- زاد إيران - المحرر
- سياسة داخلية, متميز
- 668 Views
في سياق التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، برز عمل تحليلي صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لوكالة تسنيم الإيرانية بعنوان الاستراتيجية المحروقة، بوصفه محاولة لفهم طبيعة الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل من منظور إيراني. الدراسة، التي أعدها الباحث علي كاكا دزفولي، ونشرت في مارس/ آذار 2026 تقدم قراءة شاملة للحرب باعتبارها مواجهة مركبة تتجاوز البعد العسكري لتشمل الاقتصاد والمجتمع والإعلام، كما تسعى إلى تفسير ما تعتبره فشلا لاستراتيجية الأرض المحروقة، مع إبراز عوامل الصمود الداخلي، وطرح توصيات للتعامل مع المراحل اللاحقة من الصراع.

تحليل الحرب وأسبابها وفشلها
يرى التقرير أن الحرب الحالية التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة والتي أسمتها حرب شهر رمضان ا لا يمكن فهمها باعتبارها مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي نتيجة مسار طويل من التراكمات السياسية والاستراتيجية التي تشكلت عبر سنوات من التوتر المتصاعد. فقد تداخلت العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والصراعات الإقليمية، لتشكل بيئة دفعت في النهاية نحو التصعيد العسكري. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى اندلاع المواجهة باعتباره نتيجة مباشرة لفشل أدوات الضغط غير العسكرية في تحقيق أهدافها، ما دفع الأطراف المقابلة إلى الانتقال إلى خيار أكثر حدة يعتمد على القوة العسكرية.
في هذا السياق، يركز التحليل على المرحلة الأولى من الحرب، المعروفة بحرب الـ ١٢ يوما والتي اندلعت في يونيو/ حزيران 2025، والتي صممت كعملية خاطفة تهدف إلى تحقيق نتائج حاسمة خلال فترة قصيرة. وقد استهدفت هذه المرحلة مراكز القيادة والبنية العسكرية، على أساس أن الضربات الدقيقة والمباغتة يمكن أن تؤدي إلى شل منظومة القرار، وإحداث حالة من الارتباك الداخلي. كما بنيت هذه الاستراتيجية على فرضية أن الصدمة العسكرية الأولى، بالتوازي مع الضغوط الاقتصادية السابقة، قد تدفع المجتمع إلى حالة من الغليان، بما يفتح الباب أمام اضطرابات داخلية تُسرّع من تحقيق الأهداف السياسية.

غير أن هذه الفرضيات لم تتحقق على أرض الواقع. فبدلا من الانهيار السريع، أظهرت مؤسسات الدولة قدرة على امتصاص الضربة الأولى، وإعادة تنظيم نفسها خلال فترة قصيرة. ولم تتحقق فكرة قطع الرأس، إذ لم تنهر منظومة القيادة، بل استمرت في العمل، ما سمح باستمرار العمليات العسكرية المضادة. ويشير التحليل إلى أن وجود بنية دفاعية مرنة وموزعة، تشمل مواقع محصنة وأخرى تحت الأرض، ساهم في تقليل فعالية الضربات المباشرة، ومنع تحقيق شلل كامل في القدرات العسكرية.
وعلى الصعيد الداخلي، لم يتحقق الرهان على تفكك المجتمع أو اندلاع اضطرابات واسعة. بل على العكس، يشير التحليل إلى أن التصعيد العسكري ساهم في خلق حالة من التماسك النسبي، حيث عزز الشعور بالتهديد الخارجي نزعة الدفاع عن الدولة. هذا التماسك، حتى وإن لم يكن مطلقا، فقد كان كافيا لإفشال سيناريو الانهيار الداخلي الذي كان يعول عليه في المرحلة الأولى.
كما يبرز عامل آخر يتمثل في سوء تقدير القدرات العسكرية للطرف المقابل. فقد تبين أن القدرة على الرد لم تكن محدودة، بل اتسمت بالاستمرارية والتنظيم، بل وتوسعت لتشمل نطاقا جغرافيا أوسع، وهو ما ساهم في تعقيد المواجهة وتحويلها من عملية خاطفة إلى صراع أكثر امتدادا. هذا التحول فرض معادلة جديدة، لم تكن محسوبة في التقديرات الأولية.
في ضوء هذه النتائج، يخلص التحليل إلى أن المرحلة الأولى من الحرب لم تحقق أهدافها الاستراتيجية، رغم كثافة العمليات. فقد فشلت في شل النظام، ولم تؤد إلى انهيار داخلي، كما لم تنجح في تقليص القدرات العسكرية بشكل حاسم. ونتيجة لذلك، أصبح من الضروري إعادة تقييم النهج المتبع، والبحث عن وسائل جديدة لتحقيق الأهداف، وهو ما مهد للانتقال إلى مرحلة مختلفة من الصراع تعتمد على أدوات أكثر شمولا وتأثيرا.
