كسر الحجب لتجاوز القيود، وهو ما يعرّضهم لتهديدات أكبر، فكثير من هذه الأدوات تُدار من جهات غير موثوقة يمكنها الوصول بسهولة إلى البيانات الحساسة للمستخدمين، وهنا يتولد تناقض أمني كبير، فالسياسة التي كان الهدف منها تعزيز أمن المعلومات، تدفع المواطنين في الواقع نحو قنوات غير آمنة.

هل توجد، من وجهة نظر تقنية، بدائل لهذا النموذج الحالي من الحجب؟
بالتأكيد هناك بدائل، فنحن بحاجة إلى الانتقال من نموذج الحجب الشامل إلى نموذج إدارة ذكية ومتناسبة للوصول، يقوم على إنشاء بنى تحتية آمنة لتبادل المعلومات في القطاعات الحساسة مثل المراكز العلمية والبحثية والاقتصادية وفق المعايير العالمية، واعتماد أنظمة متطورة للكشف عن الاختراقات ومنعها بدلاً من أنظمة الحجب البسيطة، بحيث تتمكن من تحديد التهديدات الفعلية والتعامل معها دون تعطيل الوصول العام.

إلى جانب تطوير بنية آمنة لشبكة المعلومات الوطنية تُقدَّم من خلالها الخدمات الأساسية والحساسة عبر منصات داخلية مؤمّنة، مع التأكيد على أن الإنترنت الوطني لا يعني الانعزال عن العالم، بل إيجاد فضاء آمن ومراقَب لتقديم الخدمات الحيوية، كما نواجه في الجانب الثقافي تحدياً هويّاتياً عميقاً يحتاج إلى معالجة موازية لهذا التحول التقني.

تُطبَّق سياسة حجب المواقع في إيران منذ سنوات.. إلى أي مدى تعتبرون هذه السياسة ناجحة؟

إن الحجب الواسع النطاق يؤدي على المدى البعيد إلى نشوء ما يمكن تسميته بثقافة التهرّب في المجتمع، فعندما يُواجَه الوصول إلى أجزاء واسعة من الفضاء الإلكتروني العالمي بالعوائق، يتكوّن في وعي الناس، من دون قصد، انطباع بأن العالم الخارجي محظور وخطر.

ولهذه المقاربة تبعات ثقافية خطيرة، ومنها إضعاف رأس المال الاجتماعي، إذ عندما يُجبر المواطنون على خرق القوانين للوصول إلى المعلومات أو الخدمات الأساسية، فإن احترام القانون يتآكل تدريجياً، مما يؤدي إلى تراجع الثقة العامة وتآكل رأس المال الاجتماعي، وكذلك نشوء ازدواجية في الهوية، حيث يكون المستخدم في الفضاء الرسمي مواطناً منضبطاً، بينما يتحول في الفضاء غير الرسمي إلى مستخدم متخفي بهوية مختلفة، ما يسبب اضطرابات اجتماعية ونفسية متعددة. 

وأيضاً تراجع القدرة على المنافسة الثقافية، إذ يفقد صانعو المحتوى المحليون، في بيئة مغلقة، حافزهم لمجاراة المعايير العالمية، وهو ما يؤدي بمرور الزمن إلى انخفاض جودة الإنتاج الثقافي المحلي.

إذا لم نستخدم سياسة الحجب، فكيف يمكننا تقليل هذه الأضرار الثقافية؟

الجواب عن هذا السؤال يكمن في الانتقال من سياسة الحجب إلى استراتيجية بناء الثقافة، فالموارد الضخمة التي تُنفق على تطوير وصيانة أنظمة الحجب يجب توجيهها نحو الاستثمار في مجالات أكثر فاعلية، مثل: تطوير المنصات الأجنبية بما يتناسب مع الثقافة المحلية من خلال التخطيط المسبق قبل انتشارها لا بعده، وتعزيز الوعي الإعلامي الوطني عبر تعليم مهارات تحليل المحتوى واكتشاف الأخبار الزائفة ومبادئ الأمن السيبراني منذ المراحل الدراسية الأولى، ودعم إنتاج المحتوى المحلي عالي الجودة بتقديم حوافز تشجع المبدعين على المنافسة وفق المعايير العالمية، إلى جانب تقوية المؤسسات الثقافية الرقمية مثل: المكتبات الإلكترونية، والأرشيفات الوطنية، والمراكز الثقافية الرقمية، التي يمكن أن تشكل بديلاً صحياً ومفيداً لتلبية احتياجات المجتمع المعلوماتية. 

