خطوة لمواجهة التضخم أم حركة استعراضية؟ البرلمان الإيراني يوافق على حذف 4 أصفار من العملة الوطنية بشرط

كتب: ربيع السعدني 

في خطوة جريئة تهدف إلى إعادة هيكلة النظام النقدي وتسهيل المعاملات الاقتصادية، وافقت اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني على مشروع قانون يقضي بحذف أربعة أصفار من العملة الوطنية “الريال”، جاء ذلك في جلسة عقدت يوم الأحد 3 أغسطس/آب 2025، مع الإبقاء على اسم “الريال” كعملة رسمية.

وفقا لمشروع القانون الجديد، سيعادل كل ريال جديد 10.000 ريال حالي مع إعادة إدخال وحدة نقدية صغيرة تُعرف بـ”القرآن”، حيث يساوي الريال الجديد 100 قرآن، هذا الإجراء الذي يهدف إلى تبسيط المعاملات المالية وتقليل الأرقام الكبيرة في الحسابات، يأتي في إطار جهود لتعزيز الهيبة الاقتصادية للعملة الوطنية في المحافل الدولية.

تأتي هذه الخطوة في الوقت الذي شهدت فيه إيران سنوات من ارتفاع التضخم وانخفاض حاد في قيمة عملتها، ويقدر صندوق النقد الدولي أن معدل التضخم في إيران بحلول عام 2024 سيبلغ نحو 31.7%، ويتوقع أن يصل هذا المعدل إلى 43.3% بنهاية عام 2025، كما تراجعت قيمة العملة الوطنية الإيرانية بشكل كبير، إذ فقدت 280% من قيمتها خلال السنوات الخمس الماضية ومع تصاعد التضخم، تتآكل القوة الشرائية للنقود، وتصبح الأسعار أرقاماً طويلة تُعقّد الحياة اليومية. 

لمواجهة هذا التحدي، يلجأ صناع السياسات النقدية إلى حيلة ذكية تُسمى “إعادة تعريف النقود”، الفكرة بسيطة: استبدال العملة القديمة بوحدة جديدة بقيمة أعلى، من خلال حذف عدد من الأصفار. 

بهذه الطريقة، يُعاد ضبط النظام النقدي ليصبح أكثر سلاسة وسهولة في التعامل وفي ظل هذه الظروف، تُعدّ إزالة الأصفار من العملة الوطنية خطوةً مثيرةً للجدل  فبينما يُشير مؤيدوها إلى أسباب اقتصادية عديدة، يُحذّر منتقدوها من عواقبها الواقعية.

وفي هذا الصدد أعلن محافظ البنك المركزي محمد رضا فرزين، عن خطة طموحة لإزالة أربعة أصفار من الريال، وذلك ضمن رؤية شاملة لتعزيز مكانة العملة الوطنية، في كلمته خلال مايو/أيار 2025 أكد فرزين أن هذا الإصلاح يهدف إلى استعادة هيبة الريال على الساحة الاقتصادية العالمية، مستلهماً تجارب دول نجحت في تنفيذ سياسات مماثلة.

“نحن نسير بخطى واثقة نحو إعادة هيكلة الريال،” يقول فرزين، مشددا على أن الإصلاح ليس مجرد إجراء تقني، بل خطوة حاسمة لتعزيز الثقة بالعملة، وأضاف: “إزالة الأصفار ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لخلق نظام نقدي أكثر كفاءة وجاذبية، شريطة تنفيذها في التوقيت المناسب”، ووفقا لآخر التطورات، منحت اللجنة الاقتصادية في البرلمان موافقة مشروطة على مشروع القانون الحكومي لإزالة الأصفار الأربعة، مع تأكيد ضرورة تهيئة التفاصيل لتتماشى مع القوانين الأخرى. 

هذه الخطوة، التي تأتي في إطار سعي البنك المركزي لتحسين الصورة الاقتصادية للريال، تُعد بمثابة نقطة تحول محتملة، قد تُعيد رسم ملامح الاقتصاد الإيراني إذا ما تم تنفيذها بحكمة ودقة، أما عن تأثير حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية على التضخم، أوضح عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان محمد بور أن هذا القانون لم يتناول مسألة التضخم، مشيرا إلى أنه طُرح على البرلمان منذ سنوات دون اتخاذ قرار نهائي بشأنه.