الأرض المحروقة… تفسير استراتيجية العدو وأهدافها
ينتقل التقرير إلى تحليل التحول في طبيعة المواجهة، معتبرا أن الفشل في تحقيق الأهداف عبر الضربات العسكرية المباشرة دفع إلى تبني استراتيجية مختلفة تقوم على استهداف البنية التحتية والمجتمع بدلا من الاقتصار على الأهداف العسكرية التقليدية. هذه الاستراتيجية، التي يصفها بالأرض المحروقة، لا تركز على تحقيق نصر سريع في ميدان القتال، بل على إضعاف القدرة العامة للدولة على الاستمرار، من خلال ضرب مقومات الحياة اليومية مثل الكهرباء والمياه والوقود وشبكات الاتصالات.
ويفهم هذا التحول، وفق التحليل، باعتباره انتقالا متعمدا لمركز الثقل في الحرب من الجبهة العسكرية إلى الداخل الاجتماعي. فبدلا من مواجهة مباشرة مع القدرات العسكرية، يتم استهداف النظام الحيوي للدولة، أي شبكات الدعم اللوجستي والاقتصادي التي تمكنها من العمل. هذا التوجه يعكس إدراكا بأن الحسم العسكري المباشر قد يكون مكلفا أو غير مضمون، في حين أن الضغط على المجتمع يمكن أن يؤدي إلى نتائج سياسية غير مباشرة، من خلال إنهاك الدولة تدريجيا.
وفي هذا السياق، يتم تفسير الأهداف على مستويين متكاملين. على المستوى السياسي والعسكري، يرى التقرير أن الغاية الأساسية تتمثل في إضعاف النظام أو دفعه نحو التغيير، عبر تقليص قدراته الاستراتيجية، خاصة في المجالات العسكرية والتكنولوجية. كما ترتبط هذه الأهداف بمحاولة إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، بما يضمن الحفاظ على التفوق الأمريكي والإسرائيلي، والحد من النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة، سواء عبر الحضور العسكري أو التحالفات السياسية.
أما على المستوى الاجتماعي والنفسي، فتأخذ الاستراتيجية بعدا أكثر تعقيدا، إذ يتم التركيز على خلق حالة من الضغط المستمر داخل المجتمع، من خلال تعطيل الحياة اليومية، وفرض أزمات معيشية متكررة. هذا الضغط يهدف، وفق الطرح، إلى توليد شعور عام بالعجز واليأس، بما يؤدي إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة، وربما يدفع قطاعات من المجتمع إلى التعبير عن غضبها في شكل احتجاجات أو اضطرابات داخلية.

كما يشير التحليل إلى أن هذه الاستراتيجية تسعى إلى استغلال التباينات الداخلية داخل المجتمع، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو قومية، بهدف تحويلها إلى نقاط ضعف. فالتنوع الداخلي، الذي قد يكون في الظروف الطبيعية مصدر قوة، يمكن، في ظل الضغوط، أن يتحول إلى عامل انقسام إذا ما تم توظيفه بشكل ممنهج. وينظر إلى هذا البعد كجزء من محاولة أوسع لتفكيك التماسك الوطني من الداخل.
إلى جانب ذلك، تلعب الحرب الإعلامية دورا محوريا في هذه الاستراتيجية. فالمعركة، وفق هذا التصور، لا تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل أيضا حول السيطرة على الوعي والإدراك. ويتم ذلك من خلال نشر معلومات موجهة، أو تضخيم الأزمات، أو بث الشائعات، بهدف إضعاف الروح المعنوية، وزيادة حالة القلق وعدم اليقين داخل المجتمع. هذه الحرب النفسية تُعد، في هذا السياق، مكملة للضغوط المادية، وتشكل جزءًا لا يتجزأ من أدوات المواجهة.
كما يبرز التحليل بعدا طويل المدى لهذه الاستراتيجية، يتمثل في محاولة إضعاف القدرة المستقبلية للدولة، من خلال استهداف البنية التحتية الحيوية والعلمية، بما يحد من قدرتها على التعافي السريع. فالفكرة لا تقتصر على تحقيق مكاسب آنية، بل تمتد إلى التأثير على مسار التنمية والاستقرار لسنوات لاحقة.
في المجمل، يخلص التحليل إلى أن هذه الاستراتيجية تمثل انتقالا واضحا من نمط الحرب التقليدية إلى نمط أكثر شمولا وتعقيدا، حيث يتم استخدام مزيج من الأدوات العسكرية وغير العسكرية لتحقيق أهداف سياسية. وهي، في جوهرها، محاولة لإضعاف الدولة من الداخل، عبر الضغط على المجتمع، بدلا من الاعتماد الحصري على المواجهة العسكرية المباشرة.