أما من الناحية السياسية، فيجب تحليل سياسة الحجب في إيران ضمن ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في: مسألة السيادة الوطنية، إذ يحق لكل دولة أن تضع سياساتها لحماية سيادتها الرقمية، شرط أن تستند هذه السياسات إلى المصلحة الوطنية لا إلى اعتبارات أيديولوجية بحتة؛ وكذلك الأمن القومي، فبعض المنصات والخدمات الأجنبية قد تمثل تهديداً أمنياً، غير أن طريقة إدارة هذه التهديدات تحتاج إلى مراجعة جذرية.

وأيضا الدبلوماسية الرقمية، حيث أصبح الفضاء الإلكتروني أداة أساسية في العلاقات الدولية، والعزلة في هذا الفضاء قد تؤدي إلى عزلة سياسية على المستوى الدولي.

أحد الموضوعات المطروحة هو استخدام المسؤولين أنفسهم للمنصات المحجوبة، كيف يؤثر ذلك على نظام الحجب؟

هذا هو الجانب المهمل في معظم التحليلات الحالية، فعندما يستخدم المسؤولون والمؤسسات الرسمية المنصات ذاتها التي تم حجبها عن عامة الناس، نواجه أزمة متعددة الأوجه في الشرعية والثقة العامة، إذ عندما يرى المواطنون أن المسؤولين وأفراد عائلاتهم يستخدمون أدوات كسر الحجب ويتفاعلون بحرية على المنصات المحظورة، يتبادر إلى أذهانهم سؤال جوهري: إذا كانت هذه المنصات خطيرة فعلاً، فلماذا يستخدمها المسؤولون أنفسهم؟

كما يؤدي ذلك إلى إضعاف مبدأ سيادة القانون، إذ إن عدم المساواة في تطبيق القوانين يقوّض تدريجياً فكرة حكم القانون، فلا يمكن للمسؤولين الذين لا يلتزمون بالقوانين أن يتوقعوا من المواطنين احترامها، إضافة إلى ظهور طبقة اجتماعية رقمية جديدة يتشكل فيها انقسام واضح بين المواطنين العاديين الذين يواجهون قيوداً في الوصول، والنخب الحاكمة التي تملك حرية كاملة في استخدام الفضاء الإلكتروني.

وهذا الانقسام يولّد شعوراً متزايداً بعدم المساواة والظلم داخل المجتمع، ومن الناحية القانونية، يشكل هذا الوضع انتهاكاً لمبدأ المساواة أمام القانون، أما من الناحية الأخلاقية، فيخلق ازدواجية قيمية خطيرة، إذ يوصل إلى الناس رسالة مفادها أن القوانين وُضعت للآخرين لا لنا.

كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاعتبارات الأمنية وضرورة التفاعل مع الفضاء الإلكتروني العالمي؟
هذا السؤال هو مفتاح الحل، ولتحقيق هذا التوازن، أقترح اعتماد نموذج إدارة ثلاثي المستويات للفضاء الإلكتروني يشمل، فضاء داخلياً خاضعاً لرقابة كاملة يضم الخدمات الحيوية والحساسة التي يجب أن تُقدَّم عبر منصات داخلية آمنة مع تقييد الوصول إليها ومراقبته بدقة؛ وفضاء مُداراً يضم الخدمات العامة وغير الحساسة التي يمكن إتاحتها للجمهور وفق ضوابط محددة، حيث يُستعاض عن الحجب بأنظمة رقابة ذكية ومتوازنة، وكذلك فضاء مفتوح برقابة محدودة يشمل الوصول إلى المصادر والمواقع والخدمات الدولية التي لا تمثل تهديداً أمنياً مباشراً، ويُيسَّر الوصول إليه للباحثين والشركات والمختصين. 