وأضاف: “يهدف البنك المركزي من خلال هذا القانون إلى تجاوز القيود القانونية المتعلقة بإصدار الأوراق النقدية، فحذف أربعة أصفار سيجعل 10 آلاف ريال اليوم تعادل ريالا واحدا، هذا التغيير لن يرفع قيمة العملة بمفرده، لكنه قد يترك أثرا على الاقتصاد والنظام المحاسبي والإداري في البلاد”.

عقود طويلة من النقاش

لم يكن حذف الأصفار من العملة الوطنية فكرة جديدة في إيران، بدأ الحديث عن هذا الإصلاح في التسعينات خلال حكومة أكبر هاشمي رفسنجاني، لكنه ظلّ مجرد مقترح ثم تجدد في عهد الحكومة التاسعة، برئاسة محمود أحمدي نجاد، حيث ازدادت المسألة جدية، وكُلّف محافظ البنك المركزي آنذاك، محمود بهمني، بإجراء دراسات أولية. 

إلا أن الخطة توقفت عند تطبيق قانون استهداف الدعم والتقلبات الاقتصادية الحادة، وفي عهد حكومة حسن روحاني، أُعيد طرح مسألة حذف الأصفار، وكان هناك في البداية حديث عن حذف ثلاثة أصفار في النهاية، أُعدّ مشروع قانون لحذف أربعة أصفار وإصلاح العملة، لكن تنفيذه أُجّل لحين استقرار التضخم وتوفير البنية التحتية، وقد أظهرت قرارات عديدة، مثل تغيير وحدة العملة الوطنية من الريال إلى التومان في ديسمبر/كانون الأول 2016 دون حذف الأصفار، مسار إصلاحات النظام النقدي، لكنه لم ير النور بسبب التحديات الاقتصادية والسياسية. 

في أغسطس/آب 2019، قدمت الحكومة الثانية عشرة برئاسة حسن روحاني مشروع قانون رسميًا إلى البرلمان، وبعد توقف طويل، وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون حذف أربعة أصفار، وفي مايو/أيار 2020، أقرّ البرلمان أحكامه العامة، إلا أن العقوبات وتقلبات أسعار الصرف وتفشي فيروس كورونا حالت دون تنفيذه. 

أُقر القانون في نسخته المنقحة عام 2025 بعد مراجعة شاملة ومواءمة مع قانون البنك المركزي الجديد لعام 2023، والآن، مع إعادة طرح الخطة من قِبَل الحكومة والبرلمان، يُطرح سؤال مهم: هل تتوافر الظروف الملائمة لنجاح تطبيقها؟ هل سيؤدي حذف الأصفار إلى تحسين القدرة الشرائية أم السيطرة على التضخم؟

اعتراضات على القانون

واجه المشروع اعتراضات من مجلس صيانة الدستور، خاصة في ما يتعلق بالتزامات إيران تجاه صندوق النقد الدولي. 

يرى خبراء أن إلغاء الأصفار من العملة لن يؤثر مباشرة على التضخم أو القدرة الشرائية، بل هو إجراء رمزي قد يعزز الثقة النفسية ويبسط المعاملات، يقلل من تكاليف طباعة النقود ويعزز كفاءة الاقتصاد، لكن بدون إصلاحات هيكلية، يبقى تأثيره محدودًا. 

تجارب زيمبابوي والأرجنتين تُظهر فشل الإجراء بدون إصلاحات، بينما نجحت تركيا بفضل تغييرات متزامنة، حيث يصف الخبير المصرفي الإيراني أحمد حاتمي إزالة الأصفار بـ”الاستعراض”، مؤكدا أنها لا تقلل التضخم أو تعزز التوظيف، يدعو لسياسات تستهدف الاستقرار الاقتصادي والاستثمار بدلا من إجراءات رمزي، ويرى عودة عملة باسم “القرآن” كالحنين غير العملي، محذرا من تكاليف الطباعة وصرف الانتباه عن القضايا الأساسية.

