- زاد إيران - المحرر
- 1317 Views
تعتبر أربعينية الإمام الحسين بن علي حدثا استثنائيا في العالم الإسلامي، وبالأخص في أوساط المسلمين الشيعة، تحلّ هذه الذكرى في العشرين من شهر صفر الهجري، بعد أربعين يوما من استشهاد الإمام الحسين بن علي وأصحابه في كربلاء سنة 61 هـ، وهي ليست مجرد مناسبة دينية أو طقس شعائري، بل هي رمز متجدد للوفاء، والتضحية، ومواجهة الظلم.
في إيران، اتخذت الأربعينية بعدا مركبا، يجمع بين البعد الديني والروحي، والبعد الثقافي والاجتماعي، وأحيانا السياسي، وعلى مدى قرون، تحوّل هذا الحدث إلى مناسبة كبرى تتجدد فيها روابط المجتمع، وتتعزز فيها الهوية الدينية، وتُستحضر فيها القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين.
الجذور التاريخية للأربعينية في إيران
العصور الأولى
دخلت طقوس الأربعينية إلى الثقافة الإيرانية مع انتشار المذهب الشيعي في مناطق من إيران، خاصة خلال القرون الأولى للهجرة. في البداية، اقتصرت المراسم على النخب الدينية وبعض المجتمعات المحلية، وكانت تتمثل في إقامة مجالس الحزن وقراءة قصة استشهاد الإمام الحسين في البيوت أو المساجد.

العصر البويهي (القرن الرابع الهجري)
مع بروز الدولة البويهية، التي كانت تتخذ من المذهب الشيعي مذهبا لها، بدأت طقوس عاشوراء والأربعين تُقام علنا في شوارع المدن الكبرى مثل بغداد والري وأصفهان، ولقد أرخ المؤرخون لهذه الفترة باعتبارها بداية التنظيم الرسمي للمواكب الحسينية ومجالس العزاء، حيث كان السلاطين البويهيون يدعمون إقامة هذه المناسبات.
العصر الصفوي (القرن العاشر الهجري)
مع قيام الدولة الصفوية، التي جعلت التشيع مذهبا رسميا للدولة، شهدت طقوس الأربعينية في إيران قفزة نوعية، فبُنيت الحسينيات في معظم المدن، وأُدخلت الفنون الدينية مثل “التعزية” و”قراءة الروضة”، وهي قراءة من كتاب “روضة الشهداء” للكاتب حسين بن واعظ الكاشفي، ثم ما لبثت أن تحولت الكلمة للدلالة على مجلس العزاء بأكمله وسرد قصة الاستشهاد. كانت الحكومة الصفوية تشجع الرحلات إلى كربلاء، بل وكانت أحيانا تنظّم القوافل الرسمية للزيارة.
العصر القاجاري والبهلوي
في عهد القاجاريين، ازداد الاهتمام بالمراسم الشعبية، وبرزت مواكب ضخمة في طهران ويزد وتبريز، إلى جانب توسع في الشعر الحسيني الفارسي، أما في عهد البهلويين، ورغم السياسات العلمانية، فقد استمرت هذه الطقوس في الريف والمدن الصغيرة، لكن بشكل أكثر تحفظا.

بعد الثورة الإسلامية (1979)
أعادت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني للأربعينية زخمها السياسي والاجتماعي، فصارت المناسبة رمزا للمقاومة ضد الظلم، ووسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية، وأداة للتواصل بين إيران والعالم الشيعي، خاصة العراق ولبنان والبحرين وأفغانستان.