وللانتقال من الوضع الراهن إلى هذا النموذج، يجب تنفيذ خطة استراتيجية متعددة المراحل تتضمن مراجعة السياسات الحالية وتشكيل لجنة متخصصة لتقييم فاعليتها وتحديد أوجه القصور، وتطوير البنى التحتية البديلة عبر الاستثمار في المنصات الداخلية وتحسين جودة الإنترنت وتوسيع مراكز البيانات الوطنية، وتعزيز التعليم والتوعية الثقافية عبر برنامج وطني لمحو الأمية الإعلامية وتدريب المجتمع على المهارات الرقمية.

وأخيراً التطبيق التدريجي للنموذج الجديد من خلال تقليص الحجب الشامل تدريجياً واستبداله بأنظمة رقابة ذكية وتفعيل نموذج الوصول الثلاثي الطبقات مع ضمان الشفافية وتطبيق القوانين بشكل متساوٍ على الجميع.

ما التحديات التي سيواجهها تنفيذ هذا المشروع؟

لا شك أن تنفيذ هذا المشروع سيواجه تحديات متعددة، فعلى الصعيد التقني هناك حاجة إلى استثمارات ضخمة لتطوير البنية التحتية، أما على الصعيد الثقافي فستبرز مقاومة لتغيير العادات والمعتقدات الراسخة، وفي المجال السياسي، من المتوقع أن تواجه الخطة معارضة من بعض الجهات التي تستفيد من الوضع القائم، بينما تكمن التحديات الأمنية في وجود مخاوف حقيقية ومشروعة من تزايد التهديدات السيبرانية. 

أما في جانب الحوكمة، فالمشكلة تكمن في مقاومة الشفافية وتوحيد معايير الوصول، غير أن التأخير في إصلاح النظام الحالي سيؤدي إلى تكاليف أكبر مستقبلاً وعلى مختلف المستويات، ولحل مشكلة ازدواجية الوصول بين المسؤولين والمواطنين، يمكن اعتماد عدة إجراءات تتمثل في  فرض الشفافية الإلزامية بحيث يُلزم المسؤولون بالإفصاح عن استخدامهم للمنصات الدولية ويُراقب ذلك من قبل الهيئات الرقابية. 

وتوحيد القوانين، فإما أن يُسمح للجميع بالوصول أو يُمنع الجميع، إذ لا يمكن تطبيق معايير مزدوجة بين الشعب والمسؤولين، وإذا اقتضت الضرورة استخدام بعض المنصات لأغراض خارجية، فيجب أن يكون ذلك بلغات غير فارسية لتحديد الفئة المستهدفة بوضوح؛ وكذلك إنشاء آليات رقابية تتابع وصول المسؤولين إلى المنصات الدولية، كما ينبغي ألا تقوم هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية بنقل أو قراءة تصريحات المسؤولين الصادرة عن منصات محجوبة.

أما عن دور القطاع الخاص، فهو بالغ الأهمية في الانتقال من الوضع الحالي إلى النموذج المستقبلي، إذ يجب على الحكومة أن تتيح حواراً وطنياً يشارك فيه جميع الأطراف المعنية، فيما يمكن للقطاع الخاص أن يؤدي دوراً فاعلاً في تطوير البنى التحتية وتقديم الخدمات المبتكرة، وكذلك ينبغي لمؤسسات التعليم والثقافة أن تشارك بفاعلية في جهود التوعية والتأهيل الرقمي.

وفي سياق التحول نحو نموذج جديد لإدارة الفضاء الإلكتروني، فإن دراسة تجارب الدول الأخرى مفيدة؛ فبعض الدول مثل الصين اعتمدت نموذج الجدار الناري العظيم، في حين ركزت دول أخرى مثل كوريا الجنوبية على تطوير البنية التحتية المحلية والمنافسة على المستوى العالمي، والجدير بالملاحظة أنه لا يوجد نموذج واحد يصلح للجميع، بل ينبغي لكل دولة أن تصمم وتنفذ نموذجها الخاص وفقاً لظروفها واحتياجاتها الوطنية.