يعتبر عضو هيئة التدريس بجامعة طهران، ألبرت بغزيان، إلغاء الأصفار غير ضروري في ظل التحديات الاقتصادية، كعجز الموازنة والعقوبات، يشبه الإجراء بترتيب سطحي قبل إتمام إصلاحات جوهرية، يحذر من تكاليف الطباعة والبلبلة المحاسبية، مشيرا إلى أن استقرار الاقتصاد يجب أن يسبق هذا التغيير، كما يؤكد الخبير الاقتصادي كامران نيدري لوكالة “خبر أونلاين”،  أن إزالة الأصفار تُبسط المحاسبة فقط، دون تأثير على التضخم أو قيمة العملة، يشدد على أهمية معالجة الفساد واختلالات النظام المصرفي، وتصفية البيانات، والتعامل مع FATF كأولويات رئيسية للاقتصاد.

الريال يبقى.. و”التومان” يتراجع

ومع ذلك، أكد شمس الدين حسيني، رئيس اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، أن تغيير وحدة العملة لن يؤثر على الالتزامات الدولية، حيث ستظل الحسابات بالنقد الأجنبي خاضعة لقواعد الصندوق.

خلافا للمقترح الحكومي الذي دعا إلى تغيير اسم العملة إلى “تومان”، قررت اللجنة الاقتصادية الإبقاء على اسم “الريال” كعملة وطنية رسمية، استنادا إلى المادة 58 من قانون البنك المركزي الجديد، ويُعتبر هذا القرار بمثابة حفاظ على الهوية النقدية التقليدية للبلاد، كما تم الاتفاق على إعادة تعريف “القرآن” كوحدة نقدية صغيرة، حيث يعادل كل ريال جديد 100 قرآن، مما يوفر مرونة أكبر في التعاملات اليومية.

مزايا الإصلاح

يُنظر إلى إزالة الأصفار على أنها خطوة قد تحمل فوائد اقتصادية ونفسية متعددة، منها:

تبسيط المعاملات المالية: تقليل عدد الأرقام في الحسابات والتقارير المالية، مما يسهل العمليات المحاسبية.

خفض التكاليف: تقليص نفقات طباعة الأوراق النقدية والعملات المعدنية.

تعزيز الثقة: تحسين صورة العملة الوطنية محليًا ودوليا، خاصة إذا رافقتها إصلاحات هيكلية، ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن هذه الفوائد لن تتحقق إلا إذا تزامن الإجراء مع سياسات للحد من التضخم وتحسين الانضباط المالي.

تحديات وانتقادات

على الرغم من التفاؤل الذي يبديه المؤيدون، يحذّر المنتقدون من أن حذف الأصفار قد يكون تغييرا شكليا إذا لم يترافق مع إصلاحات اقتصادية جذرية، ومن أبرز التحديات:

التضخم المزمن: إيران تعاني من معدلات تضخم مرتفعة، ودون معالجة هذه المشكلة، قد تفقد العملة الجديدة قيمتها بسرعة.

تكاليف التنفيذ: عملية استبدال الأوراق النقدية والعملات المعدنية القديمة قد تكون مكلفة ومعقدة.

ارتباك محتمل: الانتقال إلى نظام نقدي جديد قد يسبب اضطرابات في الأسواق إذا لم يتم إدارته بعناية، ويشير فتح الله توسلي، عضو اللجنة الاقتصادية في البرلمان، في تصريح لوكالة تسنيم للأنباء، إلى أن بعض الخبراء يرون أن مثل هذه الإصلاحات تتطلب استقرارا اقتصاديا مسبقا، وهو ما لا يزال غائبا في ظل التحديات الاقتصادية الحالية.

تداعيات الحذف 

ردا على ذلك، كتب الخبير الاقتصادي محسن زنكنة على صفحته الشخصية في منصة إكس، وفقا لوكالة مهر للأنباء: “إن قضية حذف أربعة أصفار من العملة الوطنية في ظل معدل تضخم يتجاوز 40%، وسياسات سعر صرف غير مستقرة ومحفزة للتضخم، مع غياب رؤية اقتصادية حكومية متكاملة وفريق اقتصادي متمكن، لن يقتصر تأثيره على فشل في تحسين الاقتصاد، بل سيفتح الباب أمام الحكومة لتوسيع سياساتها التضخمية عبر تعديل توقعات التضخم بشكل رسمي، مما يزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية”.