المعاني الدينية والروحية
الأربعين في الفكر الشيعي ليست مجرد حساب زمني، بل هي محطة روحية ذات دلالات عميقة:
هي فترة اكتمال الحزن الشرعي على الشهيد.
تمثل التجديد المستمر للبيعة مع الإمام الحسين وقيمه.
ورد في الحديث عن الإمام الحسن العسكري أن “علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم” .
الزيارة في هذا اليوم تعتبر تجسيدا عمليا للولاء، ولذلك يحرص ملايين الإيرانيين على أدائها في كربلاء أو في بدائل محلية مثل مشهد وقم.
الممارسات والطقوس في إيران
المجالس الحسينية
تقام المجالس قبل أيام الأربعين في المساجد والحسينيات والبيوت، حيث يبدأ البرنامج عادة بتلاوة القرآن، يليها محاضرة دينية عن سيرة الإمام الحسين، ثم تلاوة قصة الاستشهاد الحسيني، فالمراثي واللطم، وفي المدن الكبيرة مثل طهران وأصفهان، تتواصل هذه المجالس حتى وقت متأخر من الليل.
مواكب العزاء
في يوم الأربعين، تخرج المواكب إلى الشوارع، يرتدي المشاركون ملابس سوداء، ويؤدون اللطم أو ضرب السلاسل (زنجيرزنی) على إيقاعات الطبول والنفخ في الأبواق، وبعض المواكب تكون ذات طابع قبلي أو مناطقي، وتحمل أسماء الحسينيات أو المساجد التي تنتمي إليها.
الفنون العزائية
التعزية: وهي مسرح ديني يصوّر واقعة كربلاء، ويؤدى بأسلوب تمثيلي مؤثر
الروضة خوانی: قراءة نصوص روائية عن المصائب التي حلت بأهل البيت
النوحة خوانی: الأناشيد الحزينة التي تتخلل الموكب
الطعام والنذورات
خلال الأربعين، تنتشر موائد الطعام المجاني (موکب داری) في الشوارع، ويقدَّم الأرز واللحم والشوربة والشاي للزوار، هذه الموائد تموَّل من تبرعات الأفراد، وتعتبر خدمة الزائرين عملا ذا ثواب كبير، يحرص عليه الكبير والصغير.

المسيرة إلى كربلاء
منذ عام 2003، أصبح ملايين الإيرانيين يشاركون في مسيرة الأربعين إلى كربلاء، ينطلق الزوار من المدن الإيرانية إلى المعابر الحدودية (مثل مهران، الشلامجة، جذابة)، ومنها إلى النجف ثم كربلاء مشيا، هذه المسيرة تُعتبر أعظم تجمع بشري سنوي في العالم، حيث يشارك أكثر من 20 مليون زائر من دول مختلفة، وتعرف باسم “المشاية، وهي من أكثر الطقوس التي تستجلب اهتمام كلا من العراقيين والإيرانيين والذاهبين لزيارة الإمام الحسين.

بدائل الزيارة لمن لا يستطيع السفر
لمن لا يستطيعون الذهاب إلى العراق، تقام مراسم رمزية في إيران، مثل المسيرات الكبرى في مشهد وقم، وزيارة المراقد المحلية للأئمة وأحفاده، والمنتشرة في عدد من المدن الإيرانية.
البعد الاجتماعي والسياسي
الوحدة الوطنية
الأربعين مناسبة تجمع الإيرانيين من مختلف الأعراق (فرس، وعرب، وكرد، وبلوش، وتركمان، وأذريون)، ما يعزز الشعور بالانتماء إلى هوية دينية مشتركة.
التعبير السياسي
منذ الثورة، تُستثمر هذه المناسبة لتأكيد المواقف السياسية ضد الاستكبار العالمي، والخطب التي تلقى في المجالس تتناول أحيانا قضايا الأمة الإسلامية، وأحداث المنطقة.
الدور الخدمي
الأربعين أيضا فرصة لمبادرات اجتماعية، مثل التبرع بالدم، أو جمع التبرعات للفقراء، أو حملات بيئية وتنظيف المدن بعد المراسم.
التحديات المعاصرة
الازدحام الحدودي
مع تزايد المشاركين، تواجه المعابر البرية ضغطا كبيرا، ما يتطلب تنظيما أمنيا ولوجستيا دقيقا.
الأزمات الصحية
مثل جائحة كورونا التي أدت إلى تعليق المسيرات أو تقييد السفر.
التكاليف المادية
خاصة مع ارتفاع تكاليف النقل والإقامة، ما يجعل بعض الفئات غير قادرة على المشاركة.
سادسا: مقارنة مع العراق
في العراق، تتركز المراسم في كربلاء والنجف، بينما في إيران تنتشر عبر جميع المدن، مع حركة سفر ضخمة نحو العراق.
البعد الفني في إيران (مثل التعزية) أكثر تطورا من العراق، بينما يتميز العراق بكثافة المسيرة المليونية.
الأربعين في الذاكرة الشعبية الإيرانية
الأربعين حاضر في الأمثال، والأشعار، والأغاني الشعبية، فالشعراء الكبار مثل محتشم الكاشاني، وهو أحد أشهر شعراء العصر الصفوي، نظموا قصائد خالدة عن كربلاء تُتلى حتى اليوم في المجالس.
الأربعينية في إيران ليست مجرد مناسبة دينية، بل هي منظومة متكاملة من الشعائر والعلاقات الاجتماعية، ومجال للتعبير الثقافي والسياسي، ومع استمرار الزحف المليوني نحو كربلاء، تبقى هذه المناسبة شاهدا على عمق الارتباط الروحي بين الشيعة والإمام الحسين، وعلى قدرة هذه الذكرى على توحيد الناس حول قيم العدل والحرية.