إبراز عوامل الصمود وتقديم حلول للمواجهة
في مواجهة هذه الاستراتيجية المركبة، يركز التقرير على مجموعة من العوامل التي يعتبرها حاسمة في إفشال الأهداف المرجوة منها، ويضع مفهوم الصمود الشامل في قلب هذه المواجهة. فالمعركة، وفق هذا التصور، لا تحسم فقط في الميدان العسكري، بل تعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الدولة والمجتمع على التكيف والاستمرار تحت الضغط. وفي هذا الإطار، يأتي الحفاظ على استمرارية مؤسسات الدولة، وخاصة منظومة القيادة والسيطرة، كأحد أهم عناصر القوة، إذ إن بقاء هذه المنظومة فعالة، حتى في ظل الضربات، يمنع حدوث فراغ في السلطة، ويضمن استمرارية اتخاذ القرار وإدارة الأزمة دون ارتباك.
كما يؤكد التحليل على أهمية القدرة على الرد، ليس فقط من حيث القوة العسكرية، بل من حيث الاستمرارية والمرونة في التنفيذ. فالرد الذي يمتد زمنيا وجغرافيا، ويفرض تكلفة على الطرف الآخر، يسهم في خلق نوع من التوازن، ويحول دون فرض معادلة أحادية. هذا العامل، بحسب الطرح، لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يشمل أيضا القدرات التقنية والتنظيمية التي تتيح إدارة العمليات بشكل مستمر وفعال.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل التماسك المجتمعي باعتباره أحد أهم ركائز الصمود. فالمجتمع الذي يحتفظ بدرجة من التضامن، ويشعر بوجود تهديد خارجي مشترك، يكون أكثر قدرة على تحمل الضغوط، وأقل عرضة للانقسام. ويشير التحليل إلى أن هذا التماسك لا يعني غياب المشكلات أو الخلافات، لكنه يعكس قدرة المجتمع على تأجيل هذه الخلافات، والتركيز على التهديد الأكبر. هذا البعد النفسي والاجتماعي يعد، في نظر التقرير، عنصرا لا يقل أهمية عن القدرات العسكرية.

كما يتم تسليط الضوء على دور الاقتصاد، وخاصة فيما يتعلق بقدرة شبكات التوزيع على الاستمرار. فالحفاظ على تدفق السلع الأساسية، مثل الغذاء والوقود، وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، يسهم في تقليل آثار الضغوط، ويمنع تحول الأزمات إلى حالة من الانهيار الشامل. وينظر إلى هذا الجانب باعتباره جزءا من الدفاع غير المباشر، الذي يهدف إلى حماية الجبهة الداخلية من التفكك.
وفيما يتعلق بالحلول، يطرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية التي تركز على إدارة الأزمة بشكل متكامل. من أبرز هذه الإجراءات، إدارة فعالة للإعلام، تقوم على تقديم معلومات دقيقة وسريعة، بهدف منع انتشار الشائعات، والحفاظ على ثقة المجتمع. فالمعلومة، في هذا السياق، تتحول إلى أداة استراتيجية، يمكن أن تعزز الصمود أو تضعفه.
كما يتم التأكيد على أهمية تعزيز التواصل بين الدولة والمجتمع، بحيث يشعر المواطن بأنه جزء من منظومة المواجهة، وليس مجرد متلقٍ للأحداث، هذا التواصل يسهم في بناء الثقة، ويقلل من تأثير الحرب النفسية، التي تعتمد على خلق فجوة بين الدولة ومواطنيها.
كذلك، يطرح التحليل فكرة اللامركزية في إدارة الأزمات، حيث يتم تمكين المجتمعات المحلية من التعامل مع التحديات اليومية، خاصة في حال تعطل البنية التحتية المركزية. ويشمل ذلك تحويل المؤسسات المحلية، مثل المساجد والمدارس، إلى مراكز لإدارة الأزمات، وتوزيع الموارد، وتقديم الدعم. هذا النهج يعزز المرونة، ويقلل من الاعتماد على مركز واحد، ما يزيد من قدرة النظام على التكيف.
كما يتم التشديد على ضرورة تأمين الموارد الأساسية، مثل المياه والطاقة والمواد الغذائية، من خلال خطط طوارئ وحلول بديلة، مثل استخدام مولدات متنقلة أو مرافق مؤقتة. وينظر إلى هذه الإجراءات باعتبارها ضرورية للحفاظ على الحد الأدنى من الحياة اليومية، ومنع تفاقم الأزمات.
وفي السياق ذاته، يبرز دور الخطاب الداعي إلى الوحدة الوطنية، وتجاوز الخلافات الداخلية، كعامل أساسي في تعزيز الصمود. كما يشير التحليل إلى أهمية التعامل بحزم مع أي محاولات لاستغلال الأزمة، سواء من خلال الاحتكار أو إثارة الفوضى، لما لذلك من تأثير مباشر على الاستقرار الداخلي.
أخيرا، يتم التأكيد على أهمية التحرك على المستوى الدولي، من خلال نقل صورة ما يحدث إلى الرأي العام العالمي، بهدف كسب دعم أو تعاطف. وفي المجمل، يقدم هذا المحور رؤية متكاملة للصمود، تجمع بين الأبعاد العسكرية والاجتماعية والاقتصادية، وتؤكد أن مواجهة هذا النوع من الحروب تتطلب استجابة شاملة على جميع المستويات.