في المقابل، يدافع مؤيدو هذه الخطوة عنها، معتبرين أنها “جراحة نقدية” ضرورية لأسباب عدة، منها: استعادة ثقة المواطنين بالعملة الوطنية، وتقليص الأرقام الضخمة في المعاملات المالية، وخفض تكاليف إنتاج وصيانة الأوراق النقدية، كما يرون أنها ستعزز الصورة العالمية للعملة وتتماشى مع الممارسات الدولية الشائعة.

تجارب عالمية

حتى الآن، حاولت ما يقرب من 20 دولة حذف الأصفار من عملاتها الوطنية مرة واحدة على الأقل، وفي 10 دول أخرى، حدث ذلك مرتين، وفي بعض الدول، استُخدم هذا الحل أكثر من مرتين. 

بالنظر إلى تطبيق هذا الحل في بلدنا، فإن دراسة تجارب كل دولة، وإخفاقاتها ونجاحاتها، يمكن أن تُسهم أيضا في التنفيذ السليم لإزالة الأصفار في إيران، وفقا لوكالة أنباء ISNA، يُعدّ حذف الصفر من عملة دولة ما، أو ما يُسمى “إعادة تعريف العملة”، إجراءً تتخذه بعض الدول (غالبا بسبب التضخم)، وقد شهد التاريخ أمثلةً عديدة على حذف الصفر أو إعادة تعريف العملة، وقد حدث معظمها في الدول النامية أو المتخلفة أو ما بعد الحرب.  

توفر تجارب الدول الأخرى دروسًا قيمة حول نجاح أو فشل سياسة حذف الأصفار:

تركيا (2005): نجحت تركيا في حذف ستة أصفار من الليرة بفضل إصلاحات شاملة شملت ضبط التضخم وتعزيز الانضباط المالي، مما أدى إلى استقرار العملة وزيادة الثقة بها.

زيمبابوي (2006- 2009): فشلت زيمبابوي في تحقيق استقرار نقدي بعد حذف 25 صفرا على مراحل، بسبب استمرار التضخم المفرط، مما أدى إلى التخلي عن العملة الوطنية.

الأرجنتين (الثمانينيات): حققت الأرجنتين نجاحا مؤقتا بحذف الأصفار، لكن عودة التضخم أعادت الأزمة بقوة بسبب غياب إصلاحات مستدامة.

تُظهر هذه التجارب أن حذف الأصفار ليس حلا سحريا، بل يتطلب سياسات داعمة لضمان النجاح.

الخطوات القادمة

لضمان نجاح هذا الإصلاح، يتعين على الحكومة والبنك المركزي اتخاذ خطوات دقيقة:

إعداد لوائح تنفيذية: سيقوم البنك المركزي بصياغة لوائح تنفيذية لعملية استبدال العملة، تُعرض على مجلس الوزراء بعد موافقة المجلس الأعلى للبنك.

توعية الجمهور: تدريب المواطنين والبنوك والقطاع الخاص على النظام النقدي الجديد لتجنب الارتباك.

إدارة الانتقال: جمع الأوراق النقدية والعملات القديمة بطريقة منظمة لضمان انتقال سلس إلى النظام الجديد.

وأكد شمس الدين حسيني، رئيس اللجنة الاقتصادية في البرلمان الإيراني، أن التعديلات الأخيرة على مشروع القانون قد عالجت اعتراضات مجلس صيانة الدستور، مما يمهد الطريق لتطبيق الإصلاح بسلاسة.

إصلاح أم واجهة؟

يُعد قرار حذف أربعة أصفار من الريال خطوة تاريخية قد تحمل في طياتها فرصا كبيرة لإيران، لكن نجاحها يعتمد على مدى التزام الحكومة بإصلاحات اقتصادية جوهرية، دون معالجة التضخم المزمن، تحسين الانضباط المالي، وتعزيز استقلالية البنك المركزي، قد يظل هذا الإجراء مجرد تغيير شكلي لا يعالج التحديات البنيوية للاقتصاد الإيراني.

ختاما، يمثل هذا القرار فرصة لإعادة تعريف العملة الوطنية وتعزيز مكانتها، لكنه يتطلب تنفيذًا دقيقًا وإصلاحات شاملة لتحقيق النتائج المرجوة